تتعدد مكاسب مشاركة مصر فى قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى، بداية من تأكيد مكانتها الإقليمية كلاعب رئيسى فى الملفات الهامة والقضايا الحيوية بالمنطقة، لأنها تمتلك مفاتيح الحل فى كل أزمات الشرق الأوسط، فضلًا عن تتابع الشواهد على قوة علاقات القاهرة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية من الاتحاد الأوروبى إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب روسيا والصين ودول القارة السمراء.
كما أن هذه المشاركة القوية من الرئيس السيسى فى قمة الـ«G7»تعكس التقدير الدولى للتجربة التنموية المصرية ونحاح مسيرة الإصلاح الاقتصادى التى أسهمت فى تقوية بنية الاقتصاد المصرى، وترتب على ذلك سعى كبرى التكلتلات الاقتصادية للتعاون مع مصر فى شتى القطاعات.
وفى هذا الاتجاه، يرى الخبراء أن مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى القمة تعكس تقديرًا عالميًا متزايدًا للدور المصرى، مشيرين إلى أن دعوة مصر للمشاركة فى مثل هذه القمم تجسد الثقة الدولية فى السياسة الخارجية المصرية وقدرتها على طرح رؤى متوازنة تسهم فى حل المعضلات الدولية المعقدة، بدءًا من أزمات الهجرة غير الشرعية وصولًا إلى الأمن الغذائى والمناخى.
وأوضحوا أن الدبلوماسية المصرية ترتكز فى هذه المحافل على تقديم حلول واقعية ومستدامة، وتسعى دائمًا إلى تمثيل مصالح الدول النامية والناشئة، والتأكيد على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لتحقيق التنمية الشاملة.
كما تتجاوز المشاركة فى فعاليات القمة دلالاتها البروتوكولية المباشرة، لتصبح منصة لفتح آفاق استثمارية جديدة، وتعزيز التعاون الأمنى، وبناء تفاهمات سياسية حول الملفات المتفجرة فى الشرق الأوسط. ويعكس نشاط الرئيس السيسى المكثف فى مدينة إيفيان الفرنسية نهج مصر التفاعلى مع القوى الدولية الكبرى، واضعًا المصالح الوطنية المصرية ومصالح المحيط الإقليمى فى صدارة أجندة التفاهمات الدولية.
واستهل الرئيس السيسى نشاطه فى مدينة إيفيان الفرنسية بالمشاركة فى فعاليات قمة مجموعة السبع الصناعية، حيث كان فى استقباله الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بمقر انعقاد القمة وسط حضور دولى رفيع المستوى، قبل أن يشارك فى غداء عمل بعنوان «مواجهة الأزمات وضمان الاستقرار فى الشرق الأوسط»، حيث استعرض الرؤية المصرية تجاه التحديات الراهنة والسبل الكفيلة بتحقيق التهدئة.
كما التقى الرئيس السيسى، أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبى، على هامش أعمال القمة.
وأوضح المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية أن الرئيس أكد تقديره للمسار المتنامى الذى تشهده العلاقات المصرية - الأوروبية، خاصة بعد ترفيعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وانعقاد أول قمة بين مصر والاتحاد الأوروبى فى أكتوبر 2025، معربًا عن أهمية مواصلة العمل من أجل تعزيز هذه العلاقات فى مختلف المجالات، خاصة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، فضلًا عن تعزيز التشاور السياسى والتنسيق بين الجانبين دعمًا للسلم والاستقرار الإقليمى.
وأشار السفير محمد الشناوى، المتحدث الرسمى، إلى أن رئيس المجلس الأوروبى ثمن بدوره الشراكة الاستراتيجية القائمة بين مصر والاتحاد الأوروبي، مشيدًا بالتطور الذى تشهده العلاقات بين الجانبين، ومؤكدًا حرص الجانب الأوروبى على مواصلة تعزيز هذه الشراكة فى مختلف المجالات بما يحقق المصالح المشتركة للطرفين.
وأضاف المتحدث الرسمى أن اللقاء تطرق أيضًا إلى مستجدات الأوضاع الإقليمية، حيث أكد الرئيس ترحيب مصر بالاتفاق الذى تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، معربًا عن تطلع مصر إلى أن يسهم هذا الاتفاق فى خفض التصعيد الذى شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية. كما شدد على حرص مصر على مواصلة العمل مع الجانب الأوروبى من أجل إيجاد تسويات شاملة ومستدامة لمختلف الأزمات التى تواجه المنطقة، لا سيما فى ظل التقارب فى الرؤى بين الجانبين إزاء العديد من القضايا.
وفى السياق ذاته، أكد الرئيس السيسى ضرورة الالتزام بتنفيذ بنود خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام فى قطاع غزة، والحفاظ على التهدئة بالقطاع، وتعزيز دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، فضلًا عن سرعة البدء فى عملية التعافى المبكر وإعادة الإعمار.
من جانبه، أعرب رئيس المجلس الأوروبى عن أهمية التنسيق الوثيق بين مصر والاتحاد الأوروبى لتحقيق السلم الإقليمى والدولى وتسوية مختلف الأزمات، مؤكدًا تقديره للدور الذى تقوم به مصر من أجل إرساء الاستقرار فى المنطقة، وللجهود التى بذلتها لدعم المسار التفاوضى بين الولايات المتحدة وإيران.
كما ثمن التعاون الوثيق بين مصر والاتحاد الأوروبى فى مجالى مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، مؤكدًا أهمية هذا التعاون لتحقيق الأمن والازدهار على ضفتى البحر المتوسط.
وعلى هامش القمة أيضًا، التقى الرئيس السيسى أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية.
وأكد المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية أن الرئيس أشاد بما شهدته العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبى من زخم ومسار إيجابى منذ ترفيعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2024، مشددًا على حرص مصر على تعزيز هذه العلاقات واستكشاف فرص التعاون فى مجالات مبتكرة وغير تقليدية.
كما استعرض الرئيس الجهود التى قامت بها الدولة المصرية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية الهادفة إلى تحسين تنافسية الاقتصاد المصرى ومرونته، وتطوير بيئة الاستثمار، معربًا عن تطلعه إلى أن ينعكس ذلك على حجم أعمال الشركات الأوروبية فى مصر.
وأشار السفير محمد الشناوى إلى أن رئيسة المفوضية الأوروبية أعربت عن ارتياحها للوتيرة الإيجابية التى تشهدها علاقات التعاون مع مصر فى مختلف المجالات، مشيدة بالجهود التى بذلتها الدولة المصرية فى مجال الإصلاح الاقتصادى خلال السنوات الأخيرة، وكذلك فى مجالى مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، خاصة فى ظل الأعباء الاقتصادية والإنسانية الضخمة التى تحملتها نتيجة الأزمات فى محيطها الإقليمى.
وشددت فون دير لاين على التزام الاتحاد الأوروبى بمواصلة العمل عن كثب مع مصر لمواجهة التحديات المشتركة، وبناء السلام، وتعزيز التعاون بين ضفتى المتوسط.
ويرى الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية، أن زيارة الرئيس السيسى إلى فرنسا ومشاركته فى قمة السبع تمثل محطة مهمة فى مسار السياسة الخارجية المصرية، سواء من حيث التوقيت أو الدلالات السياسية والاقتصادية، فضلًا عما تحمله من رسائل تعكس المكانة المتصاعدة لمصر على الساحة الدولية.
وأشار إلى أن مصر أصبحت لاعبًا رئيسيًا فى العديد من الملفات الدولية، وهو ما يتجلى فى دعوتها للمشاركة فى القمة، باعتبارها من الدول المؤثرة فى استقرار المنطقة وقضايا الاقتصاد العالمى.
وأوضح أن الاقتصاد المصرى بات اليوم جزءًا مهمًا من المعادلة الاقتصادية العالمية، خاصة مع مشاركة مصر فى عدد من التكتلات الاقتصادية والمنتديات الدولية، سواء عبر الشراكات الثنائية أو متعددة الأطراف، مؤكدًا أن هذا الانخراط يعكس تطورًا نوعيًا فى السياسة الاقتصادية الخارجية.
وأضاف أن مشاركة الرئيس السيسى فى قمة السبع تعكس تقديرًا دوليًا واضحًا للتجربة الاقتصادية المصرية، خاصة فى ظل قدرة الدولة على تحقيق معدلات نمو إيجابية رغم التحديات العالمية المتلاحقة، بما فى ذلك تداعيات جائحة كورونا، والأزمة الروسية - الأوكرانية، والتوترات الجيوسياسية التى أثرت على الاقتصاد العالمى وسلاسل الإمداد.
كما أشار إلى أن الاقتصاد المصرى أظهر قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الدولية بفضل برامج الإصلاح الاقتصادي، التى أسهمت فى تعزيز الاستقرار المالى وتحسين بيئة الاستثمار والحفاظ على معدلات النمو وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
وأكد أن مشاركة مصر فى قمة السبع تمثل منصة مهمة لفتح مجالات جديدة للتعاون مع القوى الاقتصادية الكبرى فى مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والتنمية المستدامة، وتعكس التحول الذى تشهده الدولة من دور إقليمى مؤثر إلى دور عالمى أكثر فاعلية وتأثيرًا.
من جانبه، أكد الدكتور محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربى للدراسات السياسية، أن مشاركة مصر فى قمة مجموعة السبع تكتسب أهمية كبيرة نظرًا لثقل المجموعة العالمى، باعتبارها تضم أكبر الاقتصادات الدولية وتناقش قضايا إقليمية ودولية ملحة.
وأشار إلى أن هذه المشاركة تمثل فرصة مهمة لعرض الرؤى المصرية تجاه قضايا الشرق الأوسط والتحديات الدولية الراهنة، لا سيما فى ضوء التفاهمات الأمريكية - الإيرانية الأخيرة، مؤكدًا أن مصر تحمل عدة رسائل خلال القمة، أبرزها ضرورة التوصل إلى تسوية سلمية عادلة للقضية الفلسطينية، ودعم المسارات السلمية فى لبنان والسودان، وتشجيع التنمية المستدامة فى المنطقة العربية.
وأوضح أن مصر ستطرح أيضًا رؤيتها بشأن التنمية المستدامة فى إفريقيا وفق أجندة إفريقيا 2063، إلى جانب قضايا تغير المناخ والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، مع التأكيد على مسؤوليات الدول الكبرى فى هذا الشأن وفق اتفاق باريس للمناخ.
كما أكد الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، أن دعوة مصر للمشاركة فى قمة مجموعة السبع بفرنسا تمثل تأكيدًا قويًا على مكانتها المرموقة كركيزة أساسية للأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط.
وأضاف أن مصر تمتلك شبكة علاقات استراتيجية قوية ومتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية، بدءًا من الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، وصولًا إلى روسيا والصين ودول الجنوب، وهو ما يعزز قدرتها على التأثير فى صياغة الحلول للأزمات العالمية.
وأشار إلى أهمية الحضور المصرى فى القمة لمناقشة ملفات حيوية، مثل أمن سلاسل الإمداد، وحرية الملاحة، ومواجهة التضخم العالمي، وأزمة مديونيات الدول، مؤكدًا أن التنسيق بين مصر والقوى الكبرى يسهم فى تخفيف حدة هذه التحديات على الدول النامية.
واختتم بالتأكيد على أن مصر تمثل «صوت العقل والرشاد» لدول الجنوب والقارة الإفريقية، حيث تدعو دائمًا إلى توفير التمويل اللازم لمشروعات البنية التحتية ونقل التكنولوجيا، وتتبنى نهجًا قائمًا على الحلول السلمية والدبلوماسية للنزاعات وفق قواعد القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يحظى بتقدير واسع من أعضاء مجموعة السبع.