اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في مدينة «مينيابوليس» بولاية «مينيسوتا» الأمريكية، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج التي تشهدها المدينة منذ سنوات، للمطالبة بإنهاء حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الهجرة، ووقف عمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، في أعقاب حوادث أسفرت عن مقتل شخصين.
وجاءت هذه التحركات في ظل موجة برد قارس، حيث وصلت درجات الحرارة إلى نحو 29 درجة مئوية تحت الصفر، وشارك فيها عمال وموظفون إلى جانب آلاف المتظاهرين، بعد أسابيع من التوترات والمواجهات التي اتسم بعضها بالعنف بين محتجين معارضين لسياسات ترامب الصارمة في ملف الهجرة، وعناصر إدارة الهجرة والجمارك.
وتفجرت هذه الاحتجاجات بعد أن قتلت فرق وكالة إنفاذ قوانين الهجرة، في السابع من يناير الجاري، امرأة تحمل الجنسية الأمريكية بإطلاق النار عليها داخل سيارتها، خلال عمليات استهدفت المهاجرين في «مينيابوليس».
قتيل آخر
لكن من الواضح أن الاحتجاجات ستتصاعد في الأيام المقبلة، بعد أن قتلت القوات ذاتها شخصًا آخر في «مينيابوليس» السبت الماضي.
وجاء ذلك بعد أن قام أفراد من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة بطرح أحد الأشخاص أرضًا بالقوة في محاولة لاعتقاله، قبل أن يطلقوا النار عليه، بحسب مقطع فيديو جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأُصيب الشخص في صدره، ثم نُقل إلى المستشفى بسيارة إسعاف بعد إجراء الإنعاش القلبي له، كما ذكر شهود عيان لوسائل إعلام محلية.
وتأكد لاحقًا خبر وفاة الشخص، إذ أكد اتحاد الموظفين الحكوميين في الولايات المتحدة مقتله أثناء محاولة اعتقاله من قِبل عناصر إدارة الهجرة والجمارك.
وبحسب ما ذكره الاتحاد في بيان السبت، فإن الشخص المقتول هو جيفري بريتي، أحد أعضائه، وكان يعمل ممرضًا في وحدة العناية المركزة.
وبررت المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، تريشيا ماكلوجلين، الحادثة في بيان، قائلة إن «الشخص الذي أُطلق عليه النار كان يحمل سلاحًا ناريًا مزودًا بمخزنين»، مؤكدة أن التحقيقات المتعلقة بالحادث ما زالت مستمرة.
ونشرت وزارة الأمن الداخلي صورة لمسدس قالت إنه عُثر عليه بحوزة الشخص الذي أُصيب، فيما أكد رئيس شرطة «مينيابوليس» أن الشخص ليس لديه سجلات جنائية، وكان يحمل تصريحًا قانونيًا لحمل سلاح ناري.
وفي المقابل، حلل خبراء المصادر المفتوحة أدلة الفيديو المتداولة على الإنترنت، وأشار محلل واحد على الأقل إلى أن الفيديو الأولي يُظهر أن بريتي قد انتُزع منه سلاح قبل إطلاق النار، بحسب تقرير لصحيفة «الجارديان» البريطانية.
إصرار على الرواية
ورغم أدلة الفيديو الواضحة التي تُظهر بريتي وهو يمسك بهاتف وليس سلاحًا، أصرت وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، على أن بريتي واجه الضباط بسلاح، وفقًا للمصدر ذاته.
وقالت نويم: «اقترب فرد من ضباط دورية الحدود الأمريكية بمسدس شبه آلي عيار 9 ملم. حاول الضباط نزع سلاح هذا الفرد، لكن المشتبه به المسلح تفاعل بعنف»، وذلك على الرغم من أن مقاطع الفيديو تُظهر بوضوح بريتي غير المسلح وهو يتعرض للضرب.
وتابعت: «يبدو أن هذا الموقف يتعلق بفرد وصل إلى مكان الحادث لإلحاق أقصى قدر من الضرر وقتل قوات إنفاذ القانون».
ومن جانبه، قال حاكم ولاية «مينيسوتا»، تيم والز، إنه تحدث صباحًا مع البيت الأبيض «عقب حادث إطلاق نار فظيع آخر نفذه عملاء فيدراليون».
وأضاف والز، في تدوينة عبر منصة «إكس» الأمريكية: «لقد نفد صبر مينيسوتا. هذا أمر مقرف»، مطالبًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف عمليات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وسحب «آلاف العناصر المؤيدين للعنف غير المدربين فورًا» من الولاية.
وتحدث عمدة «مينيابوليس»، جيكوب فراي، في مؤتمر صحفي متسائلًا عن الإدارة الحالية: «كم عدد السكان الآخرين، وكم عدد الأمريكيين الآخرين، الذين يجب أن يموتوا أو يُصابوا بجروح بالغة حتى تنتهي هذه العملية؟ كم عدد الأرواح الأخرى التي يجب أن تُفقد قبل أن تدرك هذه الإدارة أن الرواية السياسية والحزبية ليست بأهمية القيم الأمريكية؟».
وفي نداء مباشر للرئيس، قال فراي: «هذه لحظة للعمل كقائد. اجعل "مينيابوليس"، واجعل أمريكا أولًا في هذه اللحظة. دعونا نحقق السلام. دعونا ننهي هذه العملية. وأنا أقول لكم: ستعود مدينتنا، وسيُستعاد الأمان. نحن نطلب منك اتخاذ إجراء الآن لإزالة هؤلاء العملاء الفيدراليين».
وأعلن فراي لاحقًا أن «مينيابوليس» «تقدم طلبًا للضغط من أجل إصدار حكم فوري بشأن أمر التقييد المؤقت الخاص بنا».
وأضاف في بيان عام: «نحن بحاجة إلى تحرك سريع لحماية مدينتنا»، مشيرًا إلى أنه «طلب رسميًا مساعدة الحرس الوطني لدعم 600 ضابط شرطة في "مينيابوليس"»، وموضحًا أن «ضباط خدمة المجتمع يقومون بتوصيل الطعام للسكان الخائفين من مغادرة منازلهم، وتوفر المدينة موارد قانونية، كما أن مراكز موارد الأحياء موجودة لدعم العائلات».
وفي بيان جرى تداوله مع وسائل الإعلام، قال والدا بريتي، مايكل وسوزان بريتي، إنهما «محطمان القلب، ولكنهما غاضبان جدًا أيضًا».
وتابع بيان العائلة: «إن الأكاذيب المثيرة للاشمئزاز التي قالتها الإدارة عن ابننا هي أفعال مخزية ومقيتة. من الواضح أن أليكس لم يكن يمسك بسلاح عندما تعرض لهجوم من قبل بلطجية الهجرة (ICE) القتلة والجبناء التابعين لترامب. لقد كان يمسك بهاتفه في يده اليمنى، بينما كانت يده اليسرى الفارغة مرفوعة فوق رأسه، وهو يحاول حماية المرأة التي دفعها عملاء الهجرة للتو، وكل ذلك بينما كان يتعرض للرش برذاذ الفلفل».
غضب شعبي
شعبيًا، ازدحمت شوارع مدينة «مينيابوليس» بآلاف المتظاهرين، رغم الطقس شديد البرودة، مطالبين برحيل قوات الهجرة الفيدرالية.
وفي مواجهة الاحتجاجات، استخدم عناصر الأمن الفيدرالي الهراوات وقنابل الصوت لتفريق المتظاهرين، واعتقلوا العشرات بالقرب من مطار المدينة.
بدوره، دعا مدير شرطة «مينيابوليس»، برايان أوهارا، المواطنين إلى ضبط النفس والحفاظ على الأجواء السلمية، مع التأكيد على ضرورة عدم الإضرار بالممتلكات أو تدمير المدينة.
ودعا المتظاهرون إلى إغلاق وطني شامل، إلى جانب إخراج وكالة الهجرة والجمارك من كافة المواقع، حسب ما أظهرته مقاطع فيديو.
وفي تعقيبه على الاحتجاجات، حمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عمدة «مينيابوليس» وحاكم ولاية «مينيسوتا» الديمقرطيان مسؤولية الوضع، متهمًا إياهم بـ«التحريض على التمرد بتصريحاتهما المتغطرسة والخطيرة والمتعجرفة».
وقال ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن «الشخص المقتول في "مينيسوتا" كان يحمل سلاحًا محشوًا مع مخزنين إضافيين وكان جاهزًا للاستخدام».
ولفت إلى تقارير تفيد بأن أفرادًا من الشرطة لم يسمح لهم بأداء واجبهم، وأن ضباط وكالة الهجرة اضطروا لتوفير حماية لأنفسهم، حسب زعمه.
سياسات الهجرة
تقوم سياسات الرئيس ترامب في الهجرة، وهي واضحة في الأمر التنفيذي رقم 14159، الذي يحمل عنوان «حماية الشعب الأمريكي ضد الغزو»، والموقع في 20 يناير 2025، على توسيع نطاق استخدام الترحيل السريع، وهي سياسة هجرة تسمح بترحيل الأفراد دون جلسة استماع قضائية.
وتشمل السياسات حرمان الولايات القضائية التي توفر ملاذًا آمنًا للمهاجرين غير الشرعيين من التمويل الفيدرالي، في خطوة تهدف إلى الضغط على هذه الولايات للامتثال لقوانين الهجرة الفيدرالية.
وتفرض كذلك عقوبات جنائية ومدنية على المهاجرين الذين لا يسجلون أنفسهم كمهاجرين غير شرعيين، ما يزيد من الرقابة على السكان غير المسجلين.
وفي سياق دعم تنفيذ هذه السياسات، تم زيادة توظيف عملاء إدارة الهجرة والجمارك (ICE) وإدارة الجمارك وحماية الحدود (CBP) لتعزيز القدرة على المراقبة والإنفاذ على الحدود وعلى الأراضي الأمريكية.
وقوبل نهج إدارة ترامب العام تجاه الهجرة بسلبية أكثر من الإيجابية، حسب ما أظهره استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث وشمل 5044 بالغًا أمريكيًا في الفترة من 2 إلى 8 يونيو 2025، حيث أيده 42% من المشاركين بينما عارضه 47%.
غير أن هذه التقييمات - وآراء المشاركين حول سياسات محددة - تنقسم بشكل كبير على أسس حزبية، حيث يؤيد الجمهوريون هذا النهج على نطاق واسع، بينما يعارضه الديمقراطيون.
وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن 78% من الجمهوريين والمستقلين المائلين للجمهوريين يؤيدون نهج الإدارة تجاه الهجرة، بما في ذلك 51% يؤيدونه بشدة، في حين يعارضه 12% فقط.
في المقابل، يعارضه 81% من الديمقراطيين والمستقلين المائلين للديمقراطيين، منهم 63% يعارضونه بشدة. في المقابل، يؤيده 9% فقط.
على صعيد الولايات، قاضت نحو 20 ولاية أمريكية الرئيس ترامب، بسبب سياسات الهجرة التي ينتجها، بما في ذلك كاليفورنيا وإلينوي ونيوجيرسي وكولورادو وكونيكتيكت ودلاوير وهاواي وماين وماساتشوستس وميشيجان ومينيسوتا ونيفادا ونيو مكسيكو ونيويورك وأوريجون وفيرمونت وواشنطن وويسكونسن.
وجاء رفع الدعاوي في الأساس بسبب تهديدات إدارة ترامب بقطع التمويل الفيدرالي المخصص لهذه الولايات، والذي يصل إلى مليارات الدولارات، في حال عدم الامتثال لسياسات الهجرة التي تطبقها، بحسب ما أفادت به صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في وقت سابق.