الحضور القوي، والتواجد المؤثر، والظهور الفعال، ثلاثية تميزت بها القاهرة منذ 2014 فى مختلف المحافل الدولية، وجميع المنتديات العالمية، لأن القيادة المصرية لديها رؤية واضحة بشأن القضايا محل النقاش، وتمتلك قدرة كاملة على طرح السيناريوهات، ومؤهلة بالخبرات المتراكمة التى تجعلها جديرة بتقديم الحلول الناجزة، وفى الوقت نفسه تحوز ثقة جميع الأطراف، لأنها تتمسك بالمبادئ السليمة، وتحرص على القواعد الصحيحة، فلا تقول عكس ما تفعل، ولا تنحاز لطرف على حساب الآخر، بل تلتزم فى الملتقيات كافة بالقوانين الدولية، والقرارات الأممية، والعمل المتواصل لصالح السلام والأمن الإقليمى والعالمى.
ويجسد الرئيس عبدالفتاح السيسى هذه السياسة المصرية الراسخة فى جميع مشاركاته باللقاءات المتتابعة غربًا وشرقًا، فلا ينشغل كالبعض بالشو الإعلامى وإطلاق الشعارات الرنانة أو محاولة الحصول على رضاء جميع الأطراف، بل فى كل مؤتمر يؤكد على ثوابت القاهرة الحاسمة، وفى مقدمتها ضرورة الحفاظ على سيادة ووحدة أراضى الدول، ودعم مؤسساتها الوطنية، والتصدى بكل السبل للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة التى تتربص بأمن البلدان وتتحين الفرصة للانقضاض على مقدرات الشعوب، ورفض التدخلات الخارجية فى الشئون الداخلية للدول تحت أية ذريعة، والاحتكام فى أوقات الخلافات والنزاعات إلى الحلول السياسية والجلوس على طاولة المفاوضات، فالقوة العسكرية واستخدام العنف لا يولدان إلا دمارًا وتخريبًا يدفع ثمنه كل الأطراف، ويمتد تأثيرهما الخطير إلى الدول المحيطة والمنطقة، وهو ما ينعكس على الاستقرار الإقليمى والدولى معًا، وما يمر به إقليم الشرق الأوسط مؤخرًا دليل دامغ على صواب الرؤية المصرية، لكنه وهم السيطرة وغرور القوة الذى كلف المتحاربين وحلفاءهم ما لا يطيقون، وجعلهم يسعون للخروج من المأزق وتقليل الخسائر، والصورة فى الحرب الإيرانية الأمريكية غنية عن الشرح والتوضيح، وهو ما حذرت منه القاهرة مرارًا وتكرارًا.
ومن الإنصاف أن نشير إلى أن مصر فى كل الاجتماعات الفارقة والمؤتمرات المؤثرة أثبتت بالقول والفعل أن القضية الفلسطينية هى أم القضايا العربية، وأن من خطوطها الحمراء، ولاءاتها القاطعة، رفض تهجير الفلسطينيين، ومنع تصفية القضية الفلسطينية، والتصدى المتين لسياسات العقاب الجماعى والتجويع للأشقاء فى غزة وما حولها، وأنه لا بديل عن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لتحقيق الاستقرار والسلام الدائم فى المنطقة، وفى أى محفل تشارك فيه القاهرة، من الرئيس السيسى إلى أى مسئول، يعلو الصوت المصرى بتوضيح معاناة الشعب الفلسطيني، وما يتكبده من أشكال التصعيد الإسرائيلى سواء فى قطاع غزة أو الضفة الغربية، مع التأكيد على استمرار الجهود المصرية لضمان تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذى تم توقيعه بمدينة شرم الشيخ، بمراحله الثلاث، مع المضى قدمًا فى إعادة إعمار غزة دون إبطاء، لتوفير سبل الحياة للفلسطينيين على أرضهم ومنحهم الأمل. وكما قال الرئيس السيسى فى كلمته بقمة شرم الشيخ للسلام: «أمامنا فرصة تاريخية فريدة، ربما تكون الأخيرة، للوصول إلى شرق أوسط خالٍ من كل ما يهدد استقراره وتقدمه، شرق أوسط تنعم فيه جميع شعوبه بالسلام والعيش الكريم ضمن حدود آمنة وحقوق مصانة، شرق أوسط منيع ضد الإرهاب والتطرف، شرق أوسط خالٍ من جميع أسلحة الدمار الشامل، هذا هو الشرق الأوسط الجديد، الذى تتطلع مصر إلى تجسيده، بالتعاون مع شركائها إقليميًا ودوليًا».. وقناعتى الشخصية أنه لو فهم الرئيس الأمريكى ترامب جيدًا هذه الرسالة المصرية الجامعة المانعة، ما كان وقع فى شباك مجرم الحرب نتنياهو بضرب إيران، وما عانى العالم كله من ويلات الصراع.
والأمر المؤكد، أن حرص التحالفات السياسية على دعوة الرئيس السيسى للمشاركة فى فعالياتها، والحديث فى جلساتها، يأتى فى إطار إدراك القائمين على تنظيمها أهمية التأثير الإقليمى الذى تلعبه مصر فى منطقة الشرق الأوسط بحكم دورها المحورى وأدائها الفاعل فى كل الملفات وجميع القضايا، وقدرتها على محاصرة الصراعات ورأب الصدع فى العلاقات بين دولها، فضلًا عن تدخلها الاحترافى فى تقريب وجهات النظر بين المنظمات الأممية والقوى الدولية لمنع انفجار الأوضاع، وهو ما حدث فى سبتمبر 2025 بالوساطة التاريخية بين وكالة الطاقة الذرية وطهران وإعادة التعاون بينهما لنزع فتيل الأزمة، وخفض التصعيد فى المنطقة حتى يتم تجنيب الشرق الأوسط الانزلاق فى مواجهات عسكرية شاملة، لكن المؤامرة الإسرائيلية بإقحام الإدارة الأمريكية فى العدوان على إيران أفسدت الأمر، ورغم ذلك واصلت القاهرة محاولات التهدئة والدفع نحو مسار التفاوض بالتنسيق مع عدد من الشركاء وهم باكستان والسعودية وقطر وتركيا، وهو ما أسفر عن الوصول إلى مذكرة التفاهم الأمريكى الإيرانى لوقف الحرب.
أما التكتلات الاقتصادية، فهى تعلم نجاح الدولة المصرية فى امتلاك القوة الشاملة اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، مع نقلة نوعية فى مجال البنية التحتية بفاتورة تجاوزت 10 تريليونات جنيه، مما يجعلها بيئة مناسبة لجذب الاستثمارات فى مختلف القطاعات، ويوفر فرصًا استثمارية رائدة، فالجمهورية الجديدة استثمرت فى الاستقرار، ووظفت الأمن والأمان ليكونا من أهم دعائم الاقتصاد الوطنى فى جميع النواحى من الصناعة والزراعة إلى السياحة والاستثمار العقاري، مع وحدة الصف الوطنى كدرع أصيل فى قدرة الوطن على المستويات كافة، فكما يقولون: «ليست القوة فى السلاح فحسب، بل فى الوحدة التى تقف خلفه»، وهو ما أكسب الدولة المصرية كاريزما خاصة بين كل التحالفات وجميع التكتلات.
ومن هذا المنطلق، يأتى تمسك قيادات مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى بحضور الرئيس السيسى لأعمال قمتهم المنعقدة بمدينة إيفيان الفرنسية، بحضور رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء بالمجموعة، إلى جانب عدد من الدول المدعوة، ومن بينها مصر التى تشارك بصفة دولة شريكة، خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو الحالي، إلى جانب مشاركة رئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية، فضلًا عن رؤساء عدد من المنظمات الدولية والإقليمية، وتتناول اجتماعات القمة عددًا من الموضوعات، من بينها تعزيز النمو الاقتصادى العالمي، وبحث سبل تسوية الأزمات الجيوسياسية الدولية ومواجهة انعكاساتها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن تسريع الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة، وكذلك أوجه التعاون الدولى فى مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وكلها قضايا حاضرة بقوة على أجندة اهتمامات الدول الساعية إلى مواصلة مسيرة السلام مع الاستمرار فى مسار التطور، والتجربة التنموية فى الجمهورية الجديدة لديها سجل حافل وموثق فى شتى هذه الملفات إلى جانب دورها المحورى فى دفع جهود التنمية والاستقرار فى الشرق الأوسط.
ولا يختلف أحد على أن مكانة مصر وثقلها السياسى والاقتصادى على الساحتين الإقليمية والدولية هما السبب الرئيسى فى دعوة الرئيس السيسى للمشاركة للمرة الثانية فى اجتماعات قمة السبع الكبار من أجل الاستماع إلى الرؤية المصرية حول التعامل الأمثل مع هذه التحديات، خصوصًا أن الأيام أثبتت أن كل ما نبهت إليه القاهرة من محاذير قد حصل، وجميع ما حذرت منه وحاولت منعه قد وقع، لأن غالبية الدول انشغلت بحالها أو اعتقدت أنها بعيدة عن التداعيات، بل الأخطر كان السكوت على جرائم دولة الاحتلال ومساندة بعض العواصم الغربية لها فى توسيع دائرة الصراع، تارة بتوفير السلاح وتارة بتبرير انتهاكاتها لسيادة البلدان، فانتقلت شرارة الحرب من دولة إلى أخرى كالقطط المشتعلة، حتى وصلنا إلى الحرب الإيرانية، وتعطيل طهران لمضيق هرمز الذى اكتوت بنيرانه الحارقة معظم دول أوروبا شعبًا وحكومةً بعدما تقطعت أوصال سلاسل الإمداد، واختنقت شرايين ضخ الطاقة فى الاقتصاد العالمي، ولابد من التباحث حول سبل منع تكرار هذه المحنة مرة أخرى مهما كانت المؤامرات الصهيونية والمخططات الإسرائيلية، مع ضرورة حل القضية الفلسطينية بشكل عادل، وهو ما سيعيد طرحه مجددًا الرئيس السيسى فى كل لقاءاته الثنائية والجماعية.
ولا ريب فى أن اللقاء بين الرئيس السيسى ونظيره الأمريكى دونالد ترامب على هامش قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، ستتصدره القضية الفلسطينية مع المناقشة الجادة لاستكمال خطة السلام التى تم توقيعها بشرم الشيخ، من الوقف التام لكل الممارسات العدائية من دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين فى قطاع غزة أو الضفة الغربية، إلى تسهيل دخول المساعدات بالكميات اللازمة وصولًا إلى إعادة الإعمار والتعافى فى القطاع، بالإضافة إلى التباحث فى الجهود المصرية الأمريكية لدعم الاستقرار بمنطقة القرن الإفريقي، مع تعزيز الاستثمارات الأمريكية فى مصر بما يتناسب مع العلاقات الاستراتيجية التى تجمع الدولتين، كما أنه على المستوى الاقتصادي، تفتح هذه القمة المزيد من التعاون بين القاهرة والاتحاد الأوروبى استثمارًا للشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، وهو ما يعنى ضخ استثمارات جديدة فى الاقتصاد المصري، وخاصةً فى مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وكالعادة ستظل القاهرة صوت القارة السمراء، وسيطرح الرئيس السيسى همومها وقضاياها على القادة المشاركين من مجموعة السبع الصناعية الكبرى، للمساهمة الفاعلة فى دعم البنية التحتية، وإيجاد مسارات تمويل مبتكرة لكل العواصم الإفريقية، وضرورة البحث عن حلول واقعية لتخفيف أعباء الديون عن دول القارة، وأيضًا تشجيع الدول الكبرى على دفع جهود تحقيق السلام وتهدئة الصراعات بها، لأن المحصلة النهائية هى تشريد الشعوب، ودفعها قسرًا إلى الهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوروبية، وهنا تقوم الدولة المصرية بدور كبير فى استضافة أكثر من 10 ملايين لاجئ إفريقى هاربين من كوارث النزاعات المدمرة، وتتحمل أعباءً تنوء بها الجبال رغم الظروف الاقتصادية الصعبة نتيجة لتتابع الأزمات العالمية من جائحة كورونا إلى الحرب الأوكرانية مرورًا بحرب غزة وحتى الحرب الإيرانية.
ويبقى التذكير بأن (G7) تأسست بهدف تنسيق السياسات الاقتصادية والمالية ومناقشة القضايا الدولية المشتركة فى عام 1975، كتجمع غير رسمى يضم ست دول هى الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وانضمت إليها كندا فى عام 1976، ثم روسيا فى عام 1998 لتصبح (G8)، إلا أن عضويتها تم تعليقها فى عام 2014 بعد الأزمة مع أوكرانيا، وتتجاوز حصة دول مجموعة السبع 40 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى العالمي، وأكثر من 30 فى المائة من حجم الاقتصاد العالمي، ويمثل عدد سكانها أكثر من 10 فى المائة من سكان العالم، وهذا يوضح أن شراكة مصر مع السبعة الكبار كلها فوائد.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء