رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«جرينلاند».. رقعة شطرنج تشعل الصراع داخل حلف «الناتو»

20-1-2026 | 15:42

جرينلاند

طباعة
محمود غانم

مسارٌ خطير دخلت فيه العلاقات الأمريكية–الأوروبية، عنوانه جزيرة «جرينلاند»، بعدما فجّرت رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ضمّها — دون استبعاد استخدام القوة — موجة توتر غير مسبوقة عبر الأطلسي، أعادت إلى الواجهة أسئلة السيادة والأمن ووحدة الصف الغربي.

وبين مبررات واشنطن الأمنية ورفض الدول الأوروبية لها، تتحول «جرينلاند» إلى بؤرة صراع جيوسياسي مفتوح في قلب القطب الشمالي.

وعلانية، أكد ترامب أكثر من مرة أن بلاده «تحتاج إلى جرينلاند لأغراض الأمن القومي»، معتبرًا أنها «ضرورية لبناء القبة الذهبية».

في المقابل، تعارض الجزيرة نفسها، إلى جانب الدنمارك ودول أوروبية أخرى، مساعي إدارة ترامب لضم أكبر جزيرة في العالم، بذريعة حمايتها من الهيمنة الروسية والصينية.

وأرسلت دول أوروبية وحدات عسكرية صغيرة وضباطًا إلى «جرينلاند»، استجابة لطلب الدنمارك تعزيز التعاون العسكري المتعلق بالجزيرة.

وعلى إثر ذلك، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 10% على الدول المشاركة، على أن ترتفع إلى 25% بدءًا من يونيو المقبل، في خطوة تؤكد استمرار الضغوط الأمريكية حتى التوصل إلى اتفاق بشأن شراء «جرينلاند».

ويُعد الموقع الجغرافي المركزي للجزيرة في منطقة القطب الشمالي أحد العوامل الرئيسة التي تدفع ترامب إلى «الاندفاع» نحو ضمّها، لا سيما مع ذوبان الجليد وفتح طرق تجارية جديدة في المنطقة.

وفي ظل هذا التباين الحاد بين رغبة ترامب في ضم الجزيرة وحرص أوروبا على حفظ سيادتها، تلوح بوادر انهيار وشيك في علاقة واشنطن مع حلفائها القدامى، ما يهدد وحدة الصف الغربي ويؤثر سلبًا على تماسك حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وربما بقائه.

قضية حساسة

ويرى أحمد العناني، الباحث في العلاقات الدولية، أن أزمة جزيرة «جرينلاند» بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي تمثل قضية حساسة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وعسكرية، وتكشف عن توتر متزايد في علاقات الحلفاء التقليديين داخل حلف شمال الأطلسي.

ويؤكد العناني، في تصريح لـ«دار الهلال»، أن مسألة ضم «جرينلاند» تُعد تدخلًا في السيادة الأوروبية، وتُعتبر خطًا أحمر بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، التي ترى في هذه الخطوة تهديدًا لمصالحها السياسية والاقتصادية.

ويشير إلى أن للجزيرة أبعادًا اقتصادية مهمة، إذ تحتوي على معادن نادرة وممرات استراتيجية حيوية، ما يجعلها هدفًا للولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى لإعادة فرض هيمنتها في ظل تصاعد النفوذ الصيني وصعود قوى جديدة في النظام العالمي.

ويضيف العناني أن الرئيس الأمريكي يسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، رغم التحديات المرتبطة بالطبيعة المتجمدة للجزيرة والحاجة إلى استثمارات ضخمة لاستخراج الموارد.

وعلى الصعيدين السياسي والعسكري، يرى العناني أن احتمالية استخدام القوة العسكرية الأمريكية للسيطرة على الجزيرة ضعيفة، نظرًا لمقاومة الدول الأوروبية، خصوصًا مملكة الدنمارك والدول الإسكندنافية، التي تعتبر «جرينلاند» جزءًا لا يتجزأ من أمن أوروبا.

لكنه يشير إلى أن الضغوط الاقتصادية والتجارية، مثل رفع الرسوم الجمركية على دول أوروبية، تُستخدم كوسيلة من الولايات المتحدة لممارسة نفوذها، ما دفع بعض الدول الأوروبية إلى دراسة ردود مماثلة، وهو ما قد يؤدي إلى حرب تجارية بين الحلفاء أنفسهم.

ويختم العناني بأن تصاعد الأزمة قد يفتح فجوة استراتيجية لصالح روسيا والصين، في ظل ضعف الثقة بين أوروبا وأمريكا وتزايد الخلافات حول المصالح المشتركة داخل حلف «الناتو»، ما يجعل الأزمة — رغم استبعاد المواجهة العسكرية — ذات تبعات اقتصادية وسياسية كبيرة، وتهدد التماسك التقليدي بين الحلفاء الأوروبيين والولايات المتحدة، وتفتح المجال لتنافس القوى العالمية على الموارد والممرات الاستراتيجية في القطب الشمالي.

الأخطر ما في الكواليس

بينما يؤكد الدكتور محمد اليمني، خبير العلاقات الدولية، أن أزمة جزيرة «جرينلاند» بين الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأوروبية تمثل تصعيدًا جديدًا في العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، قائلًا: «كل مرة يدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صدام مع الدول الأوروبية، رغم أن هذه الدول حليفة للولايات المتحدة».

وأوضح اليمني، في تصريح لـ«دار الهلال»، أن «هذا صدام آخر بعد فرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية والحليفة لدى الإدارة الأمريكية»، في إشارة إلى التعريفات التي فُرضت عام 2025.

وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن الأخطر ليس ما يتحدث عنه الرئيس ترامب علنًا، بل ما يدور في الكواليس، وهو ما قد يُنفَّذ، كما حدث مع الرئيس الفنزويلي والسيطرة شبه الكاملة على الموارد الطبيعية، مضيفًا أن هذه الأمور قد تتضح أكثر خلال الأيام المقبلة.

ولفت اليمني إلى أن تصريحات ترامب العلنية تكشف عن رغبته في السيطرة على الجزيرة، وهو ما تكرر على لسانه في الأيام الأخيرة، مؤكدًا أن ذلك يضعنا أمام صدام أمريكي–أوروبي.

وقال: «هناك صدام بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والدنمارك وبريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى من جهة أخرى. والأمر الأهم أن حلف شمال الأطلسي يرى أن الرئيس الأمريكي فرض على الدول الأعضاء الوصول إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، وفي بعض الأحيان يتدخل في شؤون الجزيرة».

وأكد أن العلاقات حاليًا متوترة للغاية بين الولايات المتحدة وهذه الدول، لكن الكلمة والقدرة النهائية تبقيان بيد الإدارة الأمريكية.

وحول إمكانية تراجع ترامب عن أهدافه، كما حدث مع مخطط «غزة.. ريفيرا الشرق الأوسط»، أوضح اليمني أن الأدوات هنا تختلف، مشيرًا إلى أن مصر اتبعت دبلوماسية نشطة وفعالة منذ البداية، مع الإصرار على فتح قنوات اتصال مع الإدارة الأمريكية، ولا سيما الرئيس الأمريكي.

وأضاف أن الدول الأوروبية تمتلك قنوات اتصال، لكنها تواجه تحديًا في التعامل مع الرئيس الأمريكي، الذي لا يقبل أي تعامل إلا من خلال استراتيجيات محددة، نظرًا لطبيعته النرجسية وحساسيته الشديدة تجاه ضغوط الدول الأوروبية.

«الناتو» مهدد

وتثير قضية «جرينلاند» تساؤلات واسعة حول مستقبل حلف شمال الأطلسي «الناتو» ومتانة التزام واشنطن بأمن أوروبا الجماعي، على وقع سياسات أمريكية براغماتية أعادت طرح سيناريوهات التفكك والانسحاب إلى دائرة النقاش مجددًا.

وفي غضون ذلك، يؤكد الدكتور حسام فارق، الخبير السياسي والأكاديمي، أن قضية جزيرة «جرينلاند» كشفت عن عمق التجاذب القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأوروبية، في ظل مخاوف وتكهنات متزايدة بشأن مستقبل «الناتو» واحتمالات تفككه أو انسحاب الولايات المتحدة منه.

وأوضح فارق، في تصريح لـ«دار الهلال»، أن احتمالية انسحاب الولايات المتحدة من حلف «الناتو» ليست مستجدة، بل تعود إلى فترة الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدًا أن هذا الانسحاب قد لا يتم عبر إعلان رسمي، وإنما من خلال تقويض الحلف من الداخل وإضعاف الثقة في الأسس التي قام عليها.

وأشار إلى أن حلف «الناتو» تحالف عسكري يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، أي أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على الحلف بأكمله، وفق ما تنص عليه المادة الخامسة من ميثاق الحلف.

غير أن الولايات المتحدة، بحسب رأيه، تمتلك أدوات عديدة لتعطيل هذا الالتزام دون اللجوء إلى الانسحاب الرسمي المنصوص عليه في المادة الثالثة عشرة من الميثاق، التي تشترط إخطار الدول الأعضاء والانتظار لمدة عام كامل قبل الانسحاب.

وأكد أن الرئيس ترامب تبنّى منذ ولايته الأولى خطابًا يشكك في جدوى الحلف، لا سيما مع إصراره على مطالبة الدول الأوروبية بإنفاق ما لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ملوّحًا بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بهذه النسبة.

وأضاف أن أوروبا تعيش حالة قلق حقيقي من احتمال تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها داخل «الناتو»، خاصة في ظل تصريحات ترامب التي شككت في مصداقية بند الدفاع المتبادل، واعتبرت أنه لم يعد جديرًا بالثقة.

وأوضح فارق أن واشنطن قد تتجه إلى إفراغ الحلف من مضمونه تدريجيًا عبر التشكيك في مبدأ الدفاع الجماعي، ما يؤدي في النهاية إلى تفككه دون إعلان رسمي بالانسحاب.

وفيما يتعلق بقضية «جرينلاند»، أكد أن الأزمة فاقمت التوتر داخل الحلف، موضحًا أن الجزيرة تتمتع بحكم ذاتي وتتبع مملكة الدنمارك، وهي دولة عضو مؤسس في «الناتو»، وبالتالي فإن أي محاولة أمريكية لضمها تُعد اعتداءً على سيادة دولة عضو في الحلف، أي اعتداء من داخل التحالف نفسه.

وأشار إلى أن ترامب يبرر رغبته في ضم «جرينلاند» بحسابات استراتيجية تتعلق بمواجهة النفوذ الروسي في المنطقة، إلا أن ذلك لا ينفي خطورة الموقف، خاصة بعد التصريحات الواضحة لرئيسي وزراء الدنمارك و«جرينلاند» بأن الجزيرة ليست للبيع ولن تختار الانضمام إلى الولايات المتحدة.

واختتم الدكتور حسام فارق مؤكدًا أن سياسات الرئيس ترامب تعكس نهجًا نفعيًا يسعى إلى تغليب المصالح الأمريكية، ولو كان ذلك على حساب القانون الدولي والمنظمات الدولية.

الاكثر قراءة