رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مفيد شهاب مسيرة مشرفة وسيرة خالدة


19-2-2026 | 18:44

د. مفيد شهاب

طباعة
تقرير: أحمد يونس

رحل عن عالمنا أحد أعلام القانون الدولى، الدكتور مفيد شهاب، تاركًا وراءه مسيرة علمية وقانونية حافلة، وهو ما يدفعنا للعودة إلى ما كتبه عنه الكاتب الصحفى عبدالقادر شهيب فى كتابه «شخصيات عرفتها.. عن قرب» الصادر عن دار الهلال، حيث قدم شهادة قريبة ترصد ملامح شخصيته الإنسانية والمهنية وأسلوبه فى العمل والتعامل مع زملائه وتلاميذه.

 

يقول «شهيب» فى كتابه: خلال معرفتى بالدكتور مفيد تبينت بوضوح أنه شخص متواضع رغم إدراكه لقدراته، وليس من الشخصيات المسيطرة، فأول كتاب شاركت فى تأليفه مع آخرين كان تحت إشرافه، وتعامل معنا كصديق لا كمشرف، وكان الكتاب عن جامعة الدول العربية، وصدر عن معهد الدراسات العربية. وهذا التواضع ظهر بوضوح أيضًا خلال التعامل معه على مدى سنوات طويلة، وتحديدًا حينما كان يستعين بى لكتابة بعض الأوراق البحثية والمقدمات لمؤتمرات.

ويضيف أن تواضع «شهاب» لم يكن على حساب احترامه لذاته، بل جعله من القلائل الذين حازوا قبول واحترام الموالاة والمعارضة فى الوقت نفسه، وهو ما ساعده بعد أن ترك السلطة على مواصلة نشاطه الثقافى والمهنى، من خلال إشرافه لعدة سنوات على أنشطة جمعية القانون الدولى، إلى جانب عمله فى القضايا الدولية عبر مكتب خاص، مستثمرًا خبرته وعلاقاته العربية.

ويمثل الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية فى مجالات السياسة والاقتصاد والصحافة، إذ يستعرض 20 شخصية بارزة التقاهم المؤلف وعاصرهم بحكم عمله، مقدمًا شهادات إنسانية ومهنية مباشرة، ومن بينهم الدكتور مفيد شهاب.

تعرفت على الدكتور مفيد شهاب فى مرحلة مبكرة من شبابى، كما يروى الكاتب الصحفى عبدالقادر شهيب فى كتابه شخصيات عرفتها.. عن قرب، حين كنت عضوًا فى منظمة الشباب، وانضممت لأول مجموعة من طلاب الجامعة فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1965.. كان مفيد شهاب أحد قادة المنظمة وعضوًا فى أمانتها العامة، تلك المنظمة الوليدة التى أمدت الدولة المصرية لعقود بكوادر سياسية وإدارية وفنية، واستمر أثرها رغم تجميدها لاحقًا بقرار من على صبرى، أمين عام الاتحاد الاشتراكى، بعد مظاهرات فبراير 1968 التى اندلعت فى جامعات القاهرة وعين شمس وحلوان احتجاجًا على ضعف الأحكام بحق قادة الطيران المسؤولين عن هزيمة يونيو.

اتهمت السلطات المنظمة، بقيادة أحمد كامل، بالتحريض والمشاركة فى هذه المظاهرات، فتم تجميد نشاطها وفرض هيمنة الاتحاد الاشتراكى على اتصالاتها التنظيمية.. لاحقا شهدت الإسكندرية مظاهرات طلابية فى نوفمبر من نفس العام، وتعامل المحافظ أحمد كامل مع المعتصمين بالتفاهم بدل استخدام القوة، وكان من بين قادة الاعتصام خيرت الشاطر، الذى انضم لاحقا لجماعة الإخوان وأصبح نائبًا للمرشد وأحد أقوى رموزها. وهذا، بحسب «شهيب»، يوضح أن المتطرفين فى أحيان كثيرة قد يلتقون ويتحالفون أحيانًا.

مرت السنوات، وتوطدت الصداقة بين «شهيب» والدكتور مفيد شهاب، قائمة على الاحترام المتبادل، دون أن تلعب المناصب أى دور فيها، استمرت هذه الصداقة بعد ترك شهاب لمنصبه كوزير لشؤون مجلسى الشعب والشورى فى يناير 2011 بعد تنحى الرئيس مبارك، وكذلك بعد استقالة «شهيب» من رئاسة دار الهلال، إذ تعرض كلاهما لتجارب سياسية صعبة، فقد تم اعتقال «شهيب» فى السبعينيات بسبب اتهامات سياسية متعلقة بانتمائه لحركات يسارية، بينما خضع «شهاب» للمحاكمة بعد أحداث مايو 1971 المعروفة بقضية مراكز القوى، ولكنه عاد ليعيد بناء دوره السياسى تدريجيًا.

كانت البداية الفعلية لمفيدة شهاب بعد استعادة طابا، إذ شارك فى اللجنة الوطنية التى شكلها الرئيس مبارك لاسترداد طابا عبر التحكيم الدولى بعد فشل المفاوضات مع إسرائيل. بعد نجاح اللجنة، تقلد شهاب مناصب قيادية، بدءًا برئاسة جامعة القاهرة، ثم تولى وزارة التعليم العالى والبحث العلمى بعد فصلها عن وزارة التعليم، حيث أطلق برنامجًا علميًا للفضاء المصرى تمخض عن إطلاق أول قمر صناعى وإنشاء أول وكالة فضاء مصرية، رغم تأخر تنفيذ بعض الخطط لاحقًا بسبب عدم اهتمام الوزير الذى خلفه، الدكتور هانى هلال، بالبرنامج.

فى حكومة لاحقة شغل شهاب منصب وزير شؤون مجلسى الشعب والشورى، ولم يكن سعيدًا بهذا المنصب الذى فرض عليه الدفاع عن سياسات لم يكن مقتنعًا بها، وهو ما صرح به لشهيب.. ورغم ذلك، اتسم بالمرونة وتجنب المواجهات الحادة، ربما نتيجة تجارب الاعتقال السابقة التى علمته التوازن وتجنب الصدامات، خصوصًا فى بيئة سياسية تشجع على المناكفات والصراعات بين الأفراد.

كما انتقد شهاب- بحسب شهيب- مواقف سياسية انفعالية مثل رفض أسامة الغزالى حرب للتعديل الدستورى عام 2006، ورغم ذلك حافظ على احترام الجميع بفضل التزامه بالاستقامة السياسية وحرصه على قول الحق عند الحاجة. بعد نجاح معركة استرداد طابا، عرض عليه مبارك الانضمام للحزب الوطنى، لكنه اقترح تعديلات فى قيادته لتصبح أكثر قبولًا لدى الشعب، وهو ما حدث لاحقًا بتغيير بعض قيادات الأمانة العامة، رغم أن هذه التغييرات لم تحقق كامل طموحاته.

فى السنوات الأخيرة، خلال تشكيل الهيئات الصحفية والإعلامية وفق دستور 2014، اقترح مكرم محمد أحمد أن يتولى شهاب رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تقديرًا لمكانته الوطنية وقبول مختلف الفرقاء السياسيين له، خاصة بعد مساهمته فى مراجعة اتفاق النوايا الثلاثى بين السودان وإثيوبيا بخصوص سد النهضة عام 2015.

من خلال شهادة «شهيب» يتضح أن مفيد شهاب كان دائمًا نموذجًا للالتزام بالحق، والاعتدال فى المواقف، واحترام الجميع، وممارسة الصداقة بعيدًا عن النفوذ والمناصب، مع حرصه الدائم على تقديم إسهامات وطنية ملموسة فى المجالات القانونية والسياسية والأكاديمية، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع فى مصر وخارجها.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة