رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. طه علي أحمد يكتب: الشرق الأوسط بين تآكل الردع وضيق الخيارات


28-1-2026 | 13:50

٠

طباعة
باحث في شؤون الشرق الأوسط وسياسات الهوية
يعيش الشرق الأوسط مرحلة دقيقة يمكن وصفها بأنها مرحلة إعادة اختبار للنظام الإقليمي، لا بسبب اندلاع حرب شاملة، بل نتيجة تراكم أزمات متزامنة تعمل في آن واحد وتضغط على منظومات الردع، والتحالفات، وآليات إدارة الصراع. فالمخاطر الحالية لا تنبع من صراع واحد خرج عن السيطرة، بل من هشاشة المشهد بأكمله، حيث باتت أي أزمة مرشحة للتفاعل مع غيرها وإنتاج نتائج غير محسوبة.
في هذا السياق، تبدو المنطقة وقد دخلت ما يشبه "المنطقة الرمادية الاستراتيجية"، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل حالة مستمرة من التوتر المتعدد المستويات، تتآكل فيها قواعد الاشتباك التقليدية، وتتقلص فيها قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الضبط والاحتواء. من أزمات منفصلة إلى منظومة توتر واحدة يتمثل التحول الأهم في المشهد الإقليمي في انتقال الأزمات من وضعها المنفصل إلى وضعها الشبكي، فالاضطرابات الداخلية في دولة محورية، أو التصعيد في ساحة محددة، لم تعد أحداثاً محلية التأثير، بل عناصر في منظومة إقليمية مترابطة. وبشكل عام، فإن هذا الترابط يؤكد عددا من المعطيات والمؤشرات الاستراتيجية في المنطقة، فالضغط الداخلي في إيران ينعكس بدوره على سلوكها الإقليمي، كما أن التصعيد في غزة يؤثر على الاستقرار السياسي في دول الجوار، وعلى صعيد البحر الأحمر، فإن التوتر يتحول إلى قضية اقتصادية عالمية، أما في سوريا فإن عدم الحسم يستمر كأحد المصادر الدائم لعدم الاستقرار. وبهذا المعنى، لم تعد الأزمة تُقاس بحدّتها، بل بقدرتها على الانتقال والتفاعل. إيران بين عقدة الداخل والخارج تشكل إيران اليوم أحد أهم مصادر عدم اليقين الاستراتيجي في المنطقة، فالتحديات الداخلية المتراكمة سواء كانت اقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، تضع النظام أمام معادلة صعبة؛ ما بين تهدئة خارجية لتقليل الضغوط، أم تشدد إقليمي لتعزيز الردع وتحويل الانتباه. وفي هذا السياق، يكمن الخطر الاستراتيجي في أن عدم الاستقرار الداخلي لا يؤدي بالضرورة إلى سلوك أكثر اعتدالاً، بل قد يدفع نحو سياسات خارجية أكثر حدة، خاصة في ظل وجود أدوات نفوذ إقليمي جاهزة للاستخدام، الأمر الذي يعني يجعل البيئة الأمنية المحيطة أكثر تقلباً، ويزيد من احتمالات سوء التقدير لدى جميع الأطراف. غزة مركز ثقل سياسي لا إنساني فقط استراتيجيا، لا يمكن التعامل مع غزة كملف إنساني فحسب، ذلك أنها تمثل مركز ثقل سياسي ورمزي يؤثر في حسابات الردع، وفي شرعية الأنظمة، وفي توازنات التحالفات. وبشكل عام، فإن غياب الأفق السياسي الواضح لغزة يعني أن أي تهدئة تبقى مؤقتة، وأن جذور الصراع تبقى قائمة. وهو ما يجعل غزة عاملاً دائماً في إعادة إنتاج التوتر، وليس مجرد ساحة أزمة عابرة. كما أن استمرار هذا الوضع يضع القوى الدولية أمام معضلة فقدان المصداقية، حيث تبدو عاجزة عن تحويل النفوذ إلى حلول مستدامة. سوريا الفراغ الاستراتيجي المستمر تمثل سوريا مثالاً كلاسيكياً على الفراغ الاستراتيجي حيث لا طرف قادراً على الحسم، ولا طرف راغب في تحمل كلفة التسوية، لكن هذا الفراغ لا يعني الجمود، بل يعني استمرار التآكل البطيء للاستقرار الإقليمي. فالوجود العسكري المتعدد، وتداخل مناطق النفوذ، وتناقض أولويات الفاعلين الخارجيين، كلها عوامل تجعل من سوريا ساحة مفتوحة لإدارة الأزمات لا لحلها. ولذلك فعلى المستوى الاستراتيجي فإن بقاء هذا الوضع يعني استمرار تصدير عدم الاستقرار إلى الجوار، سواء عبر اللاجئين أو التهديدات الأمنية أو الاقتصاد غير الرسمي. إسرائيل ولبنان ردع يتآكل ببطء على الجبهة الشمالية لإسرائيل، يعمل الردع المتبادل تحت ضغط مستمر، فالتصعيد المحدود والمتكرر قد يبدو وسيلة لتفادي الحرب، لكنه في الواقع يزيد من احتمالات الخطأ، ومع كل جولة احتكاك، تصبح قواعد الاشتباك أقل وضوحاً، ويزداد خطر الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا يريدها أي طرف، لكنه قد يجد نفسه فيها. لذك، تكمن الخطورة في أن الردع القائم على إدارة الحافة يصبح أقل فعالية كلما طال أمده دون أفق سياسي. اليمن والبحر الأحمر وتدويل الأزمة محلية لقد أعاد اليمن إلى الواجهة سؤال أمن الممرات البحرية بوصفه جزءاً من الصراع الإقليمي، فالهجمات التي طالت الملاحة الدولية أظهرت كيف يمكن لصراع محلي أن يتحول إلى عامل ضغط اقتصادي عالمي، بما يعكس تحولاً استراتيجياً مهماً، ذلك أن الصراعات في الشرق الأوسط لم تعد محصورة في الجغرافيا السياسية، بل باتت تؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي، ما يزيد من احتمالات التدخل الخارجي، ويعقّد مسارات التسوية. أمام هذا المشهد المعقد، تسعى أطراف خارجية مثل تركيا والولايات المتحدة للعب أدواراً محورية، لكن دون امتلاك القدرة على فرض نظام إقليمي جديد. فأنقرة تتحرك ضمن هامش توازن دقيق بين الأمن القومي والضغوط الداخلية والتموضع الإقليمي، بينما تواجه واشنطن تحديات الإرهاق الاستراتيجي وتعدد الأولويات. وفي هذا السياق، تتمثل أبرز نتائج ذلك في فراغ قيادي نسبي، ففي حين يوجد النفوذ بالفعل، لكنه دون رؤية جامعة قادرة على تحويل إدارة الأزمات إلى مسار استقرار. في المحصلة شرق أوسط في مرحلة انتقالية خطرة بشكل عام، ورغم أن الشرق الأوسط لا يقف على أعتاب حرب شاملة بالضرورة، إلا أنه يعيش مرحلة أكثر تعقيداً؛ إنها مرحلة تآكل الضوابط التقليدية، وتضييق خيارات الاحتواء، وارتفاع كلفة الخطأ. وفي مثل هذا السياق، تصبح الاستراتيجية الناجحة ليست تلك التي تبحث عن الحسم، بل تلك التي تمنع التدهور غير المقصود، وتحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار في نظام إقليمي لم يعد قادراً على تحمّل صدمة كبرى جديدة.