منذ توليه منصبه، اتبع الزعيم الكوري الجنوبي سياسة دبلوماسية دقيقة بين القوى الكبرى في المنطقة، من الولايات المتحدة إلى الصين، والآن اليابان. لكن مهمة " لي" أصبحت أكثر تعقيدًا بعد اندلاع خلاف حاد بين الصين واليابان عقب تصريح أدلت به تاكايتشي مفاده أن أي عمل عسكري صيني محتمل ضد تايوان - الجزيرة الديمقراطية التي تعتبرها بكين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها - قد يؤدي إلى تدخل عسكري من اليابان. ومنذ ذلك الحين، تُكثف بكين ضغوطها التجارية والسياسية على طوكيو، من خلال فرض عقوبات اقتصادية؛ لإجبارها على التراجع عن تصريحها. ذلك فضلًا عن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المتوقعة، واحتدام التنافس التجاري بين الولايات المتحدة والصين. كل هذه التحديات جعلت كوريا الجنوبية محورًا جديدًا في التوترات المتصاعدة بين القوى العظمى.
وبينما تسعى كل من الصين واليابان لكسب ود كوريا الجنوبية، يركز الرئيس الكوري الجنوبي على توطيد العلاقات مع تجنب الانجرار إلى التنافس الأمريكي الصيني أو التوترات الصينية اليابانية، وربما المساهمة في تخفيف حدة التوترات.
براعة "لي" كدبلوماسي، والتي ساهمت في رفع شعبيته في بلاده، ظهرت جليًا خلال زيارته التي استمرت لأربعة أيام إلى بكين، والتي هدف فيها إلى إصلاح العلاقات الثنائية التي توترت في عهد سلفه يون سوك يول. وقد انتهت القمة باتفاق الزعيم الكوري الجنوبي ونظيره الصيني، شي جين بينج، على استعادة قنوات الحوار الاستراتيجي عبر مجموعة من المجالات. وعندما سعى "شي" إلى استمالة كوريا الجنوبية في الخلاف المستمر حول تايوان تجنب "لي" بحنكة التدخل في النزاع، واكتفى بالتأكيد على احترام بلاده لسياسة "الصين الواحدة"، وفقًا لما نقلته وكالة "شينخوا" للأنباء. مؤكدًا أن أن قدرة سُول على التوسط في المصالحة بين جيرانها محدودة. وبعد القمة، نشر " لي" صور" سيلفي" التقطها مع نظيره الصيني باستخدام هاتف ذكي من طراز "شاومي" كان قد أهداه إليه" شي"خلال زيارته الأخيرة لكوريا الجنوبية.

لطالما اتسمت العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان بالتوتر بسبب النزاعات الحدودية حول جزيرة "دوكدو"، المعروفة باسم "تاكيشيما" في اليابان، والمظالم التاريخية العالقة الناجمة عن الحكم الاستعماري الياباني بين عامي 1910 و1945، بما في ذلك التعويضات لضحايا العمل القسري ونساء " المتعة" خلال الحرب. ورغم توقيع اتفاقية التطبيع عام 1965 مع اليابان، إلا أن الخلافات التاريخية استمرت بين البلدين، خاصة مع المواقف المثيرة للجدل لبعض القادة اليابانيين تجاه أحداث الحرب.
لكن خلال القمة التي عُقدت في مدينة نارا اليابانية، غض الجانبان النظر عن القضايا الشائكة، واتفقا على تعزيز التعاون في مجالات عديدة، تشمل التقنيات المتطورة كالذكاء الاصطناعي، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، مثل عمليات الاحتيال الإلكتروني واسعة الانتشار، وتشجيع التبادل الثقافي بين الشعبين. وبينما حثت سُول على ضرورة توسيع نطاق التعاون الإقليمي ليشمل الصين، أكدت طوكيو على ضرورة التقارب مع واشنطن، وتعزيز الشراكة الأمنية بين حلفاء الولايات المتحدة. مما يسلط الضوء على التباين المتزايد في كيفية استجابة البلدين الجارين لنظام إقليمي أكثر اضطرابًا.
وقد اختتمت محادثات القمة بعزف ثنائي على الطبول على أنغام موسيقى البوب الكورية بين زعيمي اليابان وكوريا الجنوبية اللذين ارتدا سترات زرقاء متطابقة في مشهد فريد من نوعه أثار ضجة اسعة على وسائل التواصل الاجتماعي. العرض الذي يعد إشارة إلى ماضي تاكايتشي كعازفة طبول في فرقة موسيقى ميتال أبرز جزء من مساعي " لي" الدبلوماسية تجاه القوى الإقليمية في شرق آسيا.
في هذا السياق، قال الدكتور أحمد عبده طرابيك، الباحث فى الشئون الآسيوية، إن زيارة رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونج إلى كل من الصين واليابان جاءت وسط أجواء عالمية يسودها عدم اليقين والاستقرار؛ لذلك تهدف زيارته إلى البلدين في المقام الأول إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة، خاصة مع علاقات سُول مع بيونج يانج، حيث تمتلك الصين الكثير من الأوراق في هذا الشأن. كما تسعي كل من سُول وطوكيو إلى تهدئة المخاوف في المنطقة حفاظًا على ما تحقق من انجازات اقتصادية، إذ إن أي توترات تنتج عن أي استفزازات لكوريا الشمالية من شأنها تأجيج الأوضاع بشكل قد لا يمكن التنبؤ به.
وأوضح " طرابيك" أن الرئيس الكوري الجنوبي سعى من خلال زيارته للصين إلى تحقيق هدفين، الأول توسط بكين لدى الجارة الشمالية لتخفيف حدة التوتر، من خلال عقد لقاء بين زعيمي شبه الجزيرة الكورية، والعودة بالعلاقات بين البلدين على الأقل إلى فترة الهدوء النسبي بين البلدين، كذلك عودة اللقاءات للأسر الكورية المنقسمة بين شطري شبه الجزيرة في المنطقة منزوعة السلاح على الحدود بين البلدين، ثم البدء في محادثات سلام لإنهاء حالة الحرب مع بيونج يانج. أما الهدف الثاني، فيتمثل في فتح آفاق أوسع للعلاقات الاقتصادية بين بكين وسُول، بما تمثله الصين من ثقل اقتصادي عالمي كبير، خاصة في ظل وجود تصريحات بين الحين والآخر من قبل الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية على صادرات الدول إلى الولايات المتحدة بما فيها الحلفاء والأصدقاء التقليديين لها. أما الصين فترى في تقارب كوريا الجنوبية معها يُعد اكتساب نقاط جديدة في صراعها الهادئ مع واشنطن في الزعامة العالمية، على اعتبار أن سُول لطالما شكلت حليفًا تقليديًا للولايات المتحدة، إلى جانب وجود قواعد أمريكية في كوريا الجنوبية تعتبرها الصين تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وعلى الرغم من إدراك بكين أن التقارب مع سُول لن يصل إلى درجة التحالف القائم بينها وبين واشنطن. ولكن تدرك بكين جيدًا أن أي تقارب مع دول المنطقة، وخاصة حلفاء واشنطن التقليديين "كوريا الجنوبية، اليابان" يعد ذا أهمية كبيرة لها.
وتابع أنه بالرغم من أهمية زيارة الرئيس الكوري الجنوبي إلى الصين، إلا أنه سيكون أمامه الكثير من التحديات في كيفية إدارة عملية التوازن في العلاقات بين الحليف الأمريكي والصديق الصيني على المديين القصير والمتوسط. فكوريا الجنوبية حليف مقرب للولايات المتحدة، المنافس الأكبر للصين بينما بكين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حليف استراتيجي لكوريا الشمالية، العدو الأول لسُول.
كما أكد " طرابيك" أن الزيارة التي قام بها إلى اليابان لا تقل أهمية عن زيارته للصين. فعلى الرغم من أن اليابان ترتبط بشكل عام تاريخيًا بشبه الجزيرة الكورية، ومع كوريا الجنوبية بشكل خاص، بعلاقات ثقافية ودينية وسياسية قديمة. لكن هذه العلاقات يشوبها العديد من القضايا العالقة بين البلدين. لكن في عالم السياسة الذي لا يعترف سوى بالمصالح، فإن سُول وطوكيو يبحثان عن مصالحهما خاصة في ظل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يمكن التنبؤ بقراراته. فما حدث في فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو، وبعد ذلك التصريح برغبته في الاستيلاء على جرينلاند التابعة للدانمارك العضو في "الناتو"، يثير الكثير من القلق لدى الحلفاء قبل الأعداء.