رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اللواء محمد إبراهيم الدويرى.. فى قراءة شاملة لدروس حرب إيران: الأمن العربى الجماعى يحتاج لـ«إعادة نظر»


18-6-2026 | 10:37

اللواء محمد إبراهيم الدويرى

طباعة
حوار: أحمد جمعة

بعد أشهر من المواجهة العسكرية التى هزت الشرق الأوسط، توقفت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران باتفاق أنهى واحدة من أخطر الأزمات التى شهدتها المنطقة فى السنوات الأخيرة، لكنه فتح فى الوقت ذاته الباب أمام أسئلة كبرى بشأن شكل النظام الإقليمى الجديد، ومستقبل توازنات القوى والتحالفات، ومفهوم الردع بعد هذه المواجهة المباشرة.

فى هذا الحوار مع «المصوّر»، يقدم اللواء محمد إبراهيم الدويرى، نائب المدير العام للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، ووكيل جهاز المخابرات المصرية السابق، قراءة استراتيجية شاملة لنتائج الحرب وتداعياتها، متناولًا الدروس العسكرية والسياسية التى كشفتها المواجهة، والتحولات التى طرأت على مفهوم الردع فى الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية، والدور الأمريكى فى المنطقة، فضلًا عن رؤيته لمستقبل البرنامج النووى الإيرانى، وانعكاسات الحرب على الأمن القومى العربى.

اللواء «الدويرى» أكد أن الحرب الإيرانية كشفت أن منظومة الأمن القومى العربى الجماعى تحتاج إلى إعادة النظر فيها تمامًا، على أن تبدأ هذه المعالجة أولًا بتوحيد مفهوم الأمن القومى العربى ثم بلورة آليات تعاون وتنسيق واقعية قابلة للتنفيذ فى المجالات الممكنة خاصة فى المجالين العسكرى والإقتصادى، على أن تنفذ هذه الآليات بالشكل الذى يحافظ على سيادة واستقلالية كل دولة. وشدد على أن التعامل المصرى مع هذه الحرب نموذج يعتد به، حيث كانت القيادة السياسية على وعى كامل بتأثيرات هذه الحرب وتداعياتها، ومن ثم كانت هناك مجموعة من الخطط والسيناريوهات المعدة مسبقًا للتعامل العاجل مع هذه التطورات حتى مع افتراض استمرار الحرب فترة طويلة.. وإلى نص الحوار:

الحرب بدأت فى 28 فبراير الماضى وانتهت باتفاق بين واشنطن وطهران.. برأيك ما أهم الدروس الاستراتيجية التى كشفتها الحرب الإيرانية؟

فى ضوء النجاح فى التوصل إلى الإتفاق الإطارى، أو بمعنى أدق مذكرة التفاهم بين الجانبين الأمريكى والإيرانى وبالتالى انتهاء مرحلة الحرب، فإننى على قناعة بأن كافة الأطراف، وخاصة تلك التى تأثرت بتداعيات الحرب سوف تعكف على استخلاص أهم الدروس المستفادة من الحرب.

ولعل أهم هذه الدروس سوف تتركز على الموضوع الأشمل والأهم وهو مستقبل التحالفات الاستراتيجية، سواء من خلال دعم التحالفات القديمة أو التوجه نحو تحالفات جديدة مع نفس الأطراف أو مع أطراف أخرى استنادًا على رؤى ومتطلبات مستحدثة، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذه التحالفات الجديدة سوف تتنوع وتتعمق مجالاتها بين الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية، بالإضافة إلى الجانب السيبرانى الذى أصبح من الأولويات فى اهتمامات مختلف الأطراف.

كيف تغير مفهوم الردع فى الشرق الأوسط بعد المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من الجانب الآخر؟

لا شك أن مفهوم الردع فى الشرق الأوسط قد شهد نوعًا من التغيير الجذرى، حيث أصبحت هناك دول وقوى مختلفة فى المنطقة تعتمد على نوعيات محددة من الأسلحة لم تكن مؤثرة بقوة من ذى قبل مثل المسيرات، حيث إن هذه النوعيات من الأسلحة حققت لها مبدأ الردع بكفاءة منقطعة النظير دون أن تكون هناك ضرورة لأن تمتلك هذه الأطراف ترسانة كبيرة من الأسلحة التقليدية رغم أهميتها بالطبع، ومن ثم فمن الواضح أن عنصر الردع دخل خلال هذه الحرب فى منظومة التغييرات التى لم تكن موجودة بنفس القدر الذى كانت عليه فى مراحل سابقة.

إلى أى مدى نجحت إيران فى الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية رغم الضربات التى تعرضت لها؟

من الواضح أن إيران أدارت الحرب من جانبها بشكل يتناسب مع قدراتها العسكرية، حيث إنها نجحت فى أن تستمر فى العمليات العسكرية منذ بداية الحرب وحتى نهايتها رغم عنف الضربات التى تعرضت لها من الجانبين الأمريكى والإسرائيلى، وانتهجت إيران مبدأ ترشيد الضربات التى كانت تقوم بها من جانبها، وقد وضح هذا الترشيد بشكل كبير خلال عمليات إطلاق الصواريخ – أهم الأسلحة التى تمتلكها طهران - التى كانت تتم على فترات زمنية محددة وبأعداد محددة وضد أهداف محددة أيضًا سواء كانت هذه الضربات تتم كنوع من رد الفعل أو بمبادرة إيرانية.

ما الذى تعلمته دول المنطقة من هذه الحرب.. خاصة مع الاستخدام الواسع للصواريخ والطائرات المسيّرة؟

فى ظل تحييد السلاح النووى أصبحت هناك أسلحة أكثر فاعلية تم استخدامها بصورة موسعة فى الحرب الإيرانية وتحديدًا كل من الصواريخ والمسيرات، وأعتقد أن هذه الحرب أكدت بما لا يدع مجالًا للشك أن مَن يمتلك مثل هذه النوعيات من الأسلحة سوف تكون له الإمكانيات والقدرات العسكرية المؤثرة فى الحروب.

ما طبيعة الدور الأمريكى فى المنطقة بعد انتهاء هذه الحرب.. هل ما زالت واشنطن قادرة على إدارة توازنات الشرق الأوسط منفردة؟

من المؤكد أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك الأدوات التى تتيح لها أن تلعب دورًا كبيرًا فى التعامل مع أزمات المنطقة، وقد وضح ذلك سواء فى أزمة الحرب الإسرائيلية على غزة أو الحرب الإيرانية، وبالرغم مما وضح من وجود أدوار أخرى لبعض الدول مثل الصين وروسيا وباكستان إلا أن الدور الأمريكى سيظل هو أكثر الأدوار فاعلية بما يمتلكه من قدرات وعلاقات.

وأعتقد أنه أصبح من الضرورى أن يركز الدور الأمريكى على حل المشكلات المثارة فى المنطقة وخاصة القضية الفلسطينية من خلال المسار الدبلوماسى والابتعاد عن المسارات العسكرية التى لن تؤدى إلا إلى غياب الأمن والاستقرار.

ما مستقبل ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بعد هذه التطورات؟

لا شك أن ما يسمى بمحور المقاومة قد تأثر بشكل كبير خلال التطورات الأخيرة سواء فى فلسطين أو لبنان أو العراق مع بقاء الحوثيين بعيدين حتى الآن عن هذه التأثيرات.

ومع كل التقدير للمقاومة التى أرى أنها تظل وسيلة وليست هدفًا فى حد ذاته فإن هذه التطورات تستوجب أن تكون هناك مراجعة موضوعية وواقعية لهذا المحور ودراسة مدى فاعليته وما يمكن أن يساهم به فى استقرار الدول التى يتواجد بها من عدمه، كما أن السؤال الذى يفرض نفسه هنا هو هل أصبح محور المقاومة دولة داخل دولة أم عليه أن يمارس دوره الوطنى من أجل أن يكون قوة تضاف إلى قوة الدولة وتدعمها خاصة فى المجال السياسى.

فى رأيك.. هل كشفت الحرب عن وجود فجوات فى منظومة الأمن العربى الجماعي.. وكيف يمكن علاج هذه الفجوات؟

كشفت هذه الحرب أن منظومة الأمن القومى العربى الجماعى تحتاج إلى إعادة النظر فيها تمامًا، وأتمنى أن نبدأ هذه المعالجة أولًا بتوحيد مفهوم الأمن القومى العربى ثم نتجه إلى بلورة آليات تعاون وتنسيق واقعية قابلة للتنفيذ فى المجالات الممكنة خاصة فى المجالين العسكرى والاقتصادى على أن تتم عملية تنفيذ هذه الآليات بالشكل الذى يحافظ من جهة على سيادة واستقلالية كل دولة.

وتكون هذه الآليات الجديدة أكثر فاعلية فى حماية أمن واستقرار كل الدول العربية من جهة أخرى، خاصة أن الواقع يشير إلى أن المخاطر المحدقة بالمنطقة العربية سوف تتزايد خلال المراحل القادمة.

الخليج كان المتضرر الأول من الرد الإيرانى.. هل نرى نمطًا جديدًا للتعاون الخليجى أو شكلًا جديدًا للدفاع العسكرى؟

تضررت دول الخليج بشكل واضح من جراء هذه الحرب ومن المؤكد أن هذه الدول ستكون أكثر تعمقًا فيما يتعلق باستخلاص الدروس المستفادة، ومن ثم أرى أن التعاون الخليجى/ الخليجى - بعد أن تعرضت دول الخليج إلى تهديد وجودى للمرة الأولى - أصبح ضرورة قصوى، ولا سيما فى مجال المنظومات العسكرية بكافة أنواعها، سواء الدفاعية أو الهجومية، حيث إن طبيعة التهديدات التى تعرضت لها سوف تفرض عليها التوجه نحو التطوير النوعى غير المسبوق فى المجال العسكرى.

ما بعد الحرب.. كيف تعيد دول الخليج ترتيب علاقتها مع إيران؟

العلاقات بين كل من دول الخليج وإيران تعرضت إلى أزمة غير مسبوقة أدت فى مجملها إلى فقدان الخليج الثقة فى النظام الإيرانى فى ضوء حجم ونوعية الضربات التى تعرضت لها والتى أثرت عليها سلبيًا وخاصة فى المجال الاقتصادى.

ولكن بالرغم من ذلك فإن الفترة المقبلة سوف تشهد حرصًا متبادلًا من الجانبين على إغلاق صفحة الحرب بكافة تاثيراتها وفتح صفحة جديدة، وإن كنت أرى أن عودة العلاقات الخليجية - الإيرانية إلى طبيعتها سوف تستغرق وقتًا طويلًا وسوف تعتمد بصفة خاصة على طبيعة السلوك الإيرانى تجاه هذه الدول.

هناك جدل فيما يتعلق بمستقبل التعاون العسكرى الأمريكى الخليجي.. هل الخليج أقرب لتعزيز تعاونه مع الولايات المتحدة أم البحث عن أقطاب أخرى؟

تعد العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليح علاقات استراتيجية فى المقام الأول، وأعتقد أن هذه العلاقات لن تتأثر بما تم خلال الحرب، بل يمكن القول إنها قد تشهد تطورًا بصورة أكبر، إلا أن ذلك لن يمنع دول الخليج من تطوير علاقاتها مع أطراف أخرى مثل الهند وباكستان والصين وغيرها، ولكن بالطبع ليس على حساب العلاقات مع واشنطن.

وفيما يتعلق بمصر.. كيف نجحت مصر فى إدارة تداعيات هذه الحرب دون أن تتأثر بها سواءً أمنيًا أو اقتصاديًا، وما الذى ينبغى علينا تعلمه من هذه الحرب؟

نموذج التعامل المصرى مع هذه الحرب وخلالها هو نموذج يعتد به، حيث كانت القيادة السياسية على وعى كامل بتأثيرات هذه الحرب وتداعياتها ليس فقط على الاقتصاد العالمى ولكن على الاقتصاد المصرى، ومن ثم كانت هناك مجموعة من الخطط والسيناريوهات المعدة مسبقًا للتعامل العاجل مع هذه التطورات، حتى مع افتراض استمرار الحرب فترة طويلة وخاصة فى مجال توفير كافة السلع الاستراتيجية فى ضوء ما يمكن أن يلحق بسلاسل الإمداد من تداعيات.

كما تحركت القيادة السياسية المصرية قبل نشوب الحرب وحذرت بشكل علنى من إمكانية توسيع دائرة الصراع وتأثيراته على استقرار الوضع الدولى، حيث قامت الدولة المصرية بتحركات أكثر فاعلية فى مجال الوساطة بالتنسيق مع الأطراف الأخرى والتواصل المكثف مع جميع القوى المعنية، حتى تم التوصل إلى الاتفاق الذى ينهى هذه الحرب، وسوف يتواصل الدور المصرى فى نفس السياق خلال المرحلة المقبلة.

يقول ترامب إنه لن يكون لإيران برنامج نووى.. هل أدت الحرب لإنهاء البرنامج النووى الإيرانى حقًا؟

البرنامج النووى الإيرانى يمثل المعضلة الكبرى ليس فقط فى هذه الحرب وما قبلها، بل يمثل أهم مشكلة يمكن أن تعترض مفاوضات الستين يومًا المزمعة بين الجانبين الأمريكى والإيرانى والتى من المفترض أن تنطلق خلال الأيام المقبلة.

ومن الواضح هنا أن هناك حلولًا عملية تم بحثها ومناقشتها، بل والتوافق عليها بشأن البرنامج النووى الإيرانى من حيث الامتلاك أو التطوير أو التخصيب أو التخلص من اليورانيوم المخصب الموجود فى إيران أو وضعية المنشآت النووية، وهو الأمر الذى يشير إلى أن هذه القضية من المفترض أن تكون فى طريقها إلى الحل المرضى لكافة الأطراف، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذا الملف سوف يشهد مفاوضات صعبة ومعقدة ومتعثرة، حتى يتم التوصل إلى حلول نهائية يتم تنفيذها وليس مجرد النص فى مذكرة تفاهم على بعض المبادئ العامة المتعلقة بهذا الملف شديد الأهمية والحساسية.

وفى هذا المجال يجب ألا نتجاهل طبيعة الموقف الإسرائيلى الذى ما يزال يرى فى إيران وبرنامجها النووى تهديدًا وجوديًا له.

بالنسبة لإيران وبالنظر للاتفاق الأخير.. هل خرجت أقوى أم أضعف من هذه الحرب؟

تعد مسألة خروج إيران من الحرب سواء كانت أكثر قوة أو ضعفًا مسألة نسبية تعتمد على مجموعة من الحسابات المعقدة التى ترتبط بطبيعة ومحددات المكسب والخسارة لكل طرف، وتشمل هذه الحسابات كل المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذا الموقف الداخلى بكافة مكوناته، مع الأخذ فى الاعتبار أن كل طرف أيًا كانت وضعيته سوف يؤكد أنه قد خرج من الحرب منتصرًا.

وفى رأيى أن أى حرب أيًا كانت طبيعتها تعتبر خسائرها أكثر كثيرًا من مكاسبها.

لبنان لا يزال يعانى من تداعيات هذه الحرب.. هل أصبح الساحة الأكثر تأثرًا بالحرب الإيرانية؟

من المؤكد أن الدولة اللبنانية كانت هى الساحة الأكثر تأثرًا بهذه الحرب فى ضوء العمليات العسكرية التى نفذتها إسرائيل ضد حزب الله، وشملت كل أنحاء لبنان بما فى ذلك العاصمة بيروت، ووصل الأمر إلى احتلال إسرائيل مساحات كبيرة فى الجنوب اللبنانى دون وجود أفق على متى وكيف ستنسحب القوات الإسرائيلية التى تسببت فى تدمير بعض القرى وتهجير مئات الآلاف من السكان.

وبالتالى أعتقد أن لبنان سيظل يدفع فاتورة الصراع الإيرانى الإسرائيلى حتى يتم حل مشكلة سلاح حزب الله وتقوم الدولة اللبنانية ببسط سيطرتها وسيادتها على ربوع الدولة كلها، وهو أمر ما يزال صعب التحقيق.

ولا شك أن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التى تجرى حاليا جلساتها فى واشنطن تحت الرعاية الأمريكية تمثل فرصة مواتية لحل الأزمة اللبنانية برمتها وتؤدى فى النهاية إلى تأكيد سيادة الدولة، ولكن بشرط أن تكون هناك سلطة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد، وهذا هو التحدى الذى تواجهه الدولة اللبنانية ولا خيار أمامها سوى أن تنجح فيه.

وباختصار شديد فإننى على قناعة تامة أن مفتاح حل الوضع المتوتر فى لبنان لا بد أن ينطلق من الداخل اللبنانى وليس من الخارج، وفى كل الأحوال يجب ألا يكون مصير ومستقبل لبنان رهينة فى أيدى أية دولة أو أى قوى.

أخيرًا.. إذا كان ممكنًا أن تضع عنوانًا يختصر ما جرى فى هذه الحرب الأخيرة.. ماذا سيكون؟

العنوان الذى استخلصته مما جرى فى هذه الحرب هو «الاستقرار المفقود والسلام المنشود».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة