رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مستقبل مصر.. من منصّة تطوير إلى مستثمر مؤسسى


26-2-2026 | 15:48

.

طباعة
بقلـم: د. محمد فؤاد

منذ ثلاث سنوات تقريبًا، وأنا أراقب تجربة «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة» بهدوء، بعيدًا عن موجات التأييد والرفض التى عادة ما تُحيط بأى نموذج عام جديد. ما شدّ انتباهى لم يكن حجم المشروعات أو سرعتها بقدر ما كان منطق التدخل نفسه: كيف يتكوّن هذا الكيان داخل منظومة اقتصادية تختلط فيها أدوار الملكية العامة والتنظيم والتشغيل؟ وأين يضع حدوده بين كونه مطوّرًا للقدرات وكونه لاعبًا فى السوق؟ هذه الأسئلة، فى سياق الاقتصاد المصري، ليست ترفًا نظريًا؛ لأن تصميم الدور العام يحدّد ما إذا كان التدخل السيادى يُضاعف السوق أم يزاحمه.

 

فى الخطاب العام، يُختزل أى حضور للدولة سريعًا فى مفهوم «بصمة دولة مُعطِّلة». هذا الاختزال مريح ذهنيًا، لكنه يتجاهل أن دور الدولة ليس تابو فى التجارب المقارنة. الإشكال الحقيقى يظهر حين تختلط الأدوار: المنظِّم هو نفسه اللاعب، أو حين يستمر التشغيل المباشر فى حلقات كان يفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى السوق مع نضج القدرات. هنا يتشكّل نمط نمو غير متوازن: قطاعات تُسرَّع برافعة سيادية، وأخرى تتباطأ لأن كلفة المخاطر والتمويل تُركت للسوق وحده، فتتراجع إنتاجية رأس المال على مستوى الاقتصاد ككل.

منصّة تطوير.. لا ذراع تنفيذ تقليدية

ما يميّز «مستقبل مصر» فى بنيته العملية أنه أقرب إلى منصّة تطوير منه إلى ذراع تنفيذ تقليدية. المنصّة التطويرية تستثمر فى الأصول التأسيسية والقدرات المُهيِّئة للدخول: تجهيز الأراضي، بناء بنية لوجستية، تنسيق حلقات سلسلة القيمة، وخفض مخاطر التأسيس التى يعزف عنها رأس المال الخاص فى المراحل الأولى بسبب طول أفق الاسترداد وعدم اليقين. هذا النوع من التدخل يخلق قيمة تمكينية؛ لأنه يغيّر هيكل المخاطر، لا لأنه يمرّ عبر السوق لتحصيل ريع عبور.

الفارق هنا جوهري. ليس كل تدخل عام ريعيًا، وليس كل نموذج تمكينى بريئًا من مخاطر التشوّه. المنصّات التطويرية بطبيعتها انتقالية: تُبرَّر فى مراحل تأسيس كثيفة رأس المال وطويلة الأجل، ثم يُفترض أن تُعيد توزيع الأدوار مع نضج السوق. المشكلة تبدأ عندما يتحوّل “الانتقالى” إلى “دائم”.

تعقيد الأدوار الثلاثة

داخل «مستقبل مصر» تتجاور ثلاثة أدوار بمنطقيات مختلفة:

- دور استراتيجى يرتبط بأولويات عامة طويلة الأجل.

- دور استثمارى يطلب عائدًا واستدامة مالية وانضباطًا محفظيًا.

- دور تمكينى يُفترض أن يظل حياديًا تنافسيًا، ويخفّض مخاطر الدخول للقطاع الخاص.

الجمع بين هذه المنطقيات داخل كيان واحد يسرّع الإنجاز فى المدى القصير، لكنه يخلق توترًا مؤسسيًا فى المدى المتوسط، إن لم تُصمَّم آليات فصل وظيفى واضحة. الخطر ليس فى وجود الأدوار، بل فى انزلاق الدور التمكينى إلى لاعب تنافسى دائم، بما يُعيد إنتاج بصمة دولة مُعطِّلة ولو بنوايا حسنة.

ما تقوله التجارب المقارنة

التجارب الدولية لا تُدين وجود الدولة فى السوق، لكنها تُدين غياب مسار التحوّل المؤسسى فى نماذج نجحت، بدأت الدولة مطوّرًا للقدرات حيث تفشل السوق، ثم أعادت توزيع الأدوار مع نضج القطاع الخاص، فى كوريا الجنوبية، كان للدولة دور تأسيسى فى بناء القاعدة الصناعية والتمويل الموجّه وسلاسل القيمة التصديرية، ثم تراجعت عن التشغيل المباشر مع صعود الشركات الخاصة. فى سنغافورة، جرى فصل الملكية السيادية عن التنظيم والتشغيل عبر أذرع استثمارية تعمل بمنطق المحفظة، ما حدّ من تشوّهات المنافسة، فى الإمارات، استُخدمت منصّات سيادية لبناء محافظ وشراكات عالمية فى قطاعات جديدة، مع تقليص التشغيل المباشر حيثما أمكن للسوق أن يقود، وفى المغرب، أُعيد تصميم وظيفة ملكية الدولة وبناء منصّة لإدارة المحافظ العامة، مع فتح مسارات الشراكة والتعاقد للقطاع الخاص فى التشغيل والخدمات المرتبطة. القاسم المشترك هو وجود مسار خروج مؤسسى من التشغيل المباشر كلما ارتفعت قدرة السوق على تولّى الدور بكفاءة أعلى.

حدود التدخل ومسار التطوّر

المخاطر الهيكلية لا تنبع من «الدولة» بحد ذاتها، بل من ترسّخ التدخل فى حلقات كان ينبغى أن تنتقل للسوق. هنا يتكرّس نمو غير متوازن، وتختل إشارات الأسعار، وتتراجع إنتاجية رأس المال. المعالجة ليست بإلغاء المنصّات التطويرية، بل بتصميم مسار تحوّل واضح، يمنع تثبيت الدور التشغيلى ويُعيد مركز الثقل إلى منطق المحفظة والشراكات.

بالنسبة إلى «مستقبل مصر»، المسار الأكثر اتساقًا مع أفضل الممارسات الدولية هو الانتقال المرحلى من منصّة تطوير إلى مستثمر مؤسسى ومُضاعِف للسوق يتم ذلك عن طريق إدارة الأداء بمنطق المحفظة، فصل وظيفى بين وحدات التمكين والاستثمار والتشغيل المؤقت، تسعير شفاف لخدمات التمكين يعكس كلفة وقدرات فعلية، ومسارات انتقال مُسبقة التصميم لنقل التشغيل إلى شراكات يقودها القطاع الخاص مع نضج سلاسل القيمة.

السردية الأكثر نضجًا لا تُشيْطن الدور العام ولا تُقدّسه. «مستقبل مصر» ليس امتدادًا للتدخلات الريعية التقليدية، كما أنه ليس بمنأى عن مخاطر ترسيخ بصمة دولة مُعطِّلة إنْ طال أمد التشغيل المباشر. قوّة النموذج ستُقاس بقدرته على التحوّل عبر الزمن: من مطوّر للقدرات فى المراحل التأسيسية إلى مستثمر مؤسسى يضاعف السوق بدل أن يحلّ محلّه، وبقدرته على تحويل الدفع السيادى إلى نمو أكثر توازنًا واستدامة عبر الاقتصاد ككل.

    كلمات البحث
  • جهاز
  • مستقبل
  • مصر
  • تنمية
  • مستدامة

أخبار الساعة

الاكثر قراءة