رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

القاهرة وأنقرة.. «دبلوماسية الشراكة»


4-2-2026 | 15:08

الرئيس عبدالفتاح السيسى مع نظيره الرئيس التركى رجب طيب أردوغان

طباعة
تقرير : أحمد جمعة

فى توقيت إقليمى بالغ الحساسية، يستقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى، اليوم الأربعاء، نظيره الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فى زيارة تعكس التطور المتسارع الذى شهدته العلاقات المصرية - التركية خلال الفترة الماضية، وتفتح صفحة جديدة من التنسيق السياسى والاقتصادى بين البلدين.

 

وتأتى القمة «المصرية - التركية» فى إطار مساعٍ مشتركة لتعزيز التعاون الثنائى، وبحث القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فى ظل تصاعد الأزمات بالمنطقة والحاجة إلى تنسيق أكثر فاعلية بين القوى الإقليمية المؤثرة، خاصة وسط التصعيد الراهن تجاه إيران، والمضى قدمًا فى المرحلة الثانية من اتفاق وقف حرب غزة، وتصاعد الأزمات بالجوار، وعلى رأسها الأزمة السودانية.

وتكتسب زيارة «أردوغان» إلى القاهرة، وهى الثالثة له إلى مصر خلال أشهر قليلة، أهمية خاصة، كونها تأتى امتدادًا لمسار متصاعد من الزيارات المتبادلة بين قيادتى البلدين، بدءًا بزيارة أردوغان إلى القاهرة فى فبراير 2024، مرورًا بالمشاركة فى توقيع اتفاق شرم الشيخ، وصولاً إلى زيارة الرئيس السيسى لأنقرة فى سبتمبر من العام ذاته، والتى شهدت ترؤس أول اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم، فى مؤشر واضح على انتقال العلاقات «المصرية - التركية» من مرحلة إعادة التواصل إلى مرحلة بناء الشراكة.

ووفق دبلوماسيين ومحللين، يبحث الرئيس السيسى مع نظيره التركى ملفات التعاون فى مجالات متعددة، إلى جانب التطورات الإقليمية، وفى مقدمتها التصعيد الراهن بالمنطقة فيما يخص إيران، والأوضاع فى قطاع غزة، وأمن شرق المتوسط، فيما تشهد الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية، وعقد منتدى الأعمال المصرى - التركى، بما يعكس توجهًا رسميًا نحو ترجمة التقارب السياسى إلى شراكات اقتصادية واستثمارية ملموسة.

وفى هذا السياق، قال السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الخارجية: إن «زيارة الرئيس التركى إلى مصر ولقاءه مع الرئيس عبدالفتاح السيسى تحمل دلالات مهمة فى هذا التوقيت، فى ظل تعدد وتشابك الملفات الإقليمية والدولية، فتركيا تُعد دولة إقليمية ذات وزن وتأثير مباشر على مجريات الأمور، سواء فى منطقة الشرق الأوسط، أو فى القارة الإفريقية».

وأوضح «حليمة» أن «هذه الزيارة تأتى فى إطار علاقات مصرية - تركية تشهد تناميًا وتعاظمًا إيجابيًا مقارنة بما كانت عليه فى السابق، مشددا على أن القضية الفلسطينية تأتى على رأس الملفات المطروحة على جدول المباحثات، فى ضوء تطورات المرحلة الثانية من خطة ترامب وارتباطها بمجلس السلام، كما أن الموقف التركى الداعم للقضية الفلسطينية يكاد يتماثل مع الموقف المصرى وتوجهاته، خاصة أن مصر وتركيا عضوان فى مجلس السلام، وهو ما يعزز فرص التنسيق المشترك بين البلدين فى هذا الملف».

وتابع: الملف الثانى الذى سيكون على جدول المباحثات هو «الملف السورى»، فى ظل التطورات الجارية على الساحة السورية، فلتركيا دور محورى فيما يجرى فى سوريا، سواء على صعيد الحفاظ على وحدة الدولة السورية وسلامتها الإقليمية، أو فى ما يتعلق بمكافحة التنظيمات الإرهابية الموجودة هناك، كما أن الممارسات الإسرائيلية، التى تتجاوز القوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية، وانتهاكاتها المتكررة للأراضى السورية، ستكون محل بحث فى هذا السياق.

وتطرق السفير صلاح حليمة إلى تطورات الأوضاع فى منطقة البحر الأحمر، معتبرًا أنها تمثل ملفًا ثالثًا بالغ الأهمية، لا سيما ما يتعلق بالأوضاع فى الصومال، ومحاولات إسرائيل التواجد فى أرض الصومال والاعتراف بها، بما قد يفضى إلى نوع من التواجد العسكرى الإسرائيلى هناك، وهذا التواجد غير مرحب به ومدان، خاصة فى ظل الوجود الإسرائيلى بالفعل فى شمال البحر الأحمر، وسعيه للتواجد فى جنوبه، بما يمثل محاولة لفرض نوع من الهيمنة والسيطرة على هذا الممر الحيوى.

وأوضح أن «هذا التوجه الإسرائيلى مرفوض من جانب المجتمع الدولى، وبصفة خاصة، من دول مثل مصر وتركيا وإيران، إلى جانب الدول العربية والإفريقية، التى ترفض السعى الإسرائيلى لفرض وجود عسكرى فى منطقة البحر الأحمر، وكذلك محاولات إثيوبيا التواجد فى أرض الصومال، عبر ترتيبات اعتراف متبادل»، مؤكدًا أن «هذا الاعتراف يهدد وحدة الصومال وسلامته الإقليمية، ويُعد تدخلًا مباشرًا فى شئونه الداخلية».

وشدد «حليمة» على أن «الموقف المصرى الداعم لوحدة الصومال وأمنه واستقراره يتماثل مع الموقف التركى، مع وجود تواجد عسكرى واتفاقيات دفاع مشترك لكل من مصر وتركيا مع الصومال، وأن التطورات المرتبطة بالتحركات الإسرائيلية أو الإثيوبية فى هذا الملف تمس بشكل مباشر الأمن القومى المصرى، والأمن القومى العربى، والأمن القومى الإفريقى».

وحول الملف السودانى، قال السفير صلاح حليمة: تطورات الأزمة فى السودان ستكون حاضرة أيضًا فى المباحثات، فالموقفان المصرى والتركى يدعمان مجلس السيادة برئاسة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، باعتباره الجهة المعترف بها إقليميًا ودوليًا، فى مواجهة قوات الدعم السريع أو ما يُعرف بـ«مجموعة تأسيس»، التى تسعى إلى الانفصال وإنشاء حكومة موازية، بل ومحاولة التوجه نحو إقامة دولة علمانية، وهو ما يهدد وحدة السودان وسلامته الإقليمية، مع التأكيد على رفض مصر التام لأى كيان أو حكومة موازية فى السودان، والموقف التركى يتطابق مع هذا التوجه، من حيث ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامته الإقليمية، وصون مقدرات الشعب السودانى.

وعن «التصعيد فى إيران»، قال «حليمة»: إن «هذا الملف سيكون حاضرًا بالتأكيد، فلمصر وتركيا دور بارز خلال الأيام الماضية فى الدفع نحو خفض التصعيد وهناك توجه مشترك لدى البلدين يقوم على ضرورة تغليب المسار التفاوضى باعتباره السبيل الأساسى للوصول إلى التهدئة، وتجنب أى صدام عسكرى محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالى يظل خيار الحوار هو الإطار الأمثل لمعالجة هذا الملف شديد الحساسية».

وفيما يتعلق بتزامن زيارة أردوغان إلى مصر بعد زيارته إلى السعودية، رأى مساعد وزير الخارجية الأسبق أن «ذلك يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق بين الدول الثلاث»، لافتًا إلى وجود توافق واضح فى عدد من القضايا الإقليمية المهمة، من بينها الأوضاع فى الصومال والسودان، والقضية الفلسطينية، إلى جانب تطورات الملف الإيرانى وغيرها من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وأضاف أن «هذا التوافق يبدو أقرب إلى إطار من التنسيق والتشاور على أعلى المستويات السياسية، فى ظل تقارب الرؤى بين القاهرة وأنقرة والرياض بشأن كيفية التعامل مع التحديات الإقليمية الراهنة، وهناك رؤية مشتركة تجمع الدول الثلاث حول سبل معالجة هذه الملفات بما يحقق الاستقرار ويحد من التصعيد فى المنطقة»، مشددًا على وجود نقاط تلاقٍ عديدة بين مصر وتركيا فى ما يتعلق بالقضايا الإقليمية المطروحة، إلى جانب محور العلاقات الثنائية، الذى يحظى باهتمام خاص، لا سيما فى ما يتعلق بتطوير وتنمية الاستثمارات التركية فى مصر، والتعاون فى المجالات الاقتصادية والاستثمارية، خاصة فى منطقة قناة السويس، مع إمكانية التنسيق بشأن قضايا شرق المتوسط، فى ظل وجود تقاطعات فى المواقف مع كل من قبرص واليونان وتركيا، وهو ما يرتبط أيضًا بتطورات القضية الليبية، والدور الذى يمكن أن تلعبه القاهرة وأنقرة معًا لدعم الأمن والاستقرار والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية.

دلالة توقيت زيارة أردوغان

بدوره، قال المحلل السياسى التركى، يوسف كاتب أوغلو: إن «زيارة أردوغان إلى مصر بعد السعودية تحمل أهمية قصوى، فتركيا تنظر إلى كل من مصر والسعودية باعتبارهما دولتين تتمتعان بثقل استراتيجى كبير ومكانة محورية فى المنطقة، ومن ثم فهذه الزيارة تأتى فى إطار حرص أنقرة على تعزيز الاستقرار الإقليمى، خاصة فى ظل التسارعات الكبيرة والتغيرات الجيوسياسية المتلاحقة التى تشهدها المنطقة، فالشرق الأوسط بات يقف على صفيح ساخن فى ظل تصاعد التهديدات الإقليمية، وهو ما يجعل من تعزيز الشراكات الاستراتيجية بين تركيا ودول محورية مثل مصر والسعودية أولوية متقدمة على أجندة أردوغان».

«أوغلو» أشار إلى أن «هناك عددًا من الملفات المهمة التى ستتصدر جدول المباحثات، وفى مقدمتها ملف غزة، الذى يحظى بأولوية خاصة، فكلٌّ من مصر والسعودية تُعدان لاعبين أساسيين فى وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، وإلى جوار ذلك ستكون تطورات الأوضاع فى سوريا أيضًا ضمن القضايا المطروحة، فى ظل الدور المحورى الذى تلعبه تركيا فى دعم الأمن والاستقرار الإقليمي»، مشددًا على وجود تطابق فى الآليات والرؤى بين أنقرة والقاهرة، ومصر تُعد داعمًا مهمًا للسياسة الخارجية التركية فى المنطقة.

وفيما يتعلق بالعلاقات الثنائية بين أنقرة والقاهرة، أكد «أوغلو» أن «البعد الاقتصادى يمثل أحد أهم محاور هذه الزيارة، إلى جانب الملفات الإقليمية، فتركيا تولى أهمية كبيرة لتعزيز الاستثمارات الاقتصادية، ورفع حجم التبادل التجارى، ودعم وتذليل العقبات التى تعترض العلاقات الاقتصادية الثنائية بين البلدين، باعتبار ذلك من بين الأولويات الرئيسية التركية، بالنظر لكون مصر بوابة أساسية للقارة الإفريقية وشريكًا استراتيجيًا مهمًا لتركيا»، مشيرًا إلى وجود استثمارات تركية كبيرة فى السوق المصرية، لا سيما فى قطاع النسيج، إلى جانب قطاعات اقتصادية أخرى متنوعة.

وأوضح المحلل السياسى التركى أن «تركيا تمثل بدورها حليفًا مهمًا لمصر، خاصة فى مجالات الصناعات الدفاعية، وقطاع الطاقة، والطاقة البديلة، فضلًا عن التعاون الثنائى والاستراتيجى على مستوى المنطقة، والأشهر الماضية شهدت أيضًا تعاونًا عسكريًا بين البلدين، تمثل فى إجراء مناورات بحرية مشتركة فى شرق البحر المتوسط»، مؤكدًا أن «مواجهة التحديات الإقليمية تتطلب توافقًا فى الرؤى بين القاهرة وأنقرة، وأن العمل على تعزيز هذا التوافق للوصول إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية بات مطلبًا مشتركًا فى ظل التهديدات القائمة».

كما شدد على أن «هذه الزيارة من شأنها أن تسهم فى دعم الاستقرار الإقليمى، وأن تترتب عليها انعكاسات مهمة فى سياق التوازنات الإقليمية الراهنة، فالمنطقة تشهد حاليًا مرحلة تقوم على التحالفات، فى ظل وجود تحالفات تهدد أمن المنطقة، وانضمام كل من تركيا ومصر إلى هذا المسار من التنسيق من شأنه تعزيز الأمن الإقليمى ومواجهة التحديات الناشئة عن التحالفات المقابلة».

«أوغلو» لفت إلى أن تركيا ومصر دولتان متشاطئتان فى شرق البحر المتوسط، وملفات ترسيم الحدود البحرية، واستخراج الثروات النفطية والغازية، والتنقيب والتعاون المشترك فى هذا المجال، تمثل أهمية كبيرة للطرفين، وهذه القضايا ستكون ضمن الاعتبارات الأساسية التى تضفى على الزيارة وزنًا استراتيجيًا مضاعفًا.

وشدد على أن الزيارة تأتى فى توقيت بالغ الصعوبة فى ظل تحديات إقليمية كبرى، والعلاقات المتنامية بين تركيا ومصر تقوم على مبدأ «الكل رابح» وترتكز على الاحترام المتبادل وتحقيق المنافع المشتركة.

وأضاف أن «تركيا تولى كذلك أهمية كبيرة لعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية، فى إطار دعم الاستقرار الإقليمى»، مشيرًا إلى أن السعودية تمثل ثقلًا استراتيجيًا مهمًا كونها من أكبر الدول المنتجة للنفط فى المنطقة، فضلًا عن موقعها الاستراتيجى باعتبارها بوابة أساسية لآسيا، وهناك توافق فى الرؤى بين مصر والسعودية بشأن عدد من الملفات الإقليمية العالقة، فضلًا عن المشاطأة الجغرافية بين البلدين، والحديث عن تحالف أمنى استراتيجى يضم تركيا ومصر والسعودية قد يبرز على الساحة خلال المرحلة المقبلة، لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية فى المنطقة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة