ما حدث خلال الفترة الماضية من تعليقات ونشر لخبر كاذب عن قيام خمسة شباب من محافظة السويس باغتصاب كلب، ونشر تقرير طبي في محاولة لتأكيد الواقعة لهو أمر يثير العديد من الخواطر والتساؤلات، أولها: لماذا نميل إلى التصديق قبل التحقق أو التحقيق مهما كان الخبر غريبًا؟.. هل هي حالة تفاهة أم حالة غباء أم حالة اكتئاب أم إحساس بالملل أو محاولة للفت الانتباه؟، ثم نجد آخرين يدخلون على الخط لمهاجمة كل من يتشكك في الخبر أو يطالبهم بالانتظار لحين قيام الجهات الرسمية المنوطة بإنفاذ القانون أن تعمل شؤونها وتقول كلمتها.
ونرى مجموعة أخرى تستغل هذا الخبر -المغلوط أساسًا- فتأخذه في مناطق أخرى مثل أن المجتمع أصبح متوحشًا وهمجيًا، أو أن المخدرات انتشرت وأصبح الحصول عليها أسهل من الحصول على أقراص الأسبرين، أو أن يحاول البعض وصم الرجال بأنهم حيوانات مفترسة لديهم هوس وسعار جنسي مستمر، مما يدفع البعض لنفي واقعة اغتصاب الكلب مشيرًا إلى أن فتيات الهوى منتشرات وأعدادهن أكبر من أعداد كلاب الشوارع.
لن أسترسل في سرد تبعات الخبر وما تم من نقاشات، فهي تثير الامتعاض والقرف والغثيان وتدفع إلى القيء.
لكن لا أدري أيضًا لماذا لم يفكر أحد ممن أعاد نشر الخبر، سواء صدقه أو لم يصدقه، لماذا لم يفكر أو يتساءل عن الآثار السلبية لمثل هذه الأخبار على المجتمع وأفراده، خاصة صغار السن، وكذا أيضًا على شكل المجتمع في الخارج وتأثير ذلك على الصورة الذهنية التي نود أن نصدرها للآخرين.
كيف نقول إننا أصحاب حضارة 7 آلاف سنة، وأننا شعب متدين بالفطرة وبشوش ومضياف وطيب، ولديه روح فكاهة وخفة دم يتغلب بها على كل الصعاب، وفي نفس الوقت ننشر خبرًا مثل هذا ونبرره بأن هذا يحدث، وأن قسمًا من الاضطرابات النفسية والعقلية يقوم أصحابها بممارسة الجنس مع الأموات ومع البهائم؟، كيف لا ننظر إلى باقي المجتمعات، وكيف إنها تحاول أن تظهر أفضل ما لديها وتخفي الأمور السيئة بالرغم من الادعاء المستمر بحرية التعبير والنشر.
هل يعرف كل من شارك في هذه الحملة ما هي الآثار السلبية المتوقعة؟.. بعضها معنوي وبعضها اقتصادي، وهل يعرف من شارك في هذه الحملة صعوبة محو آثارها السلبية؟.. على سبيل المثال، إذا اتهمنا رجلًا ما بأنه مثلي الجنسية أو اتهمنا فتاة بأنها منحرفة، بالإضافة إلى الألم النفسي وما سيتعرضان له من مضايقات قد تصل إلى حد الإيذاء البدني أو القتل، كيف يمكن لهما تبرئة أنفسهما من تلك التهم؟ وحتى وإن استطاعا القيام بذلك، هل عادت سمعتهما كما كانت؟ القياس مع الفارق، ولكن أرجو من الجميع: رفقًا بمصر، رفقًا ببلدنا.
والآن، وبعد أن صدر البيان الرسمي من وزارة الداخلية، وبعد القبض على السيدة التي ادعت كل ذلك وتبين أن غرضها هو رفع نسب المشاهدات وجمع التبرعات، أرجو أن يأخذ هذا الخبر نفس الأهمية ونفس الحجم من الانتشار، وأن ننتبه في المرات القادمة، ألا نندفع، وأن نفكر ونسأل، وأن نراقب دائمًا تلك الشعرة الموجودة دائمًا بين الشجاعة والوقاحة، وبين التنبيه والتشهير، وبين الحق والحق الذي يراد به باطل.