رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. أيمن عامر: روشتة إدارة «الضغوط النفسية»


24-4-2026 | 13:36

الدكتور أيمن عامر أستاذ علم النفس.. ورئيس رابطة الأخصائيين النفسيين

طباعة
حوار: إيمان النجار

« ليست حالات منفردة تمامًا، ولكنها أيضًا ليست صورة كلية عن المجتمع»، وصف استخدمه الدكتور أيمن عامر أستاذ علم النفس، كلية الآداب جامعة القاهرة، رئيس رابطة الأخصائيين النفسيين، فى حديثه عن الوضع الحالى وما تصدره لنا السوشيال ميديا من حالة الضغط النفسى التى يعيشها البعض وانتهت بعدد من الحالات إلى الانتحار، موضحا أن تعرض الأشخاص لسماع هذه الأخبار والأحداث يؤدى إلى تضخم مشاعر الضغط التى يعانون منها.

خلال حديثه فسر «د.أيمن» أسباب تزايد الشعور بالضغوط النفسية سواء لعوامل اقتصادية أو أسرية أو اجتماعية، وكذلك لأسباب أبعد من ذلك، فالسياق العالمى الحالى، بما يتضمنه من أزمات اقتصادية وصراعات دولية، وتأثير ذلك على زيادة مستوى القلق الجمعي، وهو قلق قد يدفع بصاحبه إلى الإقدام على إهلاك النفس.

وتحدث «د.أيمن» أيضا عن الشعور بالفشل واعتبره من أكثر الخبرات النفسية تعقيدًا، مطالبا بالتعامل فكريا مع المشكلات باعتبارها تحديات وفرصاً، وذلك قبل أن يختتم حديثه موجها رسالة للأفراد بتوضيح المبادئ الخالدة التى تُبعد عنهم القلق وتُخفف عن الشخص التوتر.. فإلى نص الحوار:

 

 

السوشيال ميديا خلال الفترة الأخيرة أظهرت المواطنين فى حالات كثيرة فى وضع يعكس الضغوط النفسية الشديدة، فكيف تفسر هذه الحالة، وهل هى حالات منفردة أم هى شعور عام؟

ما يُعرض علينا عبر السوشيال ميديا هو مزيج بين واقع فعلى يحدث واستجابة إعلامية مبالغ فيها، فقد ارتفع معدل الضغوط النفسية بالفعل نتيجة عوامل متعددة، منها ما هو اقتصادى، وما هو اجتماعى، وما هو أسرى، وما هو نفسى، لكن السوشيال ميديا جعلت هذه الحالات أكثر ظهورًا وتكرارًا، مما خلق انطباعًا بأنها الحالة السائدة والدائمة، وهى فى الحقيقة ليست كذلك بالضبط؛ فهى ليست حالات منفردة تمامًا، ولكنها أيضًا ليست صورة كلية عن المجتمع.

فالأفراد عندما يتعرضون لسماع هذه الأخبار والأحداث تتضخم لديهم مشاعر الضغط التى يعانون منها، فالتوتر والقلق النفسى أُشبّهه دائمًا بتقريب الفرد لكف يده من عينيه؛ فهو لا يرى عندئذٍ غير كفه وأصابعه، ولكنه حين يُبعد يده قليلًا عن عينيه يجد أن كف يده هو جزء من سياق واسع حوله، وهكذا الإنسان مع الضغوط عندما ينشغل بها فقط (ويقربها من عينيه)، لا يرى باقى الصورة الأكثر اتساعًا، التى تكون فيها مصادر الضغوط جزءًا صغيرًا من أمور كثيرة وأحداث أكثر مليئة بمصادر السعادة والبهجة، والمنتحر دائمًا لا يُقرّب المشكلات من عينه فقط، بل يُلصقها بعينه وينظر إليها بعدسة مكبرة.

إلى أى مدى تسهم السوشيال ميديا فى تضخيم الوضع وكأنه وضع عام؟

تلعب السوشيال ميديا دورًا مزدوجًا، فهى من جهة منصة للتعبير والدعم، لكنها من جهة أخرى تُضخّم المشاعر السلبية عبر التكرار والتركيز الانتقائى، ما يُعرف نفسيًا بـ«خلق التحيز عبر التكرار»، وهو ما يجعل الأفراد يعتقدون أن ما يرونه بكثرة هو الأكثر شيوعًا، حتى لو لم يكن كذلك إحصائيًا، وهو ما يسمى فى اللغة الأكاديمية بـ«المغالطة المنطقية»، والعارفون بالمنطق والتفكير الناقد ينبهوننا دائمًا إلى أننا لا يجب أن نلوم السوشيال ميديا بقدر ما نلوم العقل غير الناقد، الذى يستقبل الأخبار والآراء دون فحص وتدقيق.

هل للوضع العالمى والاقتصادى والحروب دور فى ذلك؟

بلا شك، فالسياق العالمى الحالى، بما يتضمنه من أزمات اقتصادية وصراعات دولية، صاحبها ابتكار وسائل غير حضارية وغير قانونية للقتل والإبادة الجماعية، وهو ما يخلق حالة عامة من الشعور بعدم الأمان، وعدم اليقين، والتهديد النفسى غير المباشر، حتى من لا يعيش هذه الأحداث بشكل مباشر، يتأثر بها عبر الإعلام، مما يزيد من مستويات القلق الجمعى، وهو قلق قد يدفع بصاحبه إلى الإقدام على إهلاك نفسه.

ولا يزال علم النفس حائرًا فى تفسير ظاهرة قديمة/حديثة مرتبطة بإيذاء الذات بأقسى صوره، وهو الانتحار حرقًا، ففى المستويات التعليمية المنخفضة تلجأ بعض السيدات إلى الانتحار عبر حرق أنفسهن، وهى وسيلة مثيرة لكثير من التساؤلات: لماذا النار؟ وهى أشد وسائل القتل ألمًا، إن الجهل، وانخفاض الثقافة والوعي، مع إدراك مبالغ فيه للضغوط، تخلق شخصًا هشًا ومستهدفًا لإيذاء ذاته.

فى حالة الوقوع تحت ضغوط نفسية، كيف يمكن للشخص إدارتها؟ وفى أى مرحلة؟ وما الخطوات التى يجب اتباعها؟

إدارة الضغوط تمر بمراحل، تبدأ بالوعى بالمشكلة، ثم اختيار أساليب المواجهة المناسبة، ومن أبسط هذه الأساليب، التعبير عن المشاعر أو «الفضفضة» مع شخص موثوق، أيضا مهم تنظيم نمط الحياة وتقليل مصادر الضغوط، كما يعد اللجوء إلى ممارسات روحية مثل الصلاة أو التأمل، خطوة مهمة لما لها من أثر مهدئ للنفس المسالمة.

لكن ماذا لو استمر الشعور بالضغط؟

وإذا استمرت الأعراض أو تصاعدت، يصبح التوجه إلى أخصائى نفسى خطوة ضرورية وليس رفاهية، فيجب أن يدرك المجتمع أن المرض النفسي مثله مثل باقى الأمراض والاضطرابات الجسمية، يحتاج إلى أخصائى يساعده على المرور بأزمته حتى يرى باقى الغابة، ولا يتوقف عند الشجرة الواحدة التى تحجب رؤيته للغابة الواسعة، فالمهم دائمًا هو عدم الانتظار حتى تصل الحالة إلى مرحلة الإنهاك الكامل.

ماذا عن الشعور بالفشل فى مجالات مختلفة من الحياة.. كيف يمكن مواجهته؟

أول شيء يجب أن يدركه الفرد أن الحياة مركبة من مجموعة من المشكلات التى عليه أن يتغلب عليها، وقد أصبحنا اليوم نتعامل مع ما يُسمى بالمشكلات فى ضوء مصطلح آخر أكثر إيجابية، وهو مصطلح (التحديات)، علينا أن نبدل كلمة “مشكلة” بكلمة “تحدى”، فيقول الشخص لنفسه: لدى اليوم تحديات كثيرة، أو إننى أواجه فى هذه المرحلة تحديات كثيرة آمل أن أنجح فى مواجهتها، وهناك أيضًا من استبدل كلمة “مشكلة” بكلمة “فرصة”، فيقول: لدى هذه الأيام فرصة لأن أحقق نجاحًا فى تحدٍّ معين أواجهه، فلو اتجه الشخص لتجريب تغيير الأمر على مستوى اللغة، فسيتغير إدراكه للمشكلة التى تواجهه؛ فإذا كان علماء النفس يقولون إن السلوك والمشاعر أبناء الأفكار، فسوف يتغير السلوك تبعًا لتغير أفكارك، إن الشعور بالفشل من أكثر الخبرات النفسية تعقيدًا، لأنه يرتبط بتقييم الذات، المشكلة ليست فى الفشل ذاته، بل فى تفسيره، عندما يُنظر إليه كدليل على العجز، يتحول إلى عبء نفسى، أما إذا تم فهمه والتعامل معه كخبرة مؤقتة قابلة للتعلم، فإنه يصبح دافعًا لإعادة المحاولة، إن إعادة بناء هذا التفسير هى الخطوة الأساسية فى المواجهة.

فى الفترة الأخيرة بدأ الأزهر الشريف يعلن عن خطوط ساخنة للدعم النفسى، وكذلك وزارة الصحة وهيئات أخرى.. كيف ترى هذه الإجراءات؟ وهل الشخص الذى يصل لهذه المرحلة من الضغوط يلجأ لهذه الخطوة؟

هذه المبادرات خطوة مهمة جدًا وتعكس وعيًا مؤسسيًا متقدمًا بأهمية الصحة النفسية، والأخصائى النفسى، لكن التحدى الحقيقى يكمن فى ثقافة اللجوء للمساعدة؛ فبعض الأفراد قد يتردد بسبب الوصمة أو عدم الثقة وهو ما نجده فى ظواهر أخرى مثل التعاطى والإدمان أو التحرش .. إلخ، لذلك، فإلى جانب توفير الخدمة المجتمعية من مختلف مصادرها، يجب العمل على تعزيز الوعى المجتمعى بأهميتها، والأمر الذى يواجهه القائمون على هذه الخدمات هو حقيقة سيكولوجية مهمة، وهى أن المعززات الخارجية (المكافآت، والدعم النفسي) لا تؤدى دورًا كبيرًا وملموسًا إلا إذا تلاقت مع دوافع داخلية لدى الفرد.

تابعنا خلال الأيام الماضية تكرارًا لحالات انتحار علني، فكيف ترى هذا الأمر؟ مع التأكيد أننا ضد هذا السلوك؟

هذه الأمور ليست أحداثًا بقدر ما هى أخبار إعلامية، فهى تعرض نهاية الحدث دون أن توضح ملابساته والظروف التى أدت إليه، مما يجعل كل شخص يتعامل معه من خلال تفسيره الخاص، الذى بلورته السوشيال ميديا وأكسبته طابعًا دراميًا، وهنا إن صدقت السوشيال ميديا، فإن الأمر يصبح مقلقا للغاية، ويعكس تداخل عدة عوامل: ضغوط نفسية حادة، مع شعور بالعجز أو اليأس، وأحيانًا تأثير “عدوى السلوك” عبر التغطية الإعلامية، ومن المهم التعامل مع هذه الحالات بحذر إعلامي، والتركيز على التوعية والدعم، مع التأكيد على أن الانتحار ليس حلًا، بل نتيجة لغياب بدائل لدى الفرد فى تلك اللحظة، وهنا يكون على كل مسئول أن يسأل نفسه، ليس: لماذا انتحر هذا الشخص أو ذاك؟ بل يقول كما قال بطل فيلم “آسف على الإزعاج”:(الناس ليه ما بقتش سعيدة؟)، وعندئذٍ على كل مسئول فى تخصصه أن يبحث عن إجابة لهذا السؤال العام، وما يمكن أن يفعله لتحقيق الغاية الكبرى للسعادة، وهى الرضا.

ما الرسالة التى توجهها سواء للمؤسسات أو للأفراد؟

على المؤسسات والهيئات قبل أن تُقدِم على مساعدة الآخرين فى مواجهة الضغوط، البحث أولًا عن الإجابة عن السؤال التقليدى لدى أهل الاختصاص: من الذى يشتكى؟ ويشتكى من ماذا؟ ومتى بدأ يشتكى؟ وما مظاهر شكواه؟ ولماذا يشتكى فى الأساس؟، فالمطلوب من المؤسسات ليس فقط توفير خدمات الدعم، بل بناء ثقافة مجتمعية تُشجع على استخدامها، وتُقلل من الوصمة المرتبط بالصحة النفسية، مع تطوير خطاب إعلامى مسئول فيتناول القضايا الحساسة.

أما رسالتى للأفراد:فبينت دراساتنا النفسية أن هناك مبادئ خالدة تُبعد عن الأشخاص القلق وتُخفف عن الشخص التوتر، وهى، أولا : أن الحياة سلسلة من التحديات والفرص، وليست سلسلة من المشكلات، ثانيا: كل مشكلة لها حل وأفضل حل هو الحل المتاح، ثالثا: خلف الشجرة التى تحدّ من رؤية الفرد، غابة من الأشجار المثمرة، رابعا : كن مؤمنًا بالمثل الشعبى: (تبات نار تصبح رماد)، فأشد الضغوط جاءت لها مرحلة وانتهت، وهذه هى دورة الحياة، وليست كما تظن أنت خطأ بأنها وسيلة لخداع الذات.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة