رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لن يعود ماسبيرو إلا بأبنائه


18-6-2026 | 12:05

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

للمرة الثانية أكتب عن «ماسبيرو»، تليفزيون الدولة، وهنا أطرح مجموعة من التساؤلات للقائمين على المبنى والإعلام فى مصر، فى محاولة للوصول إلى أسباب التراجع وكيفية إيجاد حل لعودة ماسبيرو إلى مكانته.

فى البداية، ما الدور المطلوب من ماسبيرو؟ وهل هناك خطط ورؤى واضحة لهذا الدور؟ وهل على قنوات ماسبيرو أن تكون منافسة للقنوات الفضائية الخاصة؟ وهل يجب على قنوات ماسبيرو أن تجذب الإعلانات وتحقق أرباحًا؟ وهل مقياس النجاح الإعلامى هو المكسب المادى أم قوة التأثير؟ وهل يعرف المسؤولون أسباب تراجع دور ماسبيرو كقوة ناعمة؟ وهل السبب أبناء ماسبيرو أم قياداته؟ والتساؤل الأهم: مَن يقود العمل فى ماسبيرو؟

 

 

فى البداية علينا جميعًا أن نعى أن الإعلام يتكون من الصحافة والراديو والتليفزيون. وفى مصر كانت بداية الإعلام، سواء الصحافة أو الراديو، خاصة وليست تابعة للدولة، حتى جاءت ثورة يوليو، وبعد سنوات تم تأميم الصحافة لتظهر الصحافة القومية، وكذلك الإذاعة، أما بداية التليفزيون فكانت تابعة للدولة من خلال التليفزيون العربي، الذى ساهم على مدار عقود فى التنوير والتثقيف والترفيه وتشكيل الفكر العربى بأكمله.

وحتى بعد تغيير الاسم إلى «التليفزيون المصري»، واصل ماسبيرو أداء رسالته وحتى بعد ظهور الفضائيات العربية والمصرية الخاصة، لم يكن ماسبيرو فى حاجة إلى الدخول فى منافسة مع أحد؛ لأنه كان كيانًا قويًا مليئًا بالقيادات والمواهب فى كل المجالات، وهم أنفسهم كانوا الركيزة الأساسية لقيام العديد من قنوات الدول العربية الشقيقة، سواء كانت حكومية أو خاصة.

ولكن بعد العديد من الثورات، وهجرة أغلب أبناء المبنى، وتغيير الدستور، وتشكيل الهيئات، تغير الوضع، وأصبح ماسبيرو ضعيفًا؛ نظرًا لعدم وجود قيادة واحدة كما كان الحال فى الماضى فى ظل وجود وزير للإعلام، فأصبح دمه مهدرًا، وتحول إلى مبنى حكومى يضم موظفين أكثر منه مؤسسة تضم مبدعين أصحاب رسالة وغابت تلك الرسالة عن قياداته، فلم تصل إلى العاملين الذين تحول أغلبهم إلى موظفى حكومة، وهو الأمر الذى لم يتخيله أعضاء لجنة الخمسين لوضع الدستور، والذين كان بعضهم أصدقاء لي، وكان كل أملهم أن تسهم الهيئات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى مزيد من الحرية والاستقلال، وغيرها من الطموحات التى ظلت مجرد طموحات.

ورغم محاولات تطوير التليفزيون المتعاقبة، فإنها لم تستطع إعادة ماسبيرو إلى مكانته لسبب بسيط، وهو أن أغلب عمليات التطوير جاءت من خارج المبنى وليس من أبناء ماسبيرو، ولذلك لم نعد نرى شخصية ماسبيرو التاريخية النابعة من الشخصية المصرية.

وكأن التطوير يستهدف منافسة الفضائيات من خلال القناة الأولى فقط، وليس تنفيذ رؤية واضحة لما هو مطلوب من ماسبيرو. فالتطوير لا يكون بالديكور أو الكاميرات أو الإضاءة أو تغيير المذيعين والمخرجين وفرق الإعداد من الخارج، بل بالمحتوى الذى يخدم الرؤية الموضوعة لقنوات الدولة وهذا الأمر لن يتحقق إلا بوجود وزير للإعلام، وليس وزير دولة للإعلام، وهو وضع لن يستطيع تغييره أحد إلا بتعديل الدستور.

وإلى أن يتم التفكير فى ذلك، يقع العبء بالكامل على رئيس التليفزيون، ليس بسبب صفته الوظيفية، ولكن لأنه أحد أبناء المبنى ويعرف كل المشكلات والعقبات التى تواجه العاملين، بالإضافة إلى معرفته بالكفاءات الموجودة داخله وإمكاناتها.

ولعل ما حدث فى سهرة الفنانة نبيلة عبيد خلال أيام عيد الأضحى خير مثال، وهى السهرة التى أتمنى أن تتحول إلى برنامج أسبوعى بموعد ثابت على خريطة القناة الأولى، لا أن تكون مجرد سهرة تُذاع بين الحين والآخر. وأنا على علم بأن محمد إبراهيم، رئيس التليفزيون، يسعى لأن تصبح برنامجًا أسبوعيًا، وإذا نجح فى ذلك فإنه يضع قدمًا على الطريق الصحيح لإعادة ماسبيرو إلى أبنائه بالفعل والعمل، لا بالشعارات.

كما أحب أن أوضح نقطة فى غاية الأهمية، وهى أننى عندما كتبت عن سهرة نبيلة عبيد، فإنها كانت مجرد نموذج، فأنا أعرف حجم الكفاءات الموجودة بين أبناء ماسبيرو، ولكن أكثر ما لفت نظرى فى تلك السهرة، جلوس بناتى مع زوجتى لمشاهدتها، رغم أنهن من جيل «إيجيبت»، وكلى أسف، ولسن مثلى من جيل «مصر»، ولا يهتممن بمتابعة برامج التليفزيون أو حتى قراءة الصحف، رغم أننى جزء من هذا المجال.

ورغم أن هذا ليس موضوع المقال، فإننى أستشهد به لأن حديث الفن والفنانين ربما يكون أكثر جذبًا للأجيال الجديدة. وهذه الأجيال وطريقة تفكيرها غائبة عنا جميعًا، وليس عن المسؤولين فقط.

إضافة إلى ذلك، لم يعد يتم ضخ دماء جديدة للانضمام إلى ماسبيرو على مستوى جميع القنوات، فأصبح متوسط أعمار المذيعين يزداد يومًا بعد يوم. وهنا نجد تناقضًا كبيرًا بين مذيعى قنوات ماسبيرو ومذيعى القنوات المطورة، خاصة فى نشرات الأخبار، فقد أصبح بعض المذيعين والمذيعات أقرب إلى نجوم السينما، من حيث الاهتمام بالشعر والرموش والمكياج والأزياء والإكسسوارات.

ولا يعنى كلامى أن لديهم ضعفًا فى قواعد اللغة أو مخارج الحروف، ولكن هذا الاهتمام المبالغ فيه بالمظهر يجعل المشاهد أحيانًا لا يركز فى الأخبار نفسها. بل إننى أحيانًا، من كثرة الاهتمام بالشكل الخارجي، أكاد أتخيل أننى أشم عبر الشاشة رائحة العطر الذى يضعونه! ولا أعرف هل هذا هو التطوير المنشود؟

فى المقابل، فإن مدرسة الأخبار بالتليفزيون المصرى كانت، وما زالت، موجودة، ويكفى أن نتابع قناة النيل للأخبار التى ما زالت تحافظ على مصريتها، رغم قلة الإمكانات وضعف الموارد.

ولا أريد لأحد أن يعتقد أننى ضد التطوير، بل أنا ضد التقليد، وضد الدخول فى منافسة خاطئة، فماسبيرو هو تليفزيون الدولة، مثل كثير من التليفزيونات فى مختلف دول العالم، ولا يمكن أن يكون محايدًا فى بعض القضايا والمواقف، بل يجب أن يكون صوت الدولة، وأن يكون له تأثير فى وعى المواطن.

ولن يأتى هذا التأثير دون مشاهدين، ولن يذهب المواطن إلى مشاهدة ماسبيرو دون وجود عناصر جذب حقيقية، وأعتقد أن المشاهد يعيش حالة من التشبع من برامج «التوك شو» التى تمتلئ بها الفضائيات، وهنا يجب على قيادات ماسبيرو أن تعمل بفكر متطور ومتنوع يناسب أغلبية الجمهور باختلاف أعمارهم.

ومثال بسيط جدًا على ذلك: لماذا تحظى قناة «ماسبيرو زمان» بنسبة مشاهدة كبيرة؟ لأن هناك جمهورًا يتابع ويشاهد، رغم عدم وجود دعاية أو بروموهات أو تسليط للضوء على الكنوز التى تُعرض عليها.

فتخيلوا لو حدث اهتمام حقيقى بها، وتم تنظيم البرامج والمسلسلات بشكل أكثر دقة، ولم يقتصر الأمر على عرض المواعيد فى الشريط الإخبارى للقناة فقط، بل تم الإعلان عن الخريطة البرامجية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وإنتاج بروموهات تُذاع على بقية قنوات التليفزيون.

فماسبيرو بحق «مغارة على بابا»، ففى مكتبته وفى الإذاعة كنوز حقيقية من «ياقوت وألماس ومرجان». وهناك مسلسلات ومسرحيات وأفلام كثيرة جدًا، أستطيع القول إن المجتمع بحاجة إلى مشاهدتها مجددًا على شاشات ماسبيرو.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة