«السوشيال ميديا» وصناعة الفتن.. كثيرًا ما يحذر الخبراء والمتخصصون من الوجه الآخر لوسائل التواصل الاجتماعي؛ ذلك الوجه الأكثر وحشية، الذى تحول خلال السنوات القليلة الماضية إلى ما يمكن وصفه بـ«السلاح المسموم». والمثير هنا أن الثورة التكنولوجية التى يشهدها العالم، والتغيرات التى تكاد تكون يومية فيما يتعلق بتطوير وسائل التواصل، أسهمت بدرجة كبيرة فى زيادة قوة هذا السلاح وخطورته. ولم تتوقف هذه الخطورة عند الأفراد فحسب، بل امتدت إلى الدول والعلاقات الدولية التى أصبحت على «رادار صناعة الفتن». ولعل ما واجهته العلاقات المصرية ـ الخليجية خير دليل على ذلك؛ إذ لا تكاد تمر فترة دون افتعال أزمة وهمية عبر منصات التواصل الاجتماعى، ومحاولة النيل من العلاقات التاريخية والأخوية المتجذرة، غير أن أبعاد هذه المحاولات سرعان ما تنكشف، وتتضح الصورة الكاملة.
وتُعد العلاقات المصرية ـ الإماراتية واحدة من أبرز نماذج التلاحم والأخوة بين القيادتين والشعبين، وهو ما شكّل دافعًا لدى بعض الأطراف لمحاولة تشويه هذه العلاقة ودق إسفين بين البلدين؛ تارةً عبر تسريب مزاعم حول «اختلاف المواقف»، وتارة أخرى من خلال نشر معلومات مغلوطة تتعلق بصفقات اقتصادية أو قرارات داخلية. وبطبيعة الحال، تتلقف بعض الحسابات المغرضة على «السوشيال ميديا» هذه المعلومات وتحاول تضخيمها وتحويلها إلى أزمة، غير أن الحقيقة تظهر سريعًا فى كل مرة، لتؤكد مصر والإمارات المقولة التى أصبحت أكثر شيوعًا خلال السنوات الأخيرة: «لن ترونا إلا معًا»؛ كتفًا بكتف، ويدًا بيد.
«لن ترونا إلا معًا».. حقيقة تؤكدها الوقائع.. هذه العبارة لا ينبغى التعامل معها باعتبارها مجرد «دعاية سياسية» أو «رد جاهز»، بل إن النظرة المتعمقة إلى طبيعة العلاقات المصرية ـ الإماراتية، قيادةً وشعبًا، تؤكد أنها حقيقة راسخة لا يمكن إنكارها أو التقليل من مصداقيتها. ويكفى النظر إلى اللقاءات المتواصلة التى تجمع بين الرئيس عبدالفتاح السيسى ونظيره الإماراتى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وآخرها اللقاء الذى جمعهما فى القاهرة منتصف الأسبوع الجارى، وما عكسه من أجواء الود والتقدير المتبادل منذ لحظة الاستقبال الرسمى، وحتى مغادرة الرئيس الإماراتى الأراضى المصرية.
ويمكن القول إن اللقاء الذى جمع الرئيس السيسى ونظيره الإماراتى، إلى جانب ما اتسم به من مشاعر الود الصادقة والمحبة المتبادلة، يأتى فى إطار سياسة «تأكيد الموقف الواحد» واستراتيجية «الصوت المتوازن» التى تنتهجها مصر فى تعاملها مع قضايا المنطقة، وتؤمن بها دولة الإمارات فى مقاربتها لمختلف القضايا العربية والإقليمية.
وبحسب السفير محمدالشناوى، المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية، فإن هذه الزيارة تأتى فى إطار التشاور المستمر والوثيق بين قيادتى البلدين الشقيقين. وأوضح أن الرئيس السيسى أكد خصوصية العلاقات المصرية ـ الإماراتية وطابعها الاستراتيجى الراسخ عبر السنوات، كما جدد موقف مصر الثابت فى دعم استقرار وسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، ومساندة كل الخطوات التى تتخذها قيادتها للحفاظ على سلامة أراضيها وأمن شعبها ومقدراته، مشددًا على أن أمن الإمارات ودول الخليج يُعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، وعلى التزام مصر بدعم ومساندة دول الخليج وكافة الدول العربية الشقيقة.
وفى المقابل، أعرب الرئيس الإماراتى الشيخ محمد بن زايد عن تقديره البالغ لحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، مؤكدًا الطابع الاستثنائى للعلاقات والروابط الشعبية والرسمية بين البلدين، وحرصه على مواصلة التشاور مع الرئيس السيسى بشأن مختلف المستجدات، سواء على صعيد العلاقات الثنائية أو الأوضاع الإقليمية الراهنة. كما أعرب عن تقدير بلاده لموقف مصر الداعم للإمارات ودول الخليج.
توافق حول قضايا المنطقة.. وبالطبع، كانت قضايا المنطقة حاضرة على طاولة مباحثات الرئيسين، اللذين رحبا بالاتفاق الذى تم التوصل إليه مؤخرًا بشأن وقف الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. كما بحثا عددًا من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وتوافقا على أهمية مواصلة تنسيق المواقف العربية للحفاظ على أمن ومصالح الدول العربية خلال المرحلة المقبلة.
وفى هذا السياق، استعرض الرئيس السيسى الرؤية المصرية للتعامل مع الأوضاع فى المنطقة، والتى تقوم على دعم الحلول السلمية الشاملة والمستدامة، بهدف استعادة الأمن والاستقرار الإقليميين، وتوجيه جهود الدول نحو التنمية والبناء، بدلًا من إهدار مقدرات الشعوب فى الصراعات والنزاعات.