رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

محاكم الـ«سوشيال ميديا» رأى واجب النفاذ.. «الاغتيال الرقمى»


19-2-2026 | 18:52

.

طباعة
تقرير: وائل الطوخى

لم تعد قاعدة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» صالحة للاستخدام فى أعراف العالم الافتراضي، فإثبات الإدانة يحتاج إلى سيادة دولة القانون وإجراءات عادلة؛ حتى صار «تشريع الرأى الجمعي» يقود محاكم السوشيال ميديا بلا هوادة ولا حكمة، فسبقت الآراء الأحكام وغيّبت الأهواء صوت العقل محوِّلة المنصات الرقمية إلى محاكم افتراضية عرفية تقوم بـ«الاغتيال الرقمي» للسمعة والشخصية؛ لتحدد مصير الفرد كمواطن صالح أو فاقد الأهلية بناءً على موجة من التعليقات والمشاركات لا على قانون يقوم على أدلة موثقة أو محاكمة عادلة.

 
 

«الاغتيال الرقمي» هو واحد من أخطر تحديات العصر الرقمى خاصة مع تداخل اللجان الإلكترونية مع التوجهات الشعبوية، فوفقا لدراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الشهيرة تنتشر الأخبار الكاذبة بسرعة أكبر بـ 6 مرات من الأخبار الحقيقية على منصات مثل «X» (تويتر سابقاً) حيث تصل الشائعة لـ 1,500 شخص أسرع بـ 10 أضعاف مما تستغرقه الحقيقة للوصول لنفس العدد؛ لتشير الدراسة إلى أن عناصر مثل الاشمئزاز والغضب هما المحركان الأساسيان لمشاركة المحتوى وهو ما يعتمد عليه الاغتيال الرقمي.

كما تسبب سيكولوجية الحشد (الرأى الجمعي) فى إفساد الحقائق المعلوماتية حسب ظاهرة «النباح الرقمي» حيث تشير تقارير أمنية إلى أن واحداً فى المائة فقط من الحسابات النشطة قادرة على توجيه مسار التريند من خلال الهجوم المنظم، مما يوهم البقية بأن هذا هو رأى الأغلبية فضلا عن ظاهرة علم الاجتماع الانصياع الاجتماعى، ففى أغلب التجارب الرقمية تؤدى التعليقات السلبية الـ 3 الأولى على أى منشور إلى الزيادة من احتمالية تحول بقية التعليقات للسلبية بنسبة 50 فى المائة بغض النظر عن محتوى المنشور.

يفسر علم الاجتماع «الاغتيال الرقمي» كوسيلة للحفاظ على الهيمنة أو تحديها، مستنداً إلى نظرية الهيكلة لأنتونى جيدنز، فى جانب الاستمرارية يُستخدم لتعزيز السيطرة من خلال التشهير غير الرسمى (مثل الابتزاز أو الوصم) خاصة فى الأنظمة الاستبدادية أو الديمقراطيات، حيث يُفوض التشهير إلى الجمهور لقمع المعارضة، أما فى جانب التغيير فهو يمثل مقاومة من خلال إعادة صياغة الرموز (مثل الميمات أو الاحتجاجات الرقمية) لتحدى الهيمنة الأيديولوجية، الأمر الذى يرتبط بـثقافة الاغتيال فى البيئات الرقمية؛ حيث تُعزز المنصات مثل (بلو سكاي) أيديولوجيات متطرفة، مما يجعل العنف السياسى أمراً طبيعياً.

كما توضح النظرية الرمزية التفاعلية لهربرت بلومر وجورج ميد، أن «الاغتيال الرقمي» كعملية مشتركة تشارك فيها عدة أطراف: المهاجمون الهدف، الإعلام، والجمهور ليس مجرد هجوم فردى بل بناء اجتماعى يعيد تشكيل الهويات والواقع الاجتماعى من خلال التواصل، فعلى سبيل المثال يتم ربط الهدف بمجموعات مُدانة أخلاقياً لإثارة الغضب العام، مما يعزز التمييز بين «نحن» و«هم».

كما يرى علم الاجتماع «الاغتيال الرقمي» كعلامة على تحول فى الحساسية الثقافية فهو يجسد الحشد الجمعى الرقمى؛ حيث يرتبط بالسلاح البيوبوليتيكى للأنظمة الحسابية من خلال تحويل المنصات الرقمية العنف إلى محتوى ثقافى، مما يعزز «نيكروبوليتيكس البيانات» (حكم الموت عبر البيانات) لكنها فى الوقت نفسه تفتح مجالاً للمقاومة والحوار السياسى الإبداعي.

وفى هذا السياق، أكد الدكتور مصطفى ثابت، عميد كلية الحاسبات والمعلومات بجامعة النهضة، أن ما يُعرف بـ«الاغتيال الرقمي» عبر مواقع التواصل الاجتماعى أصبح ظاهرة مقلقة تهدد تماسك المجتمع وتشوه إدراك الجمهور للحقائق، مشيرًا إلى أن بعض المستخدمين باتوا ينصبون أنفسهم «محاكم رقمية» تُصدر أحكامًا مسبقة دون انتظار نتائج التحقيقات أو أحكام القضاء.

وقال «ثابت»: الظاهرة تتمثل فى نشر الشائعات، وإعادة تدوير معلومات غير موثقة، واجتزاء التصريحات من سياقها، بل واستخدام تقنيات التزييف المعلوماتى العميق، بما يؤدى إلى توجيه الرأى العام نحو زاوية أحادية قد تكون بعيدة تمامًا عن الحقيقة، والتأثير المعلوماتى لهذه الممارسات خطير، إذ تسهم فى تشكيل وعى جمعى قائم على الانفعال لا على التحقق، كما أن الخوارزميات الرقمية تميل إلى تضخيم المحتوى المثير للجدل، ما يخلق حالة من الاستقطاب الحاد ويجعل «الترند» بديلاً عن المعلومة الدقيقة.

وأشار عميد كلية الحاسبات والمعلومات، إلى أن «مواجهة الظاهرة ممكنة، لكنها تتطلب تكاملًا بين التوعية المجتمعية والرقابة التقنية»، لافتًا إلى أهمية نشر ثقافة التحقق الرقمى وتعزيز مهارات التفكير النقدى لدى المستخدمين، خاصة فئة الشباب، إلى جانب تطوير أدوات تقنية لرصد المحتوى المفبرك والحسابات الوهمية».

كما شدد على أن «للدولة دورًا محوريًا فى الحد من هذه الممارسات عبر تحديث التشريعات الخاصة بجرائم تقنية المعلومات، وتفعيل آليات المساءلة القانونية ضد حملات التشهير المنظم، فضلًا عن دعم برامج التربية الإعلامية والرقمية داخل المؤسسات التعليمية».

وفيما يتعلق بدور وسائل الإعلام، أشار «ثابت» إلى أن بعض المنصات الصحفية والبرامج التليفزيونية باتت تتأثر بالإيقاع السريع لمواقع التواصل، ما يدفعها أحيانًا إلى ملاحقة «الترند» قبل اكتمال الصورة، مؤكدًا أن «الإعلام المهنى مطالب بالحفاظ على معايير التحقق والموضوعية، وعدم الانجراف وراء الرأى الجمعى أو استباق أحكام القضاء».

«ثابت»، شدد على أن حرية التعبير قيمة أساسية، لكنها لا تعنى إطلاق الاتهامات أو تداول معلومات غير مؤكدة، موضحًا أن «بناء مجتمع رقمى صحى يتطلب وعيًا جماعيًا يوازن بين الحق فى إبداء الرأى والمسئولية فى نقل الحقيقة».

من جانبه قال أكرم ألفي، الخبير المتخصص فى الدراسات السكانية، إن «التكنولوجيا ليست صانعة لظواهر الرأى كالحشد الجمعى وسيط يعكس طبيعة المجتمع، وانتشار الاغتيال الرقمى على منصات التواصل يحتاج لتعزيز التفاعل المجتمعى وتحقيق شمول الوعى الرقمي، كما أن المجتمع المصرى بنقاشاته الغنية والمختلفة بين الأعمار والفئات قادر على تحويل هذه التحديات إلى فرص للحوار البناء».

وأكد «ألفي»، أن «الاغتيال الرقمى كظاهرة تدمر السمعة والكرامة بضغطة زر ليست وليدة اليوم، بل هى امتداد لتاريخ طويل من الاغتيال المعنوى فى المجتمع المصرى، الذى شهد حملات تشويه منظمة ضد شخصيات عامة وعامة الناس على حد سواء»، لافتاً إلى أن فهم هذا التاريخ ضرورى لمواجهة التحديات الحالية خاصة أن الأداة تغيرت دون أن يتغير جوهر الظاهرة.

وأوضح أنه فى الماضي، كان الاغتيال المعنوى مقصورًا على القهوة، النوادي، أو الصحف، ويحدث داخل دوائر متفقة فى الرأى، أما اليوم، فوسائل التواصل الاجتماعى توسع النطاق، محوّلة النقاش إلى حشد جماعى يتجاوز الحدود الاجتماعية والطبقية. لافتاً إلى أن هذا التوسع له جوانب إيجابية؛ إذ يدفع نحو آراء متعددة، مما يقلل التطرف لدى الجمهور العام ويعزز الاعتدال، كما يتيح لأصوات من بيئات متنوعة مناقشة قضايا عامة مما يثرى الوعى المجتمعي.

وضرب «ألفى» مثالا بقضية «فتاة العتبة» فى بداية التسعينيات، فهى مثال صارخ على اغتيال معنوى لشخص عادي. والتى تعرضت لتحرش جماعى فى ميدان عام فى نهار رمضان، لكن الصحف المحافظة حوّلت الضحية إلى متهمة، متسائلة عن ملابسها وتصرفاتها، مما يعكس ثقافة اللوم الاجتماعى التى تسبق القانون.

وكشف أكرم الألفى أن جوهر حرية الرأى والتعبير هو حق المجتمع فى المساءلة والنقاش، لكنها لا تمنح بأى شكل من الأشكال تفويضاً قضائياً للجمهور، معتبراً أن النقاش حق من حقوق الجميع تداول القضايا العامة لكن فى النهاية الكلمة للقضاء فهو وحده الفيصل فى ذلك الأمر.

وأوضح أنه فى ظل تصاعد ظاهرة «الاغتيال الرقمي»، بات من الضرورى التفرقة بين ضجيج المنصات و«منطق الحقائق» لافتاً إلى أن ما نشهده اليوم ليس مجرد نقاشات عامة بل هو انقسام ديموجرافى وتقنى يستوجب التحليل قبل إطلاق الأحكام مشدداً على أن وسائل التواصل الاجتماعى ليست كتلة واحدة، ففيسبوك بات يمثل «ميدان الجيل الكلاسيكى (ما فوق سن الـ40)؛ حيث تعكس النقاشات اهتمامات وتوجهات جيل بعينه، ولا يمكن بحال من الأحوال تعميم قضاياه باعتبارها تعبيراً عن نبض الشباب.

وتابع: أنه فى المقابل تسيطر الأجيال الشابة (تحت سن الـ 30) على مساحات تيك توك إنستجرام ويوتيوب، وهى منصات تعتمد على الصورة واللحظية، مما يجعل وتيرة الحشد فيها أسرع وأكثر حدة لكنها تنفصل تماماً عن سياقات فيسبوك، مضيفاً أن الخلط بين هذه العوالم يؤدى إلى تكوين صورة ذهنية غير واضحة الملامح عن الرأى العام الحقيقي.

كما ذكر «الألفى» أن السوشيال ميديا تفتح الباب أمام تدفق آراء متنوعة ومختلفة من طبقات وأجيال وبيئات اجتماعية وثقافية ومادية متعددة، مما يولد جدلًا أوسع وأكثر تعقيدًا، ويفرض على الجميع مواجهة وجهات نظر مخالفة عكس الماضى، عندما كان الحوار يدور داخل حدود القرية أو الأسرة الممتدة أو السوق أو دور العبادة؛ حيث يغلب التوافق فى الآراء والقيم، وبالتالى كانت الأحكام المطلقة أكثر شيوعًا والتطرف أكثر استقرارًا داخل هذه الدوائر المغلقة.  

وقال إن «هذا التطور يحمل جانبًا إيجابيًا واضحًا؛ حيث يقلل من حدة التطرف لدى الجمهور العام، لأن التعرض المستمر للآراء المتنوعة يدفع نحو الاعتدال والتفكير النقدى ويبنى وعيًا أكبر بتعقيدات المجتمع»، مؤكداً فى الوقت نفسه أنه «يجعل النقاش بين أصحاب الآراء الثابتة أكثر حدة ومواجهة، لأن المنصات تكافئ الصوت العالي والاستفزاز والانفعال، مما يعزز الاستقطاب بين النشطاء والمؤثرين».

وأشار «ألفي» إلى فشل بعض الشخصيات العامة فى بناء جمهور واسع لأنها اكتفت بخطاب يرضى «فقاعتها» الخاصة فقط، بينما نجحت أخرى لأنها اعتمدت أسلوب المواجهة المباشرة والجريئة مستفيدة من آليات الخوارزميات التى تفضل التفاعل العاطفى الشديد موضحاً أن هذا الدفع نحو «الصوت العالي» يمثل تحديًا، لكنه أيضًا فرصة لتحويل النقاش من مجرد صراخ إلى حوار حقيقى يثرى المجتمع.

من جهته، كشف أحمد على البنداري، الاستشارى المتخصص فى المنصات الرقمية، أن الخوارزميات الذكية أصبحت محركًا رئيسيًا لانتشار «الحشد الجمعي» بما يعزز ظاهرة «الاغتيال الرقمي» وهو تدمير السمعة عبر الإنترنت من خلال حملات جماعية غير مدروسة، مشيراً إلى أن هذه الخوارزميات المصممة لزيادة التفاعل تعتمد على عوامل مثل الإعجابات والمشاركات والتعليقات لتدفع المحتوى العاطفى الشديد إلى مقدمة الخلاصات؛ حيث تكشف دراسات حديثة أن ذلك يؤدى إلى تضخيم الشائعات والمعلومات المضللة، مما يحول المنصات إلى أدوات للعنف الرقمي.

وأشار «البنداري»، إلى أن الخوارزميات تعمل من خلال «فقاعات الصدى»؛ حيث تقترح محتوى يعزز الآراء الموجودة، مما يجمع الأفراد ذوى التفكير المشابه فى حملات جماعية، على سبيل المثال فى بنجلاديش أدت خوارزميات فيسبوك إلى تصعيد منشورات غير مدققة إلى عنف حقيقى؛ حيث يتم تضخيم الاتهامات الدينية أو السياسية لتحفيز الغوغاء الرقمى، مما يؤدى إلى «محاكم إعلامية» افتراضية تسبق القانون، كما أنها تستفيد من الآليات النفسية مثل التعزيز الجماعى؛ حيث يشعر المشاركون بقوة الجماعة؛ مما يقلل من التحقق الذاتى ويزيد من الانتشار الفيروسي.

وأضاف «البنداري» أن تلك الخوارزميات تسرع من تدمير السمعة؛ حيث يمكن لمنشور واحد أن يصل إلى ملايين فى ساعات، مما يؤدى إلى خسائر مهنية أو نفسية دائمة للضحايا، موضحاً أنه مع ذلك يمكن للمنصات التخفيف من ذلك عبر تعزيز التحقق من الحقائق أو تعديل الخوارزميات لتفضيل المحتوى المدقق؛ حيث تكشف هذه الديناميكيات عن توازن هش بين حرية التعبير والمسئولية الرقمية، مطالباً بتشريعات تنظيمية لمنع تحول التواصل إلى أداة للاغتيال الجماعي.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة