راودنى عنوان رئيسى للمقال يلخص حالة التعليم المصرى خلال نصف القرن الماضى، وهو «مشروعات التعليم بين السيطرة الأيديولوجية وبين اليوتوبيا التكنولوجية»، ولكنى قررت الاستمرار بعنوان الأسبوع الماضى لاستكمال عرض الكتاب الهام.
ففى الباب الثانى من الكتاب وعبر 3 فصول به تستعرض المؤلفة انتشار وتوغل الإسلام السياسى بالتعليم والمدارس، بدأ عبر موجتين (بالقطاع الخاص)؛ واحدة بعد الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات على يد زهيرة عابدين 1978، والثانية وهى الأقوى بالانتشار فى الثمانينيات والتسعينيات، وسأكتفى هنا بلغة الأرقام لأن هذا الجزء يستحق مقالا منفردا، فتذكر أنه فى السياق العددى وطبقا لأرقام المركز القومى للبحوث التربوية 1996 كان عدد المدارس الابتدائية الخاصة 1، 130 مدرسة، و649 إعدادية خاصة منها 17 فى المائة مدارس إسلامية خاصة أى 197 بالابتدائى، وحوالى 20 مدرسة إسلامية لغات، ثم نوع أعلى من مدارس النخب الإسلامية (الدولية).
كانت تحية العلَم منعدمة والبديل الأناشيد الإسلامية وشعارات الإخوان، وكانت كذلك نسبة طلبة الإخوان بكلية التربية مرتفعة، مما استدعى الدولة لإجراء تغييرات حكومية وتغيير سياسة الوزارة تجاه ذلك مع تولى د. حسين كامل بهاء الدين.
تذكر المؤلفة فى كتابها (التعليم 2.0) علاقتها بمشروع د.طارق شوقى، وأنه بعد تولى الرئيس السيسى الحكم بعد انتخابه رئيسا، تم تشكيل المجالس الاستشارية الرئاسية، ومنها المجلس الاستشارى بالتعليم والبحث العلمى، وتقلد د. طارق شوقى منصبه به كأمين للمجلس الاستشارى بالتعليم، وهو من أكثر المتخصصين فى تطبيقات التكنولوجيا بالتعليم وعمل فى جامعات أمريكا وباليونسكو قبل عودته للعمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، لذلك كانت أول أعماله بالمجلس - وقد حضرت ذلك - تدشين بنك المعرفة، وما زال البنك يعمل حتى الآن، ولكن انتقلت مسئوليته إلى التعليم العالى، وهو عمل مهم بالفعل كمكتبة ضخمة وحديثة للغاية لمساعدة الباحثين، وفى مرحلة لاحقة تخدم طلاب المدارس.
ثم فى 2017 تولى د. طارق شوقى المسئولية كوزير للتربية والتعليم -وكانت تصريحاته الأولى حول المجانية وتدنى ترتيب مستوى التعليم عالميا وتغيرات بالثانوية -ولكن بعد حلف اليمين تقلص الحديث عن المجانية، وبقيت الأفكار الأخرى وعلى رأسها خطة محددة للتطوير هى التعليم (2.0)، وقد أصدرت د. ليندا كتابا عن ذلك بالإنجليزية، ويحمل عنوانا (التعليم 2.0) والذى تحاورنا عنه وأرسلت غلاف نسخته الإنجليزية فى غداء العمل معها، وذكرت بكتابها هذا، بأنها تلقت ايميلا من د. طارق شوقى ثم مكالمة طويلة معها يطلبها للعمل معه؛ لأنها عاشت بمصر وتخصصت بالتعليم ودراساته، وكتبت عنه كثيرا وكلاهما ينتمى كذلك لجامعة إلينوى الأمريكية، ولكن لم يلتقيا إلا عابرا. لاختلاف التخصص.
وافقت المؤلفة على طلب العمل، وهو ما كتبته فى كتاب تعليم المصريين، فتقول «من باب الشفافية أذكر أننى توليت منذ عام 2019 منصب مديرة بحث وتوثيق مشروع التعليم (02) وأن المشروع يعمل بصورة مستقلة للتقييم دون تدخّل الوزارة، وأنه فى بدايته كان ممولا من مكتب الخارجية والكومنولث البريطانى وتوقف التمويل مع جائحة كورونا، واستمر المشروع على أساس تطوعي».
وهنا سوف أتوقف قليلا عند كلماتها لأنه بصرف النظر عن الاختلافات مع د.طارق شوقى؛ إلا أن الأمانة تقتضى التسجيل له، أنه كان يعمل وفق منهج أكاديمى وباعتباره أستاذا جامعيا، فسمح بوجود مراكز مستقلة عنه وعن الممولين لتقييم المشروع نفسه الذى دشنه على أرض الواقع، وبتوفير التمويل غير الحكومى له، لماذا هذه النقطة مهمة لأى عمل وتقييمه، لأنه تفصل بين أن يكون مقدم الخدمة هو مقيّمها أيضا أى الاثنين فى واحد، أو هو منْ يقدم الأرقام وغيرها، وهنا تصبح التقييمات هى انعكاس لرأى الوزارة - انتهت ملاحظتى فى جزئية عملها واستقلاليته، ومن ضمن ما كتب بكتابها الأول بالإنجليزية معلومات طريفة وهو تحفظ البعض على زياراتهم للمدارس.
وبدأ التطبيق للمشروع والمناهج الجديدة، وبدأت من مرحلة رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي، ثم تتوالى عاما بعد عام للصف الأعلى، وأذكر أن هذه النقطة تحديدا كانت «مسارا» لتعديل المشروع نفسه، فاقتراحه الأول بأن يكون هناك مساران متوازيان الجديد مع القديم فى بعض المراحل الدراسية, ولكنه استجاب لما كتب من مقالات واعتراضات المتخصصين حول ذلك -بدون اللقاء بهم -وبدأ المشروع بالفعل من أول السلم التعليمى وليس من أعلى.
ولن أدخل فى جدل المناهج والشركات الأجنبية، فتلك نقطة خلافية منى مع البعض، ونعود إلى ما أوردته المؤلفة حول عناصر التطبيق، ومنها رأى وتقييم المدرسين وأولياء الأمور، والكتاب مهم فى رصد ذلك لأنه توثيق للتجربة، وأتمنى ترجمته إلى العربية وأن تهتم بذلك دور النشر، فمن المعلومات والأرقام عن أحوال التعليم أعده مركز السياسات البديلة أنه بين عامى 2004 - 2021 جمد توظيف المعلمين الثابتين، لصالح التعاقد مع المؤقتين، وأدى ذلك إلى عجز بالمعلمين وإلى مهنة بأجر موسمى، وهذه أرقام هامة لتتبع الأوضاع حتى الآن.
وعندما جاء د. طارق كان ذلك وسط وترحيب البعض به بجانب أنه كان يتمتع بدعم سياسى كبير فى البداية؛ إلا أن ذلك بمرور الوقت تناقص للغاية.
ويرصد الكتاب الأول أن د. طارق شوقى حاول أن يقنع ويتداخل مباشرة مع الأهالى والماميز تحديدا -وعلمت أنه كان عضوا فيما يقرب من 3 آلاف مجموعة واتساب، ويشارك فى المناقشات والرد بنفسه - فهو يقول إنه واجب عليه الرد، وأنه كلما أجبت عن الأسئلة أكثر زاد الهجوم؟! وللتفسير وكما سبق وكتبت أن القضية ليست فى الرد والتفاعل المباشر، وكان د. طارق للحقيقة من أكثر الوزراء الذين عرفتهم ردا وتدخلا مباشرا، ولكن عاب ذلك إحساس الكثير بأن تدخله يمثل سلطة وبالاستعلاء عليهم. وهذه نقطة أراها جوهرية فى تقبل الجمهور إلى الردود وربما لغة الردود خاصة مع الماميز، رغم أنه وبطريقة أخرى أبسط كان يمكن أن يكسب الرأى العام عبر شرح أن التطوير هام وملح، وأن يعتمد على الجهات المؤثرة وشخصيات تربوية يحبها ويقدرها المجتمع، فكانت لذلك رسائله تقف عصية على الهضم فى عقل الكثيرين وأنا منهم، لأن التعامل مع الجمهور المصرى يحتاج إلى خلفيات وأدوات اجتماعية وسياسية وأيضا إعلامية مقدرة وليس الارتكان فقط لمبدأ هو كده الأفضل والأصح!، كما أن التواجد الدائم للرد على الآراء الصغيرة قبل الكبيرة، 3 آلاف جروب أرهقه وأرهق الجمهور معه، على الرغم من ضرورة الرد بل حتميته من المسئول، ولكن ليس عن طريق التقليل من الآخرين، واعتقد لو عاد اليوم د. طارق للتعليم فسيكون أكثر إنصاتا وربما تقديرا فى التعامل مع أصحاب المصلحة فى التغيير وهم ركن أساسى لنجاح أى تغيير.
كان من ضمن أدواته للتغيير هو المكون التكنولوجى، ومن الأدوات المهمة التى اعتمد عليها د. طارق شوقى فى مشروعه وهو توزيع التابلت على طلاب الثانوى، وكانت مبادرة وزارية ليست جديدة تماما ولكن أهمية مشروعه فى تعميمها وللجميع بالمجان، وأن تصبح ملك الطالب نهائيا، ورغم بعض العراقيل البيروقراطية مثل الإمضاء على أنه عهدة، وهو سريعا ما تراجع عن هذا الشرط المجحف، فإن تجربة التابلت نجحت بالفعل لأن تعميمها جاء مواكبا مع كورونا، ولكن عابها أن تصبح بديلا لموازنة لطبع الكتب - 6مليارات جنيه، وألا تتعمق كأداة تثقيفية وتعليمية؟ كان حلم توزيع التابلت مجانا قد اقترن بفكرته للامتحان عليه بالثانوية العامة، وكان ذلك من الخطورة على أرض الواقع فى شهادة قومية وللجميع وفى وقت واحد؛ أى فكرة تتجاوز ولا تصلح مع واقع به 750 ألف طالب وبنية تحتية غير مكتملة فى ذلك الوقت، وانقطاع بالكهرباء، مما كان سيؤدى إلى غضب وأزمات مجتمعية إذا حدثت مشكلة فى لجنة واحدة، لاسيما وأن شهادة الثانوية كانت آخر معاقل تكافؤ الفرص، ولذلك صدر قرار رئاسى صائب ومصحح، بعدم تطبيقه بالثانوية العامة. ولكن بدلا من العودة للنظام الورقى أو الدمج بينهما، قرر تطبيق الامتحان غير التكنولوجى بآليات امتحان وفكر التكنولوجيا؟! أى الإجابة بالاختيار من متعدد أو الصح والخطأ، وهو ما اشتكى منه ومن تأثيره الجميع لاحقا خاصة بالجامعات وأساتذتها.
وقالت د. ليندا فى مقدمة كتابها إن د. شوقى من الداعمين المتحمسين للابتكار التكنولوجى، ويبدى الوزير ميولا متفائلة بالتكنولوجيا، وتصف ذلك الرأى باليوتوبيا التكنولوجية؛ حيث يرى أصحابها أن الحلول التكنولوجية قادرة على معالجة المشكلات الاجتماعية وخلق مجتمع أفضل وأكفأ وأكثر ازدهارا، فيتبعون مقاربة لا تاريخية للسياسات الاجتماعية؛ أى أنهم يرون مشكلة فى تخيل المجتمع صفحة بيضاء يمكن رسم رؤى وخطط التنمية عليها.
كانت كلماتها هذه هى خير كلمات أختم بها رؤيتها التى أتفق معها حول حلول اليوتوبيا التكنولوجية ومنها الآن الذكاء الاصطناعى، وبدون دراسة لعناصر أخرى هامة مثل الأوضاع الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والمستقبل كيف هو، والسؤال الأهم وهل نحن فى خدمة التكنولوجيا وتطبيقاتها أم هى فى خدمتنا؟، فالإنسان هو منْ اخترعها ولمنْ الكلمة الأخيرة؟.