ولا ينكر إلا صاحب غرض- والغرض مرض عضال وداء مستعصى- أن دولة القانون أصبحت واقعا يعيشه جموع المصريين، وحالة متجسدة بلغة الأفعال لا الأقوال، فالعدالة عمياء لأن يدها تطال الخارجين على القانون، وتقتص منهم دون تمييز طبقى أو فئوى أو وظيفى، وبالتالى لا وزن لمنصب ولا قيمة لثروة، ولا حساب لعصبية، فالأساس هو الأدلة سواء كانت ثبوتية أو نافية، والفصل وفقا للحقائق، وبمقاربة الحجج والبراهين المتعارضة من أجل الوصول إلى الحقيقة، ولا مجال للتوقف عند أسماء المتهمين أو هوياتهم ونفوذهم، وهذا لا يمنع من تبرئة بعض المجرمين فى بعض القضايا، نظرا لعدم صحة الإجراءات أو وجود الثغرات التى ينفذ منها الدفاع، لكن القاعدة الثابتة هى أن العدالة الناجزة حاضرة بطول وعرض البلاد فى الجمهورية الجديدة بعد عقود من استشراء الإجرام والفساد، ثم زاد الطين بلة أحداث 2011 وتبعاتها الكارثية على منظومة الأمن والعدالة معا، وصولا إلى حكم المرشد، وانتهاك جماعة الإخوان الإرهابية فى سنة حكمها المشئومة لكل الموبقات، بالتحالف مع العناصر والقوى الكارهة والأجهزة الاستخباراتية الحاقدة لضرب دولة القانون إلى غير رجعة، ومن بنودها، تسريب المحررات الرسمية إلى عتاة الإرهاب والجريمة، وهو ما يترجم فى ظهور المزورين ومنتحلى الشخصية من فترة لأخرى، وما خفى كان أعظم.
دولة العدل، عقيدة رئاسية، وقناعة حكومية، ومطلب شعبى فى جمهوريتنا الجديدة، والرئيس عبدالفتاح السيسى يؤمن بأن سيادة القانون أصل الاستقرار، والمساواة بين الجميع جوهر معركة البناء، وتطبيق الأحكام دون تمييز قاعدة عملية التنمية الشاملة فى كل القطاعات وجميع المجالات، لأن العدالة ترفع مناعة المواطنين ضد كل المخاطر الخارجية، وتقوى مقاومتهم للفيروسات الداخلية، وتحصنهم من مؤامرات أهل الشر ومن سار على نهجهم الخبيث، وتكسبهم القوة والاعتزاز بوطنهم، فالانتماء شجرة جذورها العدل، كما يقولون، وإذا جفت تساقطت الأوراق وتلاشت الروابط، والظلم من معاول هدم مشاعر الولاء للأوطان، وقد تعددت المنتديات، وتتابعت المناسبات التى أكد فيها الرئيس السيسى أن مبدأ القانون فوق الجميع نافذ لا محالة، وسارى المفعول على الدوام، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فى مايو 2017 خلال افتتاح عدد من المشروعات التنموية فى دمياط، قال الرئيس نصا: «إن هناك أشخاصا يستولون على أجزاء من أراضى الدولة، ومفيش حد فوق القانون وفوق الحق، وبأكد للمصريين إنهم قادرين على استعادة أرضهم، لأن دى أرض الناس وأرض مصر وأرض القادمين من أبنائنا، ولا يمكن أن نفرط فى متر أرض واحد».. علما بأن هذا الملف كان يطلق عليه فى سنوات سابقة «عش الدبابير» لكن بسيف القانون وصلابة الإرادة السياسية، وصلنا إلى الموجة الـ 29 لإزالة التعديات على أراضى أملاك الدولة والأراضى الزراعية، وأسفرت تلك الحملات عن استرداد حقوق الدولة، والحفاظ على الرقعة الزراعية، والتصدى الفورى لأية مخالفات بناء جديدة في مهدها بالتعاون مع قوات إنفاذ القانون.
وبنفس العزيمة الرئاسية واصل الرئيس السيسى هذا المذهب القويم، فقد تعهد فى ديسمبر 2020 أثناء كلمته بمناسبة الاحتفال باليوم العالمى لمكافحة الفساد على تمسك الدولة قيادة وشعبًا بسيادة القانون ورفض كافة صور وممارسات الفساد وترسيخ قيم النزاهة وسياسة الشفافية، وأن الجميع دون استثناء كلهم سواء أمام القانون، وهذا هو المسار الذى انتهجته الدولة كإحدى ركائز الحكم الرشيد منذ بدء مسيرة التنمية ومن أجل مستقبل أفضل لوطننا الغالى، مع دعوة المؤسسات المعنية بتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، لبذل مزيد من الجهد لحماية مقدرات الوطن والشعب المصرى، ثم فى 2021 خلال كلمته فى الاحتفال بيوم القضاء المصرى، كان من رسائل الرئيس أنه لا يتدخل في أعمال الهيئات القضائية، ولا يلتقي بأعضاء الهيئات القضائية إلا فى المناسبات الرسمية، وأن عدم التدخل فى أعمال القضاء قاعدة ذهبية، لا نستطيع أن نحيد عنها، وأن دولة القانون هى الدولة العزيزة بقضاتها وقوانينها وتنفيذها، وبذات الوضوح قال الرئيس السيسى بمؤتمر صحفى لاحق: «إحنا مواطنين ودي دولة قانون، واللي هيغلط هيتحاسب من أول أنا، كلنا هنتحاسب»، وفى يوليو 2024، شهد الرئيس أداء اليمين الدستورية لكلٍ من رئيس مجلس الدولة، ورئيس هيئة النيابة الإدارية، مؤكدا مواصلة العمل على ترسيخ أسس دولة القانون، القائمة على العدل والمساواة وضمان الحقوق، وفقاً للدستور والقانون، مع الإشادة بدور المؤسسات والهيئات القضائية الموقرة، فى حماية حقوق المواطنين، وصون مصالح الوطن.
وهذا غيض من فيض، لأن تحقيق العدالة رؤية واضحة فى الجمهورية الجديدة بالقول والعمل، لدرجة أن التحرك فى عدة حالات كان من مؤسسة الرئاسة لتقييم الأداء، ومحاسبة المقصرين، والمثال الكاشف هنا فى سبتمبر 2024 عندما صدرت توجيهات الرئيس السيسي بإجراء تقييم شامل لأداء جميع الاتحادات الرياضية التي شاركت في البعثة الأولمبية المصرية بدورة باريس، سعيًا لضمان تطوير أداء المنظومة الرياضية، وترسيخ مبادئ المحاسبة والشفافية، وإزالة أي معوقات تواجه اللاعبين وجميع عناصر اللعبات المختلفة، بحيث يتحقق العائد المرجو من خوض المنافسات وإظهار الأداء الرفيع الذى يليق باسم مصر ويُسعد شعبها العظيم، وفى هذا الاتجاه وجه الرئيس بتنفيذ حزمة من الإجراءات الفورية، تتضمن القيام بمراجعة قانونية دقيقة لأوجه صرف المبالغ المالية المخصصة للاتحادات الرياضية التي شاركت في جميع المسابقات بالأولمبياد، مع مراجعة حجم المبالغ الممنوحة والمخصصة لبعض الاتحادات، ارتباطًا بما حققته من نتائج في هذه المسابقات، لبيان أسس المنح، ووضع ضوابط محكمة فيما يتعلق بمنح مبالغ الدعم لها مستقبلًا، بالإضافة إلى دراسة تقديم الدعم المناسب للاتحادات التي حققت مراكز متقدمة في المسابقات، على الرغم من عدم توقع تحقيقها تلك النتائج المتقدمة، سعيًا لتطوير أدائها وتعزيز مشاركتها خلال الدورات المقبلة، مع اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الاتحادات التي ظهرت عناصر من أعضائها بشكل سلبى، أثر على سمعة الرياضة المصرية، كما سبق ذلك توجيه الرئيس للإفادة بالمعلومات عن موضوع اللاعب أحمد رفعت، وبعد عرض المعلومات، وجه بإحالة الموضوع إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لكشف أي تجاوزات، بما يضمن تحقيق العدالة ومحاسبة من تثبت مخالفته للقانون، إلى جانب التنسيق بين الجهات المعنية لحوكمة الإجراءات الخاصة بسفر الرياضيين للخارج أثناء فترة التجنيد، وبما يضمن تسهيل الإجراءات ووضوحها لتحقيق المساواة في التعامل مع ذوى الشأن.
ومن المحطات الفاصلة التى تجسد الحرص الرئاسى على تثبيت أركان دولة القانون، -قطعت جهيزة قول كل خطيب-، يأتى توجيه الرئيس السيسى فى سبتمبر 2025 برد مشروع قانون الإجراءات الجنائية لمجلس النواب، لبحث الاعتراضات على عدد من المواد التى تتعلق باعتبارات الحوكمة والوضوح والواقعية، بما يوجب إعادة دراستها لتحقيق مزيد من الضمانات المقررة لحرمة المسكن ولحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه، وإزالة أي غموض فى الصياغة يؤدى إلى تعدد التفسيرات أو وقوع مشاكل عند التطبيق على أرض الواقع، وإتاحة الوقت المناسب أمام الوزارات والجهات المعنية لتنفيذ الآليات والنماذج المستحدثة فى مشروع القانون والإلمام بأحكامه ليتم تطبيقها بكل دقة ويسر وصولًا إلى العدالة الناجزة في إطار من الدستور والقانون.. فالحفاظ على حقوق الجميع حتى المتهمين قاعدة شرعية وقانونية، وضمان حقوق الإنسان استراتجية وطنية مستدامة، و«الحق دولة والباطل جولة» كما يقول المثل الشهير، فقوة القانون والحق ثابتة ومستمرة، أما غلبة الباطل فهى مؤقتة وزائلة.
وطالما الشيء بالشيء يذكر، فقد أثبتت الأجهزة الأمنية المختصة، والنيابة العامة فى قضية المتهمين باقتحام أحد معارض السيارات بالتجمع أن الدولة المصرية بالمرصاد لأية محاولات للخروج على القانون، ولم ولن تقبل بممارسة البلطجة والإخلال بالنظام العام مهما كانت مسميات الأنشطة التى يتخفون وراءها أو الأموال التى يديرونها أو الأسلحة التى يتحصنون بها، وكما أكدت النيابة العامة فإن دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم، وأن القانون فوق الجميع لا يعلو عليه أحد مهما بلغ شأنه، وأنها ستظل دائمًا ملاذًا للجميع وحصنًا منيعًا يلجأ إليه كل صاحب حق، لتبسط الدولة هيبتها، وتصون حقوق المواطنين دون تمييز.. وما ورد فى بيانى النيابة العامة الأول والثانى يخرس كل ألسنة الميليشيات الإلكترونية لأهل الشر التى تصطاد فى الماء العكر لتصدر صورة سيئة عن المصريين، وكأن التشكيلات العصابية لا ضابط ولا رابط لها رغم أن مصر بلد الأمن والأمان وبشهادة القاصى والدانى معا، كما أن هذين البيانين يلجمان أفواه المتربصين بدولة القانون عبر السوشيال ميديا سواء عن عمد أو جهل، ويقطعان دابر أقاويلهم عمال على بطال، فلا حصانة لمجرم، ولا تستر على مخطئ، ولا تكتم على مذنب مهما كانت أمواله أو حاشيته أو قوته، من الضبط والإحضار إلى تفتيش المسكن والمقرات التابعة للمتهمين، وصولا إلى التحفظ على الأموال والإدراج على قوائم الممنوعين من السفر، فالحق أحق أن يتبع.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء