تتجلى أولى ملامح هذه الإنسانية فى اعتراف النبى ﷺ بقدسية المشاعر البشرية، ففى اللحظة التى فارق فيها ولده إبراهيم الحياة، انهمرت دموع النبوة كحبات اللؤلؤ، معبرةً عن لوعة الفقد بلسانٍ يلهج بالرضا، فمشهد النبى ﷺ وهو يضم ولده الصغير ويقبله ويشمه فى نزعه الأخير، يمثل قمة الوفاء الإنسانى، لقد أرسى النبى ﷺ فى تلك اللحظة قاعدةً أخلاقيةً كبرى، وهى أن الحزن رحمة، وأن الدمع طهارة، وأن القلب الذى لا يحزن لفقد الأبناء هو قلبٌ جفت فيه منابع الإنسانية، فجاء هذا البيان النبوى الشريف «إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ليكون إعلانًا صريحًا بأن الأبوة الصادقة تقتضى حضورًا وجدانيًا كاملًا، يشارك الأبناء آلامهم حتى فى لحظات رحيلهم، دون أن يتنافى ذلك مع مقام التسليم لرب العالمين.
وفى مشهدٍ آخر يفيض بالرقى والجمال، نجد تعامله ﷺ مع بضعته السيدة فاطمة الزهراء —عليها السلام— وهو التعامل الذى يمكن أن نطلق عليه بروتوكول الحب النبوى، لقد كان النبى ﷺ يمنح ابنته نوعًا من التقدير يرفع من شأن الذات الإنسانية ويجعلها تسمو فى آفاق العزة، فكان ﷺ إذا رأت عيناه فاطمة مقبلة، قام من مجلسه فرحًا بها، ومضى نحوها بخطوات الأب المشتاق، فيأخذ بزمام يدها، ويقبل جبينها، ثم يقودها لتجلس فى مقعده الذى قام منه، تأمل معى هذا السمو إن قيام النبى ﷺ لابنته هو رسالة لكل الآباء بأن إكرام البنات هو من شيم الأنبياء، وأن منح الابنة مكانةً رفيعة فى صدر المجلس وفى سويداء القلب هو الضمانة الأكيدة لبناء شخصية سوية قادرة على مواجهة أعباء الحياة، إنها إنسانيةٌ تتجاوز مجرد العطف لتصل إلى درجة التعظيم الوجدانى لكيان الابنة.
تنتقل هذه الإنسانية لتشمل الأحفاد بفيضٍ من العفوية التى تكسر حواجز الرسمية المصطنعة، ففى مشاهد تملأ النفس بهجة، نجد النبى ﷺ وهو سيد الخلق وقائد الأمة، يحمل الحسن والحسين على كتفيه، ويطوف بهما، ويقول «نعم الجمل جملكما، ونعم العدل أنتُما»، إن هذا التبسط، وهذا النزول لمستوى طفولتهما، يمثل قمة التواضع الإنسانى، ففى الوقت الذى كان فيه عظماء ذلك الزمان يأنفون من ملاعبة الأطفال، كان المصطفى ﷺ يجعل من ظهره الشريف مركبًا لسبطيه وهو فى صلاته وسجوده، ويطيل السجود حتى يقضيا نهمتهما من اللعب، إن هذه المشاهد تؤكد أن الوقار النبوى كان وقارًا مشرقًا بالحب، لا وقارًا منغلقًا بالعبوس، وأن الأب الحقيقى هو من يمتلك القدرة على أن يكون طفلًا مع أطفاله، ليغرس فى نفوسهم معانى الأمان والثقة بالذات.
لقد اتسعت إنسانية المصطفى ﷺ لتشمل كل من نبت فى ظله، فتجاوزت حدود النسب والدم إلى حدود الروح والتربية، فانظر إلى سيدنا زيد بن حارثة، الذى وجد فى كنف النبى ﷺ من رقة التعامل وعذوبة الأخلاق ما جعله يرفض العودة مع أبيه الحقيقي، مؤثرًا البقاء فى صحبة محمد ﷺ، وكذلك كان شأنه مع أنس بن مالك، الذى خدمه وهو صبي، فكان النبى ﷺ يراعيه مراعاة الأب الشفيق، فلم يوبخه يومًا، ولم يعنفْه على تقصير، بل كان يلقبه «يا بني» فى خطابٍ يفيض عذوبةً وحنانًا، إن هذه الأبوة الممتدة تبرهن على أن جوهر الرسالة المحمدية هو الإنسان، وأن هدف النبوة هو تحويل البيوت إلى محاضن للرحمة، حيث يُحترم الصغير، ويُقدر الضعيف، ويُجبر المنكسر.
لقد كان النبى ﷺ يربى أبناءه بـ «الحال قبل المقال»، فإذا أراد أن يعلمهم الصلاة أو الصدق، كان هو النموذج الأسمى أمامهم، ولم يكن ينهج نهج الزجر أو التعنيف، بل كان يوجه بالرفق واللين، فكان إذا رأى خطًا من صبي، أصلحه بلمسةٍ حانية أو بكلمةٍ طيبة، كما فعل مع عمر بن أبى سلمة وهو صبى حين قال له بأسلوبٍ نبوى رائق «يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فتلك الكلمات القليلة تختصر منهجًا كاملًا فى التربية الإنسانية، فهى تبدأ بالنداء المحبب، ثم تنتقل للتوجيه برفق، دون تقريع أو إحراج، فهى إنسانيةٌ تحترم كرامة الطفل، وتدرك أن البناء النفسى للإنسان يبدأ من الكلمات التى يسمعها فى صغره.
إن إنسانية النبى ﷺ كانت تمتد لتشمل حتى ذكرى أبنائه بعد رحيلهم، وتكريم صديقات بناتهن، فكان ﷺ يكرم صديقات السيدة خديجة —عليها السلام— وفاءً لذكراها ولذكرى أبنائه منها، وكان يولى عناية فائقة لأبناء بناته، فكانت السيدة أمامة بنت زينب تصلى معه وهو يحملها، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، هذا الإصرار النبوى على اصطحاب الأطفال حتى فى لحظات المناجاة والعبادة، هو أسمى تجليات الإنسانية التى تدمج بين حق الله وحق الإنسان، وتعلمنا أن رعاية الطفل والتحنن عليه هى جزءٌ لا يتجزأ من روح العبادة وجوهر الدين.
إن القراءة فى إنسانية النبى ﷺ مع أبنائه تفتح لنا آفاقًا رحبة لفهم سر العظمة المحمدية، والحنان النبوى الأوسع، والذكاء العاطفى، والقدرة على الاحتواء، لقد كان ﷺ أبًا يملأ بيته بالبشر والسرور، ويمسح بيديه دموع الحزانى، ويقيم وزنًا لكل شعورٍ إنسانى مهما صغر، إننا فى هذا العصر، مدعوون لاستلهام هذا النموذج النبوى فى بيوتنا.