رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

6 ملايين زائر عاشوا تجربة ثقافية متكاملة.. النجاح الكبير لمعرض القاهرة للكتاب


4-2-2026 | 15:44

.

طباعة
تقرير: أشرف التعلبى

مرت أيام معرض القاهرة الدولى للكتاب سريعًا، وهى أيام عظيمة تعيشها القاهرة كل عام، فالمعرض لم يكن يومًا مجرد مساحة لبيع الكتب، بل مهرجانًا ثقافيًا كبيرًا تلتقى فيه الأفكار قبل عناوين الكتب، لتصبح القاهرة منارة يشع نورها فى أرجاء العالم كله.

 
 

وتأتى أهمية معرض القاهرة الدولى للكتاب من مكانته الدولية الراسخة، إذ يعد ثانى أهم معرض للكتاب عالميًا بعد معرض فرانكفورت، والأكبر عربيًا من حيث المساحة وعدد الزوار وعدد الناشرين، والأقدم تاريخيًا منذ انطلاقه عام 1946 تحت اسم «أسبوع الكتاب»، فضلاً عن كونه الأطول زمنيًا من حيث مدة الانعقاد.

شهدت الدورة الأخيرة الـ57 -التى انتهت مساء الثلاثاء الماضى والمجلة ماثلة للطبع- مشاركة قياسية، حيث شاركت 1457 دار نشر من 83 دولة، بإجمالى 6637 عارضًا، فى مشهد يعكس الثقة العالمية فى مكانة القاهرة كعاصمة للثقافة والنشر فى المنطقة.

وقد تجاوز عدد زوار المعرض حاجز الستة ملايين زائر، ليحقق الرقم الأعلى فى تاريخه، ورغم بعد الموقع نسبيًا عن قلب العاصمة بمنطقة التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، فإن ذلك لم يمنع الأسر والشباب من التوافد بكثافة على هذا «العرس الثقافى» السنوى.

وتعليقًا على عدد زوار المعرض قال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن هذا الإقبال الكبير يعكس حرص الجمهور من مختلف الفئات العمرية على المشاركة فى الفعاليات الثقافية والمعرفية المتنوعة التى يقدمها المعرض، وما يضمه من أنشطة فكرية وأدبية، ولقاءات مع المفكرين والمبدعين، إلى جانب آلاف العناوين فى مختلف مجالات المعرفة.

كما يؤكد هذا النجاح ثقة الجمهور فى دور المعرض كمنصة رئيسية لدعم صناعة النشر، وتشجيع القراءة، ونشر الوعى الثقافى، وتعزيز الحوار الفكرى، بما يسهم فى ترسيخ مكانة مصر الثقافية على المستويين الإقليمى والدولى.

لم يقتصر الزخم على أجنحة العرض فقط، بل امتد إلى البرنامج الثقافى والفكرى الذى ضم نحو 400 فعالية ثقافية، وأكثر من 100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة عشرات من الضيوف العرب والأجانب.

بينما شهد المعرض حضور أسماء أدبية وفكرية بارزة مثل إبراهيم نصر الله، واسينى الأعرج، وأنعام كجه جي، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والناشرين الدوليين، من بينهم رئيسة الاتحاد الدولى للناشرين والأمين العام للاتحاد.

كما أطلقت وزارة الثقافة مبادرة «مكتبة لكل بيت»، التى تهدف إلى إعادة الكتاب إلى قلب البيوت المصرية، عبر حزمة تضم 20 كتابًا مختارًا من إصدارات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة أديبنا الكبير نجيب محفوظ» التى تشمل 15 عملاً من أبرز إنتاجه الأدبى، دعمًا للقراءة وإتاحة المعرفة بأسعار ميسرة لم تتجاوز مائة جنيه.

وفى إطار الاحتفاء بتراث مصر غير المادى، شهد المعرض لأول مرة إقامة مخيم «أهلنا وناسنا»، الذى قدم ملامح من التراث الثقافى لمختلف المحافظات، إلى جانب الصالون الثقافى، وجناح الطفل.

ورغم شيوع مقولة إن الجيل الجديد لا يقرأ، جاء حضور الشباب ليكذب هذه الفكرة عمليًا، إذ شكلوا النسبة الأكبر من زوار المعرض، وهو ما يبشر بجيل قادر على التمييز بين المعرفة والمعلومات المغلوطة، خاصة فى ظل اختيار العالمى نجيب محفوظ شخصية للمعرض، بجانب محيى الدين اللباد شخصية معرض الطفل.

وفى جناح الطفل كان الزخم لافتًا، حيث حرصت الأسر على اصطحاب أطفالها باعتباره فرصة للتنشئة الثقافية وغرس حب القراءة منذ الصغر، وتنوعت الأنشطة بين ورش الحكى والرسم والأنشطة التفاعلية، إلى جانب عروض مسرح العرائس والأراجوز والسيرك، وحفلات توقيع للمبدعين الصغار، وتكريم رموز أدب الطفل.

كل هذه المشاهد تؤكد أن معرض القاهرة الدولى للكتاب لا يمكن اعتباره مجرد حدث سنوى عابر، بل عيد ثقافى ينتظره المصريين والعرب، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد من دور النشر العربية والأجنبية للمشاركة فيه، ثقة فى حسن التنظيم وحجم الجمهور.

الدكتورة صفاءالنجار، روائية وصاحبة دار نشر «أطياف» التى تشارك لأول مرة فى المعرض كناشرة بعد سنوات طويلة من الإبداع الأدبى، تقول إن ما يميز هذه الدورة من المعرض أنه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة لم يعد مجرد سوق لبيع وشراء الكتب، بل تحول إلى مساحة حقيقية لتبادل حقوق الملكية الفكرية وحقوق الترجمة بين الناشرين والمترجمين والكتاب من مختلف دول العالم، هذه هى الروح التى تميز المعارض الدولية الكبرى، حيث تقاس القيمة بعدد اللقاءات الثقافية والاتفاقات الفكرية لا بعدد الكتب المبيعة فقط.

فمن خلال برنامج “Cairo Calling” الذى أعيد إحياؤه هذا العام، أتيحت لنا كناشرين فرصة الجلوس مع وكلاء وناشرين أجانب فى منصة مخصصة، شارك فى هذه اللقاءات نحو خمسين ناشرًا، وتمكنا من حجز مواعيد مباشرة مع ممثلين عن دور نشر ووكالات أدبية من إيطاليا ورومانيا وتركيا وماليزيا وغيرها.

كنت أقدم لهم كتالوج دار النشر وأستعرض الأعمال العربية التى نملك حقوقها، إلى جانب تجاربى السابقة فى ترجمة كتب إلى لغات أخرى أو نشر أعمال لكتاب عالميين باللغة العربية، وفى الوقت نفسه، استفدت كمؤلفة بعرض أعمالى الخاصة ككاتبة، وهو ما خلق اهتمامًا حقيقيًا بمدى تنوع المحتوى العربى وإمكانية وصوله إلى القارئ الأجنبى، وأؤكد هنا أن إتقان اللغة الإنجليزية أصبح شرطًا أساسيًا لأى ناشر يريد أن يدخل هذا المجال الدولى.

أما عن رقم الستة ملايين زائر، فهو بالنسبة لى دليل مباشر على حيوية المجتمع المصرى وقوة علاقته بالثقافة، أيًا كان هدف الزيارة، لا تكاد أسرة تدخل المعرض مع أطفالها وتخرج دون كتاب فى اليد، هذا المشهد فى حد ذاته يربط الأجيال الجديدة بقيمة معرض الكتاب، واعتبار الكتاب جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.

وتوضح الدكتورة صفاء أنه رغم الظروف الاقتصادية وارتفاع تكلفة النشر، لعبت الهيئات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة دورًا مهمًا فى إتاحة الكتاب بأسعار زهيدة، مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب، والمركز القومى للترجمة، وهيئة قصور الثقافة، ما جعل المعرفة فى متناول شرائح واسعة من المجتمع.

لكن سؤالها الدائم كمثقفة وناشرة وكاتبة ليس فقط هل يقرأ المصريون؟ بل ماذا يقرأ المصريون؟ فمن خلال وجودها اليومى فى المعرض، لاحظت أن القوة الشرائية الأكبر تعود لفئة الشباب تحت سن العشرين، وتوجههم الغالب يميل إلى روايات الرعب والخيال أكثر من الكتب العلمية أو التاريخية أو السير الذاتية، وهذا بالنسبة لها ناقوس خطر ثقافى، لأن العالم الحقيقى يحتاج إلى وعى ومعرفة بالشخصيات المؤثرة والتاريخ، لا الاكتفاء بعوالم افتراضية مليئة بالعنف والدماء.

الدكتورة صفاء النجار لا ترفض الخيال أو المغامرة، وتقول: نحن تربينا على «المكتبة الخضراء» و»المغامرون الخمسة» و»رجل المستحيل»، و»الشياطين الـ13» لكن الفارق أن تلك الأعمال كانت قريبة من الواقع، تحفز التفكير وتقدم قيمًا اجتماعية، بينما كثير مما يقدم اليوم للأطفال والمراهقين يدفعهم إلى تقبل العنف كأمر طبيعى.

وفى النهاية، ترى الدكتورة صفاء أن معرض القاهرة الدولى للكتاب هو أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، كثير من المثقفين والناشرين العرب يضبطون إجازاتهم السنوية على موعده، وكذلك المصريون المقيمون فى الخارج من كتاب ومترجمين يحرصون على الحضور والمشاركة، لأن المعرض لم يعد حدثًا محليًا، بل منارة ثقافية عربية ودولية تعكس صورة مصر أمام العالم.

بينما وصف الروائى الكبير إبراهيم عبدالمجيد معرض القاهرة الدولى للكتاب هذا العام بأنه أفضل معرض فى العشر سنوات الماضية، مشيرًا إلى أن قوة المعرض تكمن فى ندواته الغنية والمتنوعة، وأوضح أن بعض الندوات لم تحظ بجمهور كبير، بينما شهدت ندوات أخرى حضورًا كثيفًا للغاية، ما يعكس تنوع اهتمامات الزوار وحرصهم على المشاركة فى الفعاليات الثقافية المختلفة.

وأكد «عبدالمجيد» أن الإقبال الكبير على المعرض ليس أمرًا عابرًا، بل هو نتيجة تطور ملموس فى تلقى الثقافة لدى المصريين، معربًا عن أمله فى أن يستمر هذا التوجه الثقافى، وأضاف أن الزائرين لا يأتون جميعهم بغرض التنزه فقط، فالأغلبية الحقيقية تأتى بحثًا عن الكتب، مع اختلاف عدد الكتب التى يشتريها كل زائر، فمنهم مَن يقتصر على كتاب واحد، وآخر على كتابين أو ثلاثة، حسب احتياجاته ورغباته.

وأشار «عبدالمجيد» إلى أن دعوة عدد أكبر من الكتاب العرب هذا العام أضافت قيمة خاصة للمعرض، حيث كانت هذه الدعوات محدودة فى السنوات السابقة، ما يجعل المعرض فرصة جيدة للحوار الثقافى بين مصر والدول العربية الأخرى، وتؤكد دور مصر كمركز ثقافى عربى مهم.

وحول دور المعرض كأداة للقوى الناعمة لمصر، أكد أن المعرض جزء من تاريخ طويل، يعود إلى أول معرض للكتاب فى مصر عام 1969، بعد تجربة سابقة باسم «أسبوع الكتاب» فى عام 1946، ليصبح المعرض منذ ذلك الحين حدثًا سنويًا بارزًا يجمع القراء والكتاب والمثقفين.

وعن حضور الشباب، أشار عبدالمجيد إلى أن غالبية زوار المعرض من الشباب، وهو ما يعد مؤشرًا إيجابيًا على استمرار حب القراءة بين الأجيال الجديدة، واعتبر أن اختلاف اهتمامات الشباب بالأنواع الأدبية المختلفة، سواء روايات بوليسية أو روايات خيال علمى، أمر طبيعى ولا يمثل عيبًا، موضحًا أن جمهور الروايات الأدبية الرصينة قد يكون أقل عدديًا، لكنه متواصل ومستمر، وأضاف أن هذا الحضور الشبابى الكبير يؤكد أن الأجيال الجديدة تحافظ على حبها للقراءة والثقافة، وهو ما يعزز من أهمية المعرض ودوره فى نشر المعرفة وبناء مجتمع مثقف.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة