عادت موجة بيع الأصول الأمريكية إلى الواجهة الأيام الماضية، بعدما تراجعت وول ستريت وانخفض الدولار الأمريكي بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بشكل حاد، ردًا على سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التصعيدية وتهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن جرينلاند. وبالرغم من عودة الانتعاش إلى الأسواق فور تراجع ترامب عن تهديده إلا أن هذا التراجع يسلط الضوء على أداة ضغط فعالة في مواجهة سياسات ترامب المتقلبة وهو"بيع أمريكا".
يعود مصطلح "بيع أمريكا" إلى ربيع العام الماضي، حينما هزّ إعلان ترامب عن تعريفاته الجمركية التي أطلق عليها اسم "يوم التحرير" الأسواق المالية العالمية، ما دفع المستثمرين إلى بيع الأسهم والسندات الأمريكية على نطاق أوسع، وتسبب في تعليق إدارة ترامب معظم الرسوم الجمركية المقررة لمدة 90 يومًا.

ومع تراجع الثقة في القيادة الأمريكية واستمرار حالة الضبابيىة وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، تقل شهية المستثمرين للأصول الأمريكة، ويزداد الإقبال على الملذات الآمنة التقليدية مثل الذهب والفضة. وقد قرر صندوق التقاعد الدنماركي الخروج من سوق سندات الخزانة الأمريكية بحلول نهاية الشهر الجاري، ورغم أن حيازته منها ضئيلة لا تتجاوز 100 مليون دولار، إلا أن القرار يُعد مؤشرًا على تنامي هذا الاتجاه. لهذا حذر ترامب من اتخاذ إجراءات انتقامية ضد المستثمرين الذين يبيعون الأصول الأمريكية.

في هذا السياق، قال عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي لـ "المصور": إن محاولة الضغط على الاقتصاد العالمي، والتهديد بفرض رسوم جمركية بدأت منذ ولاية ترامب الأولى حيث شرع بالضغط على الصين بمحاولة تقييد صادراتها إلى الولايات المتحدة، والتهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة. وكان هناك مخاوف من استهداف أوروبا كذلك؛ لكن انتهت الفترة الأولى من ولايته ولم يشهد العالم الحرب التجارية الي كان يخشاها . واستبشر العالم خيرًا بعد ذلك بنجاح الرئيس السابق جو بايدن في الانتخابات الرئاسية وفشل ترامب. لكن الصين كانت أول من تخوف من أن يكون تقييد التجارة العالمية هو منهج للأمريكان يستمر لعقود قادمة وليس فقط للرئيس ترامب. ومن هنا استعدت مبكرًا لما قد يحدث حيث بدأت في تخزين الذهب وشراء كميات كبيرة منه. وربما هذا ما أدى إلى ارتفاع أسعار الذهب إلى ما نراه في الوقت الحالي. فضلًا عن الاستغناء تدريجيًا عما تملكه من أصول الخزانة الأمريكية . وفي نفس الوقت بدأ المستثمرون الصينيون في التخلي عن بعض الأصول التي يملكونها داخل الولايات المتحدة .
وتابع " عبد المطلب" : أنه في فترة الولاية الثانية للرئيس ترامب كان البعض يعتقد أن تهديداته بفرض رسوم جمركية تصل إلى 135 في المائة على واردات أمريكا هو محاولة ضغط لجر الصين إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى نظام تجاري من وجهة نظر أمريكا أكثر عدلًا يضمن التفوق الأمريكي وعدم اتساع العجز في الميزان التجاري الأمريكي. لكن ما حدث أن الصين استقبلت هذه التهديدات بتهديدات أخرى مماثلة، وبدأت في المنافسة في فرض الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية. في النهاية، توسعت الرسوم الجمركية لترامب لتشمل العديد من الدول.
وأضاف الخبير الاقتصادي أنه في الفترة الأخيرة كانت هناك أحاديث أكثر خطورة عن المطالية بضم جرينلاند، وكندا إلى أمريكا، وفرض رسوم جمركية على صناعة السيارات في الدول الاوروبية. ومن هنا بدأت أوروبا في اتخاذ رد فعل بتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع دول "ميركسور"، التي تضم دول أمريكا الجنوبية. ولوح ترامب أنه سيفرض رسوم جمركية على كل من يهدد المصالح الأمريكية عبر العالم. لذلك بدأ المستثمرون في أغلب دول العالم في التحوط من أن الاستراتيجية الأمريكية قد لا تكون محفزة للاسثتمار داخل الولايات المتحدة الأمريكية . وبالتالي اتجهوا للتخلص مما يمتلكونه من أصول خزانة بشكل تدريجي. الدول مثل البرازيل وإنجلترا، والشركات كذلك شرعت في بيع الأصول التي تملكها داخل الولايات المتحدة الأمريكية تحسبًا لأي قرارات مفاجئة من الرئيس الأمريكي.
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذا بدوره يحقق هدفين . أولًا، الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، وفي نفس الوقت هو تحوط من مالكي هذه الأصول أنهم من الممكن أن يخسروها إذا حدث أي نوع من أنواع التحول في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المستثمرين الأجانب.
وعن تأثير بيع الأصول على الاقتصاد الأمريكي، قال "عبد المطلب" إنه سيسبب حالة من الربكة في الاقتصاد الأمريكي، وفي نفس الوقت ربما يؤدي إلى نوع من الهدوء في أسواق العقارات الأمريكية. بل على العكس قد يؤدي إلى عرض عقارات بأسعار أقل نتيجة زيادة المعروض. كذلك قد يتسبب ذلك في انهيار النظام المصرفي الأمريكي ككل لأن النظام المصرفي جزء كبير منه يمول العقارات. ذلك بجانب العديد من المشاكل الاقتصادية الأخرى.
أما على المستوى العالمي، أوضح الخبير الاقتصادي أنه إذا كان هناك حسن إدارة لعملية بيع الأصول ستكون هذه فرصة لعدد من الدول التي ترغب في جذب الاستثمارات . فالمستثمر لن يبيع أصوله في الولايات المتحدة ويضع أمواله في البنوك داخل الولايات. فهو بالتأكيد سيخرج بها من أمريكا ويستثمرها في دول أخرى. ومن هنا قد يحدث نوع من الانتعاش في بعض الاقتصادات التي تسعى لجذب الاستثمار مما سيكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد العالمي.