رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حكايات مؤسس الرواية العربية الحديثة


30-1-2026 | 13:21

.

طباعة
بقلم: يوسف القعيد

بعد أن استقر بيَّ الحال فى القاهرة، وأصدرت روايتى الأولى: «الحِداد» سنة 1969، نصحنى صديق العُمر ورفيق رحلة الدرب المرحوم جمال الغيطانى أن أذهب بها إلى نجيب محفوظ. وكنا قد ذهبنا معاً بمجموعة جمال الغيطانى الأولى: أوراق شاب عاش منذ ألف عام. وقد حدد لنا الموعدين فى مقهى ريش الموجود فى شارع طلعت حرب بالقُرب من الميدان الذى يحمل اسمه.

كان الرجل هو التواضع يمشى على قدمين، والإنسانية النادرة فى كل ما يقوم به. وقد أخذ منى الرواية وشكرنى عليها وبعد أسبوعين قال لى رأيه فيها. ولم أسع مثلما كان يفعل غيرى من الكُتَّاب الشباب لنشر ما قاله لى نجيب محفوظ. أو ربما لم يكن النشر متاحاً وممكناً بالنسبة لى فى ذلك الوقت.

 

 

لكن المهم أنه نشأت بينى وبين نجيب محفوظ – وهو من هو – علاقة إنسانية شديدة النُدرة، كان ضلعها الثالث والجوهرى هو صديق العُمر جمال الغيطاني. كنا نلتقى فى مقاهى وسط البلد، ولم أدخل بيته سوى فى ذلك اليوم المهول يوم حصوله على جائزة نوبل فى الأداب يوم 13 أكتوبر 1988.

وقبل نوبل وبعدها فنجيب محفوظ هو من أسس فن الرواية العربية، وفعل هذا من خلال نصوص روائية مازالت حتى الآن وستظل لسنواتٍ أخرى قادمة هى الأعمال الروائية التى يشار بها إلى حضارة الرواية العربية المعاصرة، بل إن من جالسوه فى الأماكن العامة لأنه لم يكن يحب أن يذهب إليه أحد إلى بيته. يقولون عنه إنه حتى فى جلساته العامة حكاء من الدرجة الأولى. يمكن أن تتعلم منه الكثير عن فن القص والحكى والرواية. بل إن رواياته ربما تفوقت على ما وصل إلينا من التراث العربى فى الرواية الحديثة.

من المؤكد أنه يُحسب لوزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، والدكتور خالد أبو الليل رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، والدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة والمسئول عن المعرض اختيار نجيب محفوظ كشخصية لمعرض القاهرة الدولى للكتاب هذا العام، وهو اختيار جيد صاحبه طباعة بعض رواياته التى نفدت طبعاتها وطرحها فى المعرض بأسعارٍ زهيدة وبمبالغ قليلة جداً.

وأيضًا عروض بعض الأفلام السينمائية المأخوذة عن رواياته وقصصه الطويلة وقصصه القصيرة ونصوصه المسرحية بما يُشكِّل تُراثاً أدبياً وفنياً كان من النادر أن يتم لو لم يهبنا الله هذا الرائد العظيم والمُبدع الكبير والروائى المؤسس نجيب محفوظ. وبالمناسبة فإن اسمه بالكامل هو: نجيب محفوظ إبراهيم عبد العزيز الباشا. ونجيب محفوظ اسم مركب له شخصياً.

سنة 2015 أصدرت الهئية المصرية العامة للكتاب، كتابي: نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية على النيل، والكتاب الذى يقع فى أكثر من 345 صفحة من القطع الكبير، وفيه يتحدث نجيب محفوظ بدفء وحرارة وإنسانية كعادته دائماً وأبداً عن نفسه وعن مشروعه الروائى من الألف إلى الياء. وكان الرجل كعادته صريحاً ودوداً عندما يتكلم معنا وكان قد سمح لى بالذهاب إليه فى بيته، على الرغم من أننى أراه بشكلٍ منتظم فى مقاه كثيرة، وهناك حكى لى ما لم يحكه من قبل عن حياته وأسرته التى رحَّبت بى ابتداء من زوجته السيدة عطية الله إبراهيم، وابنتيه.

مؤسس الرواية العربية

يعتبر كثيرون أن الدكتور محمد حسين هيكل صاحب رواية زينب هو مؤسس الرواية العربية، فى حين أننى أعتقد أن الذى أسس الرواية العربية هو نجيب محفوظ، فهو صاحب مشروع روائى كامل، فى حين أن الدكتور هيكل - وله منى كل التقدير والاحترام - عُرِفَ بروايةٍ واحدة هى رواية: زينب، فى حين أن المشروع الروائى المحفوظى ضخم وعملاق ويغطى كل أشكال الكتابة الروائية والقصة الطويلة والقصة القصيرة والعروض المسرحية.

وقد أخلص لكل هذا النتاج الأدبى إخلاصاً كاملاً، ولولا روايات نجيب محفوظ ما كانت السينما المصرية قد وجدت ضالتها فى أى نتاج أدبى لأى روائى غيره. كنا نقول هذا فى حياته، ولابد أن نقوله الآن بقوة وصلابة أكثر من الأول، فعدد الأفلام المأخوذة عن رواياته الذى يتعدى 50 فيلماً فيها ما يمكن أن يقال إنه من أفضل الأفلام السينمائية المأخوذة عن نصوص روائية منذ أن عرفنا السينما وحتى الآن.

فى حياته كان نجيب محفوظ يحب الذهاب إلى السينما، وإن كان لا يُخبر أحداً منا بذلك، ونعرف منه بعد أنه ذهب إلى السينما وشاهد الفيلم الفلانى، ويتكلم معنا عنه، ومن خلاله تعرفنا على أهم مخرجى السينما المصرية منذ أن عُرِفت وحتى الآن، عن نفسى عرفت صلاح أبو سيف وتوفيق صالح وغيرهما من أهل السينما فى جلسات نجيب محفوظ ومن خلاله، بل إنه كانت تربطه صداقة من نوعٍ خاص بتوفيق صالح.

الفنان أحمد مظهر كان من أصدقائه القريبين جداً وكان يذهب إليه فى بيته القريب من طريق القاهرة السادس من أكتوبر الذى كان تحت الإنشاء فى ذلك الزمان البعيد، وكان يعتبره من الحرافيش الأساسيين فى حياته. مع أننى رأيت أحمد مظهر مرات معدودة عندما كنا نلتقى يوم الخميس ويأتى لكى يأخذ الأستاذ نجيب إلى جلسات الحرافيش التى كان يعقدها فى بيته.

والآن تعال نتكلم عن نجيب محفوظ الآخر، ما أكثر كلامنا عنه ومعه باعتباره روائياً.. وما أقل الحديث عن دوره السينمائى. مع أنه أول كاتب مصرى وعربى يبتدع القصة السينمائية. ويصيغ لها أصولها وينحت قواعدها. علاوة على أنه صاحب أكبر رصيد فى السينما.. - له أكثر من ستين فيلماً - وهو ما يوازى نتاج دولة بأكملها من السينما. وهى ليست أفلاماً هابطة: ففى سنة 1969 كتب الناقد السينمائى سعد الدين توفيق فى كتابه عن تاريخ السينما المصرية إنه كان هناك مائة فيلم مصرى خالد. لا بد وأن يحسب منها 17 فيلماً لنجيب محفوظ. وإذا أضفنا المدة التالية لكتاب سعد الدين توفيق يكون نجيب محفوظ صاحب 25 فيلمًا من مائة فيلم خالد. أى ربع العدد.

مسئول عن السينما

وقبل هذا وبعده. كان مسئولاً عن السينما من سنة 1959 حتى سنة 1971. ثم رقيباً. ثم مديراً لمؤسسة: دعم السينما ورئيساً لمجلس إدارتها. وبعد ذلك رئيساً لمؤسسة السينما ومستشاراً لوزير الثقافة لشئون السينما. وعندما تعامل مع السينما، إنما جاء تعامله مع أفضل مخرجى السينما المصرية. وأفلامه تمثل أفضل ما قدمه كل مخرج تعامل معه فى تاريخه السينمائى كله. وقد وفرت قصصه للممثل أن يقوم بأفضل أدواره يحيى شاهين فى دور السيد عبد الجواد فى «الثلاثية» تحية كاريوكا فى «شباب امرأة» نجمة إبراهيم فى «ريا وسكينة» فريد شوقى فى «الفتوة»، سناء جميل فى دور نفيسة فى «بداية ونهاية»، حمدى أحمد فى دور محجوب عبد الدايم فى «القاهرة 30»، محمود مرسى فى «الشحات»، كمال الشناوى فى دور خالد صفوان فى «الكرنك»، نادية الجندى فى «شهد الملكة»، عماد حمدى فى «خان الخليلى»، و«ثرثرة فوق النيل»، نور الشريف فى «الثلاثية» و«قلب الليل»، سعاد حسنى فى «أميرة حبى أنا»، معالى زايد فى «دنيا الله».

القامات الخالدة فى تاريخ السينما المصرية وجدت لها دائماً أدواراً فى أعماله: أنور وجدى، محمود المليجى، شكرى سرحان، شادية، عمر الشريف، أحمد مظهر، محمود يس، أحمد زكى، عزت العلايلى. الجديد الذى يضيفه الرجل فى هذا الحديث كثير والحديث منشور فى كتاب: نجيب محفوظ إن حكى.. ثرثرة محفوظية على النيل، يقول نجيب محفوظ:

- إنه كان يذهب إلى السينما ابتداء من سنة 1916 وكان عمره خمس سنوات، كان يذهب إلى سينما الكلوب المصرى فى الحسين لأنه كان صغيراً فى السن.

يكتب هاشم النحاس صاحب كتاب مهم عن سينما نجيب محفوظ:

- عندما فاتحته فى إجراء حوار طويل معه يصدر فى كتاب، فرح جداً بالفكرة وحدد لى موعداً فى بيته، وهو نادراً ما يفعل هذا. وهكذا كتبت كتاب: «نجيب محفوظ على الشاشة 45 - 1988» وفيه قائمة أفلام نجيب الـ 60 التى أعدها سمير فريد. وكان هذا الحوار المدهش الذى حضرته. وأجابت عن جزء من الأسئلة زوجة نجيب محفوظ السيدة عطية الله إبراهيم... وكان هذا يحدث لأول مرة.

حكايات محفوظية عن السينما

يكمل نجيب محفوظ: إلى أن جاءت سنة 1973. فى هذا الوقت كنت طلعت على المعاش. ولكن كتابة السيناريو كنت قد توقفت عنها تماماً سنة 1959. ما كتبته بعد المعاش لا يخرج عن كونه قصصاً سينمائية. وهى التى يعمل على أساسها السيناريو. أكتبها فى عشر صفحات فقط.

لم تكن عند نجيب محفوظ أى فكرة عن كتابة السيناريو. يقول: إن صلاح أبو سيف هو أول من علمنى كتابة السيناريو. وكان ذلك فى فيلم: عنتر وعبلة. وهو أول فيلم عملت فيه معه. رغم أن القائمة تقول إن فيلم المنتقم هو الأول، ربما كان هناك فارق بين سنة الكتابة وسنة عرض الفيلم، أنا متأكد أن فيلم عنتر وعبلة كان المحاولة الأولى فى كتابة السيناريو على أن الأمر لم يتوقف عند حدود التعليم الشفهى من صلاح أبو سيف لى. أهدانى كتباً وبدأت أدرس بعد ذلك. ثم اشتريت أنا كتباً عن طريقة كتابة السيناريو. ودرستها بعناية تامة. وهذه الكتب ما زالت عندى. وإن كنت لا أعرف مكانها فى مكتبتى.

عمر الشريف لأول مرة

يحكى نجيب محفوظ: كانت المرة الأولى التى أشاهد فيها عمر الشريف، دخل علينا فى مكتب منتج لا أذكره الآن، دخل علينا شاب جميل ولطيف. وسلم وقعد، قالوا لى: «دا» عمر الشريف، وهو كان معروفاً فى ذلك الوقت، خصوصاً أنه سبق له التمثيل مع فاتن حمامة. وأصبح مشهوراً، وأعتقد أن ذلك كان قبل هجرته من مصر إلى الغرب مباشرة حيث أصبح نجماً عالمياً معروفاً على مستوى العالم.

تكمل زوجته السيدة عطية الله إبراهيم:

- وبعد عودته إلى أرض مصر كان الفيلم الأول الذى قام بتمثيله هو فيلم «أيوب» وهو عن قصة لنجيب أيضاً.

يصحح لها نجيب محفوظ:

- ولكن «أيوب» فيلم تليفزيونى وليس سينمائياً، وإن كان قد تم عرضه فى دور السينما قبل عرضه فى التليفزيون وأخرجه هانى لاشين.

يكمل نجيب محفوظ: تعرفت على توفيق صالح فى ندوة كازينو أوبرا، كان عائداً لتوه من فرنسا وأعجبت بثقافته التى كانت بدون حدود. كان شاباً بكل ما فى الشباب من نضارة وبكارة ورؤية جديدة وطازجة للعالم. وربما مدهشة. كنا نتكلم معاً فى إحدى المرات. قال لى توفيق صالح إنه درس السينما فى فرنسا وينوى أن يخرج وأنه كان يبحث عن نقطة البدء. كانت عنده فكرة عامة فى ذلك الوقت.

الحقيقة جذبتنى إليه شخصيته وثقافته العائد بها من فرنسا. وكنت أعانى من الفراغ. كنت فى ذروة فترة اليأس الأدبى الهائل التى حدثتت بعد ثورة يوليو 1952، إنها الفترة التى امتدت من سنة قيام الثورة حتى سنة 1959، وهى أيضاً المرة الأولى التى يمكن القول فيها عنى إننى كنت سيناريست محترفاً، كنا نجلس ونتكلم فى الفكرة التى تتجول فى خاطره وتوفيق صالح منذ شبابه دقيق جداً فى مناقشة جميع التفاصيل الصغيرة. ويحتاج إلى سيناريست صبور. وعنده قدرة فريدة على الصمود فى كل هذه المناقشات التى بلا حدود.

المهم انتهينا من عمل السيناريو، وبعد ذلك بدأ توفيق صالح يبحث عن الذى سيقوم بإنتاج الفيلم. وحدث أن أناساً كثيرين «لاوعوه». أى ماطلوا فى التعامل معه إلى أن ذهبت إلى الإسكندرية كعادتى فى كل صيف. وعند عودتى من الإسكندرية فوجئت بالآتى: هناك من يقول لى إن السحار (يقصد عبد الحميد جودة السحار الروائى والقصاص المعروف) تم تحويل إحدى قصصه إلى السينما.

ولا تنتهى حكايات نجيب محفوظ عن السينما، ولا يمكن أن تنتهى حكاياتنا عن رواياته، فالمؤسس الأول للرواية العربية سيبقى الكلام عنه من الآن وإلى الأبد، عن إنجازاته وعن مشروعه الروائى الكبير والعظيم الذى أخلص له عمره كله سواء قارئاً للرواية ومتابعاً لها، أو كاتباً للنص الروائي. ولو لم يكتب نجيب محفوظ سوى بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، لكفاه. لكنه صاحب روايات كثيرة جداً لولاها ما كنا قد عرفنا الرواية الحديثة بمعناها الفنى والأدبى الذى عرفناها بها.

إنه الروائى المؤسس والأب الشرعى لفن الرواية العربية الحديثة الذى يزدهر الآن، ويمكن القول إنه الفن الأول، مع أن الحضارة العربية عُرِفت تاريخياً بأنها حضارة الشعر، لكن المؤسس للرواية العربية أسسها بشكلٍ جيد وتلاميذه انطلقوا من تأسيسه للكتابة

الروائية الحديثة التى أصبحت – هنا والآن – الفن العربى الأول.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة