لقاء مرتقب وسط أجواء مازالت مشحونة سواء داخل قطاع غزة أو فى الضفة الغربية، حيث سيعقد مجلس السلام المكون من 20 دولة اجتماعه الأول الخميس، وهذا الاجتماع سيحدد مصير المجلس سواء سينجح فى مهمته أم لا، لا سيما بعد إعلان ترامب عن انضمام نتنياهو للمجلس وهو المسئول الأول عن الدمار الذى حل بالقطاع.
الاجتماع سيعقد فى واشنطن بمعهد ترامب للسلام - الذى أعادت وزارة الخارجية تسميته مؤخرا باسم الرئيس- ومن المتوقع أن يحضر رؤساء الدول المشاركة، وكتب ترامب على حسابه على «سوشيال تروث» أن الدول الأعضاء ستعلن فى الاجتماع القادم عن التعهد بتقديم أكثر من 5 مليارات دولار أمريكى لإعادة الإعمار والجهود الإنسانية فى غزة، وقال ترامب إن الدول الأعضاء قد خصصت أيضا آلاف الأفراد لقوة تحقيق الاستقرار التى فوضت من الأمم المتحدة والشرطة المحلية فى القطاع الفلسطينى.
وأعلن ترامب عن تأسيس المجلس فى 15 يناير الماضى فى منشور على «سوشيال تروث»، كهيئة دولية مخولة لدعم إدارة وإعادة إعمار قطاع غزة وإنعاشه اقتصاديا بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803 والصادر فى نوفمبر 2025، وذلك باعتباره مرحلة ثانية تالية لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات.
ويتشكل المجلس من ثلاث هيئات رئيسية، مجلس السلام الرئيسى ودعا إليه ترامب رؤساء وحكام حوالى 60 دولة، والمجلس التنفيذى وهو المسئول عن الدبلوماسية والاستثمار وقد تم تعيين سبعة أعضاء فيه، واللجنة الوطنية لإدارة غزة التى ستتولى إدارة القطاع.
وبينما أكدت بعض الدول مشاركتها فى مجلس السلام مثل الولايات المتحدة وبيلاروس وألبانيا والمجر والإمارات، تلقت دول أخرى من بينها مصر دعوة للمشاركة، و«المصور» ماثلة للطبع ترددت أنباء عن مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى اجتماع مجلس السلام بواشنطن لمناقشة إعمار غزة وقضايا أخرى.
كما أن هناك بعض الدول التى رفضت المشاركة من الأساس وأغلبها دول الاتحاد الأوروبى، ومتوقع أن يحضر المجلس مندوب عن دول التعاون الأوروبى لتمثيل دول الاتحاد التى مازالت ترى أن الصورة ضبابية وأنه لا فائدة من انضمامها.
وكان ترامب قد دعا الدول الأعضاء الدائمة إلى دفع مليار دولار للانضمام، وهو ما أثار انتقادات عالمية من أن يتحول مجلس السلام إلى نسخة مدفوعة الأجر من مجلس الأمن، لكن ترامب قال عبر حسابه إن المجلس سيثبت أنه أهم هيئة دولية فى التاريخ، ويشرفه أن يتولى رئاسته.
وأضاف أن جميع التعهدات ستعلن رسميا خلال اجتماع مجلس الإدارة الأول فى واشنطن، ومن جانبها صرحت إندونيسيا أن ما يصل إلى 8000 من جنوده جاهزون بحلول يونيو القادم لنشر محتمل فى غزة كجزء من مهمة إنسانية وإرساء للسلام هناك، ويعد هذا أول التزام قاطع يحصل عليه ترامب.
وبعد أكثر من عامين من القصف الإسرائيلى، تقدر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى أن تكلفة إعادة إعمار غزة ستبلغ حوالى 70 مليار دولار، ما يقرب من 60 مليار يورو، وبجانب الجزء المادى ينص وقف إطلاق النار على إنشاء قوة دولية مسلحة لتحقيق الاستقرار بهدف حفظ الأمن وضمان نزع سلاح حركة حماس -وهو مطلب رئيسى لإسرائيل- وحتى الآن لم تبد سوى قلة قليلة من الدول اهتماما بالمشاركة فى هذه القوى المقترحة.
عائق آخر يقف أمام هذا المجلس وهو عدم التزام إسرائيل بالمرحلة الأولى من الاتفاق وهو الوقف الكامل لإطلاق النار، حيث شنت القوات الإسرائيلية غارات جوية متكررة وأطلقت النار بشكل متكرر على الفلسطينيين قرب المناطق التى تسيطر عليها القوات.
ورغم أن ترامب لم يعلن عن أسماء القادة المشاركين بالفعل فى الاجتماع فى إطار العشرين دولة، إلا أنه من غير المتوقع أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو ضمن الحضور.
ويرى مراقبون أن سعى ترامب لإعادة تشكيل النظام الدولى قد يأخذ مجلس السلام بعيدا عن هدفه الأساسى الذى خطط له وهو وضع حد للصراع الإسرائيلى مع حماس فى قطاع غزة، بل يريد ترامب أن يبلور هذا المجلس ليحصل على تفويض أكبر بكثير لمعالجة الأزمات العالمية، وهو ما يراه البعض محاولة للالتفاف على الأمم المتحدة.
حتى إن أوروبا الحليف الأقرب للولايات المتحدة والكثير من الدول الأخرى رفضت الانضمام إلى المجلس الذى شكله ترامب، معتبرين ذلك محاولة منه لمنافسة مجلس الأمن الدولى.
ويؤيد ذلك السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الذى أكد أن المجلس انحرف عن مساره الأساسى وهو إعادة إعمار غزة لكن ترامب حوله لمجلس سلام عالمى مواز لمجلس الأمن حتى وإن لم يصرح بذلك، وأرسل إلى 60 دولة للانضمام للمجلس ولم ينضم سوى 20 فقط أغلبها من دول الشرق الأوسط وذلك مجاراة للموقف وعلى أمل أن يهدئ ذلك من الصراع فى الشرق الأوسط.
وأضاف «حسن» أنه حتى الآن لم يتم تحديد حتى مناطق الإعمار، كما أن المبلغ المجمع حتى الآن ما هو إلا نقطة فى بحر مما حددته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى من فاتورة الإصلاح وإعادة الإعمار التى قد تصل إلى 70 مليار دولار، فمثلا المملكة العربية السعودية قالت إنها لم تحدد أى مبالغ لإعادة الإعمار بدون جدول للانسحاب الإسرائيلى من القطاع بالتوازى مع نزع سلاح حماس، وذلك على هامش مؤتمر ميونخ للأمن.
ويرى أن المجلس حاليا ربما يأتى فى الأساس لتنفيذ خطة كوشنر فى غزة بعمل ريفييرا وتحويل القطاع لمركز تجارى عالمى، بل إن خطة التهجير مازالت قائمة، لذلك فإن الموقف يشوبه ضبابية واسعة، وأن خطة مصر كانت الأفضل وذلك من خلال عقد مؤتمر دولى لجمع التبرعات، لكن يبدو أن ترامب لم يوافق على ذلك، ويظل قراره السارى بما أنه يرأس المجلس.
كما تساءل «حسن» عن القوة الدولية التى لم تتشكل بعد والتى تعد ركنا رئيسيا لبداية الإعمار، حيث ستكون مسئولة عن الأمن وتتسلم المعابر من القوات الإسرائيلية، حتى يتم السماح بدخول معدات الإعمار فى الأساس، فحتى الآن لا تدخل سوى 200 شاحنة من أصل 600 شاحنة مساعدات كان قد تم الاتفاق على دخولها يوميا، كما ترفض القوات الإسرائيلية دخول الخيام أو البيوت المؤقتة فما الفائدة من دخول مرحلة جديدة من الاتفاق ولم يتم تنفيذ المرحلة الأولى كما تم الاتفاق عليها.
وتؤكد رقية سويدان، نائبة رئيس معهد شئون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن الغموض أحد أبرز المخاوف المحيطة بمجلس السلام. فباستثناء الإعلان عن أعضائه والترويج للأموال المتعهد بها، لم يُقدّم المجلس حتى الآن خارطة طريق واضحة للحوكمة أو الأمن أو إعادة الإعمار. وقد انصبّ التركيز فى البداية على الجانب الرمزي: المراسم الرسمية، والمفاوضات حول الدول المشاركة، والخلافات حول انضمام تركيا، والنقاشات حول الدول المستعدة لنشر قوات عسكرية أو أمنية.
وأضافت أن بعض الحكومات منخرطة بقوة فى المجلس، بينما تُفضّل حكومات أخرى النأى بنفسها عنه. على سبيل المثال، سيرسل الاتحاد الأوروبى دوبرافكا شويكا، المفوضة الأوروبية لشئون البحر الأبيض المتوسط، إلى واشنطن لحضور الاجتماع الافتتاحي، لكن التكتل رفض الانضمام رسميًا إلى المبادرة.
وقالت «سويدان» إن كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبى للشئون الخارجية، حذرت من أنه فى حين أجاز قرارٌ صادرٌ عن مجلس الأمن الدولى إنشاء هيئة دولية للإشراف على إدارة غزة وإعادة إعمارها بعد الحرب، فإن مجلس السلام الذى أنشأه ترامب لا يشير إطلاقًا إلى غزة أو الأمم المتحدة. وأشارت إلى أن القرار الأصلى حدد ولاية الهيئة زمنيًا، وأشار صراحة إلى غزة، واشترط مشاركة الفلسطينيين - وهى أمورٌ غير واردة فى النظام الأساسى للمجلس. وقد ردد وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، هذه المخاوف، مشيرًا إلى أن أوروبا، أحد الممولين الرئيسيين للسلطة الفلسطينية، قد تم تهميشها فعليًا.
ورغم هذه التحفظات، فإن مسار المشروع يُصاغ من قِبل شخصياتٍ مقربةٍ من ترامب. ويتصدر القائمة جاريد كوشنر، الذى كشف فى يناير 2026 عن رؤية «غزة الجديدة» بقيمة تتراوح بين 25 و30 مليار دولار، والتى تُصوّر إعادة الإعمار كفرصة استثمارية للقطاع الخاص. وصف «كوشنر» واجهة غزة البحرية بأنها رصيد قيّم يُمكن تحويله إلى مركز تجارى متطور تقنياً خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، مع ميناء ومطار جديدين، وشجع المستثمرين بالتأكيد على مبادئ السوق الحرة والعوائد المحتملة.
وأضافت «سويدان» أن كل هذا يحدث فى ظل واقع مدمر على الأرض. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، التى اطلعت عليها ميدل إيست آي، إلى أن غزة مدفونة تحت ما لا يقل عن 61 مليون طن من الأنقاض. ويشكل حوالى 15فى المائة من هذه الأنقاض مخاطر تلوث جسيمة، بما فى ذلك الأسبستوس والنفايات الصناعية والمعادن الثقيلة. وقع ما يقرب من ثلثى الدمار فى الأشهر الخمسة الأولى من الحرب، وتسارعت وتيرة الأضرار فى الفترة التى سبقت وقف إطلاق النار الحالى.