رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أغنية «الربيع» بين فريد الأطرش وأم كلثوم


10-4-2026 | 10:49

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

بغض النظر عن التقلبات الجوية التى تشهدها بلادنا مع بدايات فصل الربيع؛ فإن الطبيعة الشاعرية لهذا الفصل بالتحديد والمعانى التى ترتبط به من تفتح الأزهار وتغريد الطيور وابتسام الحياة، قد أيقظت مشاعر كثير من الشعراء وراحوا يصوغون لنا أعذب الكلمات، وربما تحضرنى الآن قصيدة الشاعر العربى الكبير البحترى، التى يعبر فيها عن هذه المعانى والمفردات حين يقول:

أتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً

مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يتكلّما

وَقَد نَبَّهَ النَيروزُ فى غَلَسِ الدُجى

أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُــــوَّما

 

 

وأيا ما كانت دوافع البحترى فى كتابة هذه الأبيات التى جاءت فى إطار قصيدة كبرى فى مدح أحد الأمراء العباسيين، فقد استطاع شاعرنا أن يجسد المعانى الرقيقة والمتفائلة التى ترتبط بهذا الفصل المميز من فصول السنة، وهى المعانى التى دأب عليها كثير من أرباب الشعر على مر العصور فصيحا كان أم بالعامية.

وفى غنائنا الحديث غنى كثير من مطربينا للربيع مثل أم كلثوم التى قدمت سنة 1946 من كلمات أحمد رامى وألحان رياض السنباطى أغنية «غنى الربيع»، وقبلها غنى الموسيقار محمد عبد الوهاب من ألحانه وكلمات حسين السيد أغنية «هليت يا ربيع»، ضمن أحداث فيلم «ممنوع الحب» سنة 1942، وفى بداياته الأولى قدم عبد الحليم حافظ من مختارات الإذاعة ومن تأليف إبراهيم رجب وألحان عبد الحميد توفيق زكى أغنية «هلّ الربيع»، وغنت ليلى مراد من كلمات العوضى الوكيل وألحان محمد سلطان «موكب الربيع» وتبقى لأغنية «الدنيا ربيع» التى قدمتها سعاد حسنى فى فيلم «أميرة حبى أنا» سنة 1974 كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، مكانتها الخاصة بين أغنيات الربيع، فيما تظل رائعة فريد الأطرش «آدى الربيع عاد من تانى»، هى أيقونة هذا الفصل وأشهر ما تم غناؤه عن الربيع.

الأغنية قدمها فريد عام 1949 من تأليف مأمون الشناوى، ضمن أحداث فيلم «عفريتة هانم» إخراج هنرى بركات، ولم يكن أحد يتوقع لها أن تبقى على رأس أغنيات الربيع، وهى التى أراد لها فريد أن تصاغ سينمائيا فى قالب أقرب إلى الأوبريت الشكل الذى كان الملحن الكبير متيما به منذ أن كان يعمل بفرقة بديعة مصابنى، قبل أن يشق طريقه فى عالم الشهرة، لكن إلحاح فريد على تقديمها فى حفلات شم النسيم كل عام ومطالبة الجمهور له دائما بغنائها، وتقسيمة العود الشهيرة فى نسختها المسرحية بالحفلات العامة كلها عوامل دفعت بهذا العمل إلى تصدر قائمة أغنيات الموسيقار الكبير، وربما باتت واحدة من أنجح الأغنيات العربية الحديثة على الإطلاق، المدهش أن مجد هذه الأغنية كان سيئول إلى صوت غنائى آخر هو صوت كوكب الشرق أم كلثوم التى كان من المفترض أن تشدو بهذه الأغنية، لكن خلافها الشهير مع شاعرها مأمون الشناوى غيَّر مسار الأغنية من صوت كوكب الشرق إلى صوت فريد، ورغم أن قصة خلاف أم كلثوم مع مأمون الشناوى حول أغنية «الربيع» قد باتت مكررة، حين وقف ضد رغبة أم كلثوم فى تعديل بعض كلماتها؛ إلا أن الشناوى أضاف جديدا فى مقال له بمجلة «الموعد» سنة 1981 حين قال إنه خرج غاضبا من فيللا أم كلثوم بالزمالك، وقاده غرور شبابه إلى منزل فريد الأطرش على بعد أمتار من منزل كوكب الشرق؛ ليعرض على فريد كلمات الأغنية بعد أن حكى له ما كان من سيدة الغناء العربى، فانفعل فريد بالكلمات، ووعده أنه سوف يقنع «الست» بغناء الأغنية من ألحانه، وبالفعل ذهب فريد باللحن إلى أم كلثوم بعد أيام، فأبدت إعجابها بالأغنية وإن أكدت على أنها كانت قد طلبت من مأمون الشناوى تعديل بعض كلماتها، فخرج فريد محبطا من منزلها وقرر أن يغنى الأغنية بنفسه، ويعلق شاعر «الربيع» على هذا الموقف بأن أم كلثوم لم تشأ أن تخبر الأطرش بأن اللحن أيضا لم يصادف هواها نظرا لاختلاف المزاج الفنى عن الاثنين.

ويبدو أن الشناوى كان صائبا فى تعقيبه، فقد أكدت كل الشواهد اللاحقة على عدم حماس أم كلثوم للغناء من ألحان فريد الأطرش رغم إفصاح الأخير مرارا عن أمنيته بأن تغنى له الست، فقد فشلت كل محاولات الجمع بين ألحان فريد وصوت أم كلثوم، فمثلا كان من المفترض أن تغنى هى أغنية «أول همسة» من نظم مأمون الشناوى أيضا، لكن الفكرة وئدت فى مهدها، وحينما لحّن فريد قصيدة «وردة من دمنا» شعر بشارة الخورى – الأخطل الصغير – عن القضية الفلسطينية اتفقت أم كلثوم مع فريد على غنائها وقت أن التقت به فى بيروت سنة 1968 على هامش إحيائها حفلى مهرجان بعلبك لصالح المجهود الحربى، لكنها عادت من هناك لتغنى أعمالا وطنية أخرى من ألحان السنباطى وعبد الوهاب، معللة ذلك بأنها تفضل أن تغنى لفريد عملا عاطفيا وليس وطنيا، وظل فريد محتفظا بالقصيدة حتى اعتزلت الست الغناء فى أعقاب تسجيل أغنية «حكم علينا الهوى» نهاية شتاء 1973 وحينما تأكد الرجل من استحالة أن تخرج الأغنية بصوت أم كلثوم قام هو بغنائها ضمن أغنيات حرب أكتوبر 1973.

بقيت محاولة أخيرة للجمع بين الاسمين الكبيرين حين حكى الشاعر أحمد شفيق كامل أن أم كلثوم طلبت منه كتابة أغنية عاطفية كى يلحنها لها فريد، فكتب عام 1973 أغنية «كلمة عتاب»، وبالفعل لحن فريد مطلع الأغنية والكوبليه الأول، وأسمع ذلك لسيدة الغناء العربى، ففاجأته بأنها طلبت منه إعادة تلحين الأغنية برمتها من مقام آخر، فى تلك اللحظة أيقن الموسيقار الكبير أن حظوظ تعاونه مع صوت أم كلثوم باتت منعدمة، فزهد فى الأغنية وتركها نهائيا على وضعها، حتى توفى فى ديسمبر 1974، ولحقت به أم كلثوم فى فبراير 1975 لتأتى وردة الجزائرية بعد عام تقريبا لتقدم بصوتها هذه الأغنية بعد أن أكمل بليغ حمدى تلحينها بروح الموسيقار الراحل فريد الأطرش، لتبقى أغنية «الربيع» التجربة الأكثر اقترابا من التحقق فى تعاون فريد وأم كلثوم، ولتضيع على كوكب الشرق فرصة أغنية خالدة أخرى تضاف إلى سجلها الكبير، وتصبح «الربيع» من نصيب فريد الأطرش وأهم ما تغنى به على الإطلاق.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة