رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بين "سكار وماغاوا" معانٍ وسير خالدة!

2-2-2026 | 19:38

د.مجدى أبو الخير

طباعة
د.مجدى أبو الخير

كثيرةٌ هي القصص المُلهمة لنا حولنا، والتي تثير فينا معاني إنسانية لا حدّ لها، ليس في عالم الإنسان وحسب وإنما نستلهما كذلك من عالم الحيوان، وحتى ما دونه.

في (يونيو2021م) نفق (سكار فيس) العظيم، وكتبتُ فيه وقتها، تحت عنوان (أعزّ من سكار):" كم وددتُ لو أفردتُ له من كتاباتي مثلما أُفرِدُ لغيره، فيما تُنتجه القريحةُ مما أفاء الله عليها من أفكارٍ لا يُشبه بعضُها بعضًا كثيرًا.

إنه سكار فيس العظيم، والذي لم يطاوعني عقلي ولا قلبي ألا ينالَ حرفي شرفَ رثائه، وتقديم واجب العزاء فيه، سكار فيس ليس أسدًا نافقًا وإنما ملكٌ عزّ في مُلكه فمَن نازعه إياه هلك، ولا يَقرب حِماه أحدٌ دون إيماءةٍ منه، إذ بلغ حِماه أضعاف ما بلغ زئيرُه عزّةً ومهابةً، إذ بلغ مُلكُه أربعمائة كيلو متر مربع من غابات (ماساي مارا الكينية).

وما أشبه الليلةَ بالبارحة ولعله من طريف خاطري وهاتفي، فكأني بـ (كُليْب بن ربيعة بن وائل التغلبي) أول مَن ملك قومه من بني عدنان، والذي بلغ من عزّه وسؤدده أنه إذا نزل منزلا به كلأ أطلق كلبه فيعوي فيه فلا يقرب حِماه أحد، حتى قالت العرب في ذلك: ( أعزّ من كليب وائل ).

سكار ملكٌ أتاه الله الملك دون أن ينزعه منه مدة حياته فعاش ملكًا عزيزًا أقرّت له الدنيا بذلك، ودان له شعبُه كذلك في ظلّ تسعمائة من أقرانه دانوا له بالولاء والخضوع، ومات على ما عاش عليه ملكًا عزيزًا، فبكتْه نفوسٌ ظمأى لمنعته وعزّته وأنفتِه وكبريائه، وحسدته مَن تلاشت في ظلّ هيبته وعزّته هيبتُهم وألقابُهم،

سكار ملكٌ تناقلت الدنيا نبأ وفاته بصدمةٍ لا حدّ لها رسميًّا وشعبيًّا، وربما فاقت صدمتنا نحن، لاسيما ممّن لا يمرّون على مثل تلك الأمور مرور الكرام، بعدما تعرّفنا إلى شيءٍ يسيرٍ من سيرته وشجاعته وفروسيته وأنفته والتي طار ذكرها في الآفاق، فتملكنا عندئذ شعورٌ بالصمت المشوب حزنًا وذهولًا أمام هذا الملكِ الجليلِ المهيبِ ركنًا وجانبًا.

فليست كل الأسود كسكار، فهناك مَن طاردته بالأمس بهائم فارتقى أعلى شجرة هاربًا منها طالبًا النجاة فأضحى عارًا على بني جنسه. وهناك مَن دانت له بالولاء والطاعة أسودٌ وسِباعٌ كسكار. ملوكٌ عزّوا في ملكهم فخلّدهم التاريخ، حتى صار عزّهم مضربَ أمثالٍ تتناقلها الأجيالُ عبر الزمان، فما أعزّ من كليب وائل وسكار. فنَمْ قريرَ العين يا كلّ سكار، واخْلُفْنا اللهم خيرًا منه.

وفي (يناير 2022م) نَفق (ماغاوا)، وكتبتُ فيه، هو الآخر، وقتها تحت عنوان (ماغاوا):" وأخيرًا، نفق (ماغاوا)، لافظًا آخر أنفاسه عن عمرٍ ناهز الثامنة، نفق ماغاوا لتحزنَ عليه ممالكُ الإنس والحيوان وغيرهما ممّن بَلَغهم سلامُه وسيرتُه. فماغاوا ليس مجرد جرذٍ نافقٍ وإنما كان بطلًا ستتناقل سيرتَه العطرة وبطولاتِه أجيالٌ من بني جنسه وجنسنا. ماغاوا ذلك الجُرذ الذي اُشتُهر بقدرته على شم وكشف الألغام في مسيرة مهنية استمرت لخمسة أعوامٍ أنقذ خلالها أرواح آلاف البشر باكتشافه لأكثر من (100) لغمٍ أرضي، وعشراتٍ من العبوات الناسفة في كمبوديا جنوب شرق آسيا، والتي يعتقد أن بها نحو ستة ملايين لغم أرضي،

ماغاوا ذلك الجرذ الأفريقي العملاق (1.2 كج وزنًا و70 سم طولًا) من أنجح الجرذان التي دربتها جمعية (أبوبو) الخيرية المسجلة في بلجيكا، ومقرها في تنزانيا؛ إذ خضع لعام من التدريب في تنزانيا، دُرّب خلالها على تتبع المركب الكيميائي الذي تصنع منه العبوات الناسفة والمتفجرات، قبل أن ينتقل إلى كمبوديا  لبدء مسيرته في شم القنابل، وتنبيه العاملين حول الألغام حتى يتمكنوا من إزالتها بأمان. قام ماغاوا خلال مسيرته بمسح أكثر من (141 ألف متر مربع) من الأرض، أي ما يعادل (20) ملعبًا لكرة القدم، إذ كان قادرًا على إنهاء البحث في ملعب بحجم ملعب التنس خلال (20) دقيقة فقط، وهو أمر تقول (أبوبو) إنه يستغرق شخصًا مع جهاز الكشف عن المعادن بين يوم إلى أربعة أيام.

وتقديرًا لمسيرته المهنية المضيئة والمشرّفة وتفانيه في العمل بإنقاذه الأرواح تم تكريمه في (سبتمبر 2020م) بميدالية ذهبية من مؤسسة (بي دي إس إيه) المعنية بالحيوانات، وهو أول جُرذٍ يحصل عليها في تاريخ المؤسسة الخيرية التي تأسست قبل (77 عامًا). ثم تقاعد في (يونيو ٢٠٢١م) بعد أن تباطأت حركته مع بلوغه سن الشيخوخة، ورغم تقاعده إلا إنه ظل في وظيفته لأسابيع قليلة لإرشاد زملائه من الجرذان الجُدد، ومساعدتهم في التكيف مع الأوضاع التي تفرضها عليهم وظيفتهم.

ماغاوا نعته منظمته في بيان رسمي: "نشعر جميعنا في أبوبو بفقدان ماغاوا، ونحن ممتنون للعمل الرائع الذي قام به، وإن حاسة الشم المدهشة التي يتمتع بها سمحت للمجتمعات في كمبوديا بالعيش والعمل واللعب دون خوف من فقدان الحياة أو فقدان أحد الأطراف". وقالت (مالين) المسئولة عنه في العمل: أداء ماغاوا ظل منقطع النظير، وأنا فخورة بأنني عملتُ جنبًا إلى جنب معه. وأضافت: إنه صغير الحجم لكنه ساعد في إنقاذ حياة الكثيرين؛ الأمر الذي سمح لنا باسترداد الكثير من الأراضي الآمنة لشعبنا بأسرع ما يمكن، وبأقل تكلفة ممكنة.

فارق هائل بين جرذٍ يعملُ بتفانٍ لا حدّ له ويضحي بروحه بُغية إنقاذ مَن ليسوا من جنسه، والذين ربما كانوا خطرًا عليه حدّ قتله، وبين مَن هو عارٌ على بني الإنسان والحيوان معًا، فيعمل جهده على إفساد الأرض وإهلاك الحرث والنسل، وزرع ألغام ومتفجراتٍ وعبواتٍ ناسفةٍ ربما راح ضحيتها ماغاوا.

سكار فيس العظيم، وماغاوا البطل الهُمام؛ أسدٌ وجرذٌ، حيوانٌ وقارضٌ، في قصصهما عِبرٌ وعَبَراتٌ وعِظاتٌ ومعانٍ جليلة ستبقى خالدةً خلودَ الزمان. فارقُدا بسلامٍ، أنت يا سكار وماغاوا، ولكما منّا السلام.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة