رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صناعة الكوادر.. إرادة دولة

4-2-2026 | 16:02
طباعة

التأهيل الشامل، والإعداد المتكامل، والتدريب الوافى منهج راسخ، ونظام دقيق تبنّته الجمهورية الجديدة فى تجهيز كفاءات الحاضر، وتهيئة كوادر المستقبل، للتغلب على مأزق نقص المهارات، وضعف القدرات، وقلة الخبرات لدى غالبية مسؤولى الصف الثانى فى معظم الجهات الحكومية والمؤسسات الرسمية قبل عام 2014، بسبب سيطرة المحسوبية والمجاملات على المشهد تارة، ونتيجة الفساد الإدارى تارة أخرى، مع انتشار حالة الإحباط بين الشباب، فلم يعد الكثيرون يهتمون بالتدريب الجيد أو صقل مهاراتهم فى مجال تخصصهم وشهاداتهم الجامعية. فلا مانع من العمل فى أى مجال، ولا تحفظ على الالتحاق بأى وظيفة، فالشهادات تُعلّق على الحوائط بينما فرص العمل لها سكة أخرى. وبمرور الوقت، وتعاقب السنوات، انهارت القدرات، وتراجعت التخصصات، وندرت الجدارات، وما أخطرها من مشكلة، وما أصعبها من أزمة على كيان الدولة ومصلحة الوطن.

 
 
 

يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى أنه تنبّه إلى خطورة هذه المأساة وتلك الكارثة، والأهم أنه رغم التحديات الكبيرة التى واجهت الدولة، والمهددات الضخمة على كيانها من مخططات أهل الشر لإسقاط مؤسسات الدولة ونشر الفوضى، وصولًا إلى مؤامرات الدول والقوى الحاقدة على تجربة التنمية الشاملة والتدبير بليل لوأدها فى مهدها، إلا أن الرئيس لم ينشغل عن مهمة إعداد صناع الحاضر وكوادر المستقبل. انطلق فى المسارين معًا؛ يحارب الإرهاب وحلفاءه فى الداخل والخارج بعزيمة لا تلين وإرادة لا تنكسر، وفى ذات الوقت يؤسس للجمهورية الجديدة بملحمة البناء متواصل المراحل فى كل الملفات، متتابع المحطات فى جميع المجالات، مع الاهتمام الشديد بصناعة جيل جديد متمكن وقادر على قيادة سفينة الوطن فى القطاعات كافة، مسلح بالعلم، ومحصّن بالمهارة، ومزوّد بآليات العصر، مع دراية بمحددات الأمن القومى المصرى.

ورويًدا رويًدا، أدرك شباب مصر أن الفرصة أصبحت سانحة، واقتنعوا أن الدولة جادة فى فتح الطريق أمامهم ليثبتوا أنفسهم، ويؤكدوا مكانتهم بلغة الأفعال لا الأقوال، والتدريب المحكم وليس الشعارات الرنانة. وهذا ما جعلهم يتدفقون فرادى وجماعات على برامج التأهيل، وكانت ضربة البداية فى هذا المسار الاحترافى هى البرنامج الرئاسى الذى بدأ فى 2016 من أجل تأهيل الشباب للقيادة وصناعة كوادر جديدة تمتلك قدرات مواجهة التحديات فى تخصصات عدة، وتستطيع أن تروّض الصعوبات فى قطاعات شتى وفقًا لآليات العصر الحديث، بأساليب الإدارة الحديثة والعلم والتكنولوجيا، مع إدراكها لمحددات الأمن القومى المصرى، من تأمين الحدود إلى السياسة الخارجية، ومن الصحة إلى التعليم، ومن الصناعة إلى الزراعة، ومن الإدارة المحلية إلى الإسكان، وغيرها من الملفات. ليكون هؤلاء الخريجون نواة الإصلاح وأساس التغيير فى الجهاز الإدارى للدولة بالقطاعات كافة، لعلاج حالة الترهل، ومداواة عيوب البيروقراطية، وضخ أفكار إبداعية، وتقديم حلول ابتكارية للأزمات المزمنة والمشكلات المتوارثة، برفق ولين مع الشدة وقت اللزوم، بما يتناسب مع خطة التنمية الشاملة التى انطلقت فى 2014 لتغيير شكل مصر، وتمهيدًا لإعلان الجمهورية الجديدة. فليس هناك عشوائية أو تخبط، ولا مجال للمفاجآت، بل الأمر معلوم من أول المشوار، والاتجاه معروف من بداية الرحلة، ولهذا لا مبرر لأى جهة تحاول إيقاف تلك المسيرة الوطنية. أما عن أباطيل أهل الشر ولجانهم الإلكترونية وهجماتهم السيبرانية على الدورات التدريبية فى الأكاديمية العسكرية المصرية فلا وزن لها، وباطل ما يصنعون، فالتشويش عندهم أصبح عادة خبيثة، والتشويه لديهم تحوّل إلى تقليد أعمى، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.

ولتوضيح الصورة الكاملة، والتذكير بمحطات قطار تأهيل الشباب حتى يكون الجميع على بيّنة من الأمر، وبعيدًا عن أية انطباعات شخصية أو تحفظات جهوية، وسعيًا إلى التحرر من كل الأهواء والتخلى عن جميع الانحيازات التى تتصادم مع الصالح العام، نحتاج أن نعود بالذاكرة إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 2011، فقد خرج الشباب من مستويات شتى ومحافظات عدة مطالبًا بالتغيير وإصلاح الأوضاع المتردية فى قطاعات مختلفة، لكنه فقد السيطرة على زمام الأمور بعد تنحى الرئيس الأسبق حسنى مبارك. والأخطر أن تلك السيولة أتاحت الفرصة التامة لجماعة الإخوان ـ المحظورة وقتها والإرهابية لاحقًا بحكم المحكمة ـ أن تتسيد الموقف وتُهيمن على تفاصيل المشهد، وصولًا إلى عام حكم المرشد وما حدث فيه من كوارث جمّة وسقطات طائلة فى حق الوطن والمواطن، لدرجة القبول بتحويل مصر إلى مجرد ولاية تابعة لبعض القوى الإقليمية طالما أن الجماعة ستظل قابضة على مفاتيح السلطة وجالسة على كرسى الحكم. وهنا ثار المصريون فى 30 يونيو 2013 لإسقاط تلك المؤامرة وإعادة هوية الوطن المختطف.

وما إن تحقق هذا الانتصار بتلك الثورة الشعبية وميلاد دولة 30 يونيو، تحركت المياه الراكدة فى نهر مؤسسات صناعة القرار، وبدأت دراسات معمقة عن المؤثرات الداخلية والظروف الخارجية المحركة للشباب المصرى، والبحث عن طرق استثمار تلك الطاقات المتفجرة لصالح الوطن. وبعد إجراء دراسات وافية فى نهاية 2015 عن أوضاع شبابنا على المستويات كافة، اجتماعيًا ونفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا، اتفقت نتائج هذه الأبحاث الميدانية والنظرية على أن هؤلاء الشباب ذخيرة مكدسة على مدار عقود، ولديهم الكثير من القدرات العقلية والإمكانات للمشاركة بقوة فى بناء الجمهورية الجديدة، لكن ينقصهم الوعى والتأهيل، مع ضرورة فتح أبواب التواصل بين صناع القرار وبين شبابنا، وستفوق المحصلة كل التوقعات وجميع الطموحات. ومن هنا تحرك قطار التدريب من محطة البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة.

وبدون مبالغة أو تهويل، أثمر البرنامج الرئاسى فى سنوات معدودة عن توفير قاعدة شبابية زاخرة من الكوادر المؤهلة لتحمل المسؤولية فى غالبية القطاعات بمؤسسات الدولة، من الصحة إلى التعليم وصولًا إلى الأوقاف والتنمية المحلية، وتحت قبة البرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ. وهنا النماذج عصية على الحصر، وقد أصبح منهم مسؤولون فى الصف الأول ويحققون نجاحات متتابعة فى قطاعاتهم، من العمل الميدانى إلى وضع الخطط التنموية والسياسات العامة، بما يتماشى مع خطة الدولة والتوجيهات الرئاسية من أجل تطوير المرافق كافة وتحسين جودة الخدمات. ويرجع الفضل إلى تأهيلهم للقيادة بشكل احترافى عبر دراسة مستفيضة فى مراحل متتابعة وآليات منضبطة بلا مجاملة أو وساطة، فضلًا عن رفع كفاءتهم بالتخطيط العملى والعلمى معًا وفق نظريات الإدارة الحديثة، مع التطبيق على قطاعات الدولة حتى لا تكون مجرد مناهج تقوم على الحفظ والتلقين بعيدًا عن الفهم والتنفيذ. وبالجمع بين الدراسة العميقة فى التخصص المطلوب إلى جانب المشاركة فى الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية، فالتأهيل السليم يتضمن بناء العقول وتقوية الأجسام وتغذية الأرواح. ويكفى الإشارة إلى نقطة واحدة للدلالة على الحيادية والشفافية فى هذا البرنامج الرئاسى، وهى ضرورة تمثيل الشباب من جميع المحافظات فى أى دفعة من دفعاته، وهذا ما تمت ترجمته على أرض الواقع فى حسن إدارة وتنظيم مؤتمرات الشباب ومنتدى شباب العالم فى نسخ عدة.

وبعد نجاح البرنامج الرئاسى، وصل قطار صناعة الكوادر إلى محطة الأكاديمية الوطنية لتأهيل الشباب، تأكيدًا على أن هذه رؤية رئاسية ثابتة وإرادة دولة متواصلة للتوسع فى إعداد قادة المستقبل عن طريق مؤسسة مستقلة للتدريب، وليس مجرد برنامج محدود الأعداد أو محكوم بفترة زمنية مؤقتة. وقد تم استلهام تجارب دولية فى هذا الشأن لتلافى أية أخطاء وتعظيم جميع الفوائد، ومنها تجربة الأكاديمية الوطنية للإدارة الفرنسية، فضلًا عن التعاون مع العديد من المؤسسات والهيئات والمعاهد العلمية الدولية ذات السمعة فى مجال الارتقاء بالقدرات ورفع المهارات للكوادر الشبابية. ومن المعروف أن الأكاديمية الوطنية لتأهيل الشباب حققت نقلة نوعية فى ضخ العديد من الكفاءات داخل شرايين الجهاز الإدارى للدولة خلال الفترة الماضية، مع تأهيل قيادات الصف الثانى والثالث بشكل محكم، لكنها لم تسلم من طوفان الشائعات، والسر فى شروط الالتحاق بها، وخاصة شرط حسن السير والسلوك.

وسيرًا على منهج التدريب رفيع المستوى وطريق الإعداد المتمكن لشبابنا، وصل قطار التأهيل إلى الأكاديمية العسكرية المصرية من أجل توسيع قاعدة صناعة الكوادر فى كل مؤسسات الدولة، فى ظل توفير كل الإمكانات اللوجستية والخبرات الفنية. فالأكاديمية قادرة على استضافة الدارسين بشكل كلى أو جزئى بأعداد كبيرة لمدة 180 يومًا، وإتاحة المحاضرين أصحاب الخبرات الواسعة من كل التخصصات، مع ضمان تحقيق الانضباط التام فى الدورات التدريبية، ووضع معايير واضحة لا يمكن تجاوزها، بحكم أنها مؤسسة تعليمية عسكرية عليا تابعة لقواتنا المسلحة، صاحبة السجل المشرف عبر تاريخها الطويل فى إعداد متخصصين بأعلى معايير الكفاءة وأفضل المستويات، مع التحلى بالنزاهة والانضباط، وفى سياق متابعة مستمرة من الرئيس السيسى شخصيًا، وهو ما يتضح من زياراته المتتابعة وجولاته لتفقد أحوال الدارسين، سواء العسكريين أو من القطاعات المدنية، حتى يتخرجوا وفقًا لأعلى المقاييس الدولية والمتطلبات العصرية قبل التحاقهم بمؤسسات الدولة المختلفة ليكونوا على قدر المسؤولية. علمًا بأن هذه البرامج تخضع لعملية تطوير وتقييم مستمر، أما غير القادرين على اجتياز الاختبارات العملية والامتحانات النظرية فلا مكان لهم فى الجهاز الإدارى للدولة، وعليهم البحث عن مسار آخر بديل وفقًا لقدراتهم. وهذا التوجه لا غاية منه إلا تطوير وإصلاح مؤسساتنا الوطنية ومدها بعناصر قوية ومؤهلة فى كل التخصصات، والتصدى الحاسم لمشكلة ضعف الكوادر بوجه عام.

ولا أجد مقولة تلخص أهمية الأكاديمية العسكرية المصرية أفضل من هذه العبارة التى قالها الرئيس السيسى فى زيارته الأخيرة لها فجر يوم الجمعة الماضى:

«إن جوهر الفكرة من وراء الأكاديمية العسكرية المصرية هو عمل برنامج للتطوير والتحديث والتغيير فى مؤسساتنا، والفكرة مبنية على أن التطور الإنسانى هو جزء أصيل من تطور البشر، وأى جمود يعنى التراجع. وبالتالى فكرة التطوير والتغيير تعبر عن حيوية الدولة ومؤسساتها، وهذا نوع من النقد الذاتى للمسار الذى نسير فيه، وهذا لا يعنى الإساءة لمؤسساتنا، إلا أن الجمود وعدم التطور يؤدى إلى التخلف، وأنه لا بد من الوفاء بالأمانة التى أعطانا الله إياها فى مؤسساتنا، وكل مسؤول معنى بذلك. فعند وضعنا للبرامج حرصنا على تحييد العامل البشرى وضمان أن يكون المستفيدون والمجتازون للدورات جديرين بالنجاح بدون مجاملة، ولديهم القدرة على التعامل داخل مؤسساتهم».

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة