فى لحظات نادرة من التاريخ، لا يمر الزعيم مرور العابرين، بل يتسلل إلى الداخل، إلى تلك المنطقة التى لا تُرى لكنها تحكم كل شيء: الوعي. جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس جلس على كرسى الحكم فى زمن صاخب، بل كان تجربة كاملة لإعادة تشكيل الإحساس بالذات، تجربة دخلت البيوت، والمدارس، والسينما، واللغة، واستقرت فى العقول قبل أن تستقر فى كتب التاريخ. قد نختلف حوله، وقد نتصالح معه أو نخاصمه، لكن الحقيقة التى لا مهرب منها أن أثره الحقيقى لم يكن فيما بناه من مشروعات، بل فيما أعاد تشكيله داخلنا دون أن ننتبه.
المفارقة أن عبد الناصر كثيرًا ما يُختزل فى صورتين متصارعتين: بطل قومى استرد الكرامة، أو حاكم مستبد قاد إلى هزيمة قاسية. وكلتا الصورتين، رغم صدقهما الجزئى، تفوِّتان الجوهر، الرجل لم يكن مشغولًا فقط بإدارة دولة، بل ببناء إنسان جديد. إنسان يرى نفسه جزءًا من معركة كبرى، يعرف عدوه قبل أن يعرف تفاصيل حياته، ويشعر أن الزعيم ليس شخصًا بعيدًا، بل مرآة لإرادته الجمعية.
فى مصر، بدأت الحكاية من الداخل، فى مختبر واسع اسمه الدولة. التعليم لم يعد نقل معرفة، بل إعادة ترتيب للذاكرة. صيغ التاريخ بعناية ليحكى قصة واحدة: مجد قديم، ثم انكسار طويل، ثم فجر يولد مع الثورة. الطفل لم يكن يتعلم تواريخ وأسماء، بل يتشرب سردية. يتربى على أن حياته الشخصية امتداد لحظة فاصلة، وأن ما قبلها كان خطأ، وما بعدها وعدًا. هنا لم تعد المدرسة مكانًا بريئًا، بل أداة لصناعة الانتماء والولاء.
ومع العقل، كان لا بد من السيطرة على القلب. السينما والإذاعة لعبتا الدور الأخطر. الشاشة لم تكن شاشة فحسب، بل مسرح لصناعة الإحساس. الأفلام قدمت بطلًا جماعيًا اسمه الشعب، وعدوًا واضح الملامح، وزعيمًا حاضرًا فى الخلفية كقدر لا يُناقش. الأغنية لم تكن طربًا فقط، بل شحنة عاطفية. و«صوت العرب» لم تكن إذاعة عادية، بل وطنًا سمعيًا. كانت تخاطب المستمع كأنه تعرفه، كأنها تناديه باسمه، وتقول له: أنت لست وحدك.
لكن دعنى أكون صريحًا، هذا البناء لم يكن قائمًا على الإقناع وحده. خلف المشهد، كانت هناك دولة ظل. جهاز أمنى لا يراقب الأفعال فقط، بل النوايا، والمزاج، والهمس. الخوف لم يكن مجرد عقوبة، بل لغة يومية. الناس تعلمت كيف تزن كلماتها، وكيف تُظهر الولاء قبل أن يُطلب منها. ومع الوقت، يتحول الأداء إلى عادة، والعادة إلى جزء من الشخصية. وهنا يظهر جوهر هندسة الوعي: إنسان يعتقد أنه يختار، بينما هو فى الحقيقة نتاج عملية طويلة من التشكيل.
وحين اكتمل النموذج فى الداخل، خرج إلى الخارج بلا جيوش. خرج كفكرة. «صوت العرب» خلقت أمة تُعاش يوميًا. ملايين العرب، من المحيط إلى الخليج، كانوا يتوقفون عن حياتهم ليستمعوا إلى النبرة نفسها، ويغضبوا فى التوقيت نفسه، ويحلموا بالحلم نفسه. القاهرة صارت مركز الخيال العربى، وعبد الناصر صار صوته العالى. الإذاعة لم تنقل الأخبار فقط، بل صنعت رأيًا عامًا عربيًا للمرة الأولى، وأجبرت أنظمة كاملة على أن تحسب حساب شارع لم تصنعه هى.
الأكثر إثارة أن الفكرة لم تتوقف عند حدود الاستماع، تحولت إلى تنظيمات وحركات. شباب عرب، فى بيروت ودمشق والكويت واليمن، حملوا الخطاب القومى كأنه هوية شخصية. حركة القوميين العرب لم تكن أداة رسمية، بل انعكاس لقوة الإلهام. عملت باسمه، ودافعت عنه، وأحيانًا تجاوزته. وهنا تتجلى خطورة الفكرة حين تنفصل عن صاحبها وتواصل السير وحدها، وحين يصبح الزعيم نموذجًا ذهنيًا يعمل حتى فى غيابه.
ثم جاءت اللحظة التى لا ينساها الوعى العربى. عام 1967 لم يكن هزيمة عسكرية فقط، بل صدمة وجودية، الأسطورة التى بُنيت بعناية تشققت فجأة، الزعيم الذى وعد بالقوة خسر الأرض. الحلم الذى كبر فى الصدور اصطدم بواقع قاسٍ ومهين. هنا ماتت الذات الناصرية التى تشكلت عبر سنوات. شعر الملايين أن كرامتهم أُصيبت فى مقتل، وأن الوعد الكبير انهار دفعة واحدة.
ومع ذلك، حدث ما يبدو غير منطقى. الجماهير التى انكسرت خرجت تبكى الزعيم وتطالبه بالبقاء، المفارقة أن الدموع لم تكن تناقضًا، بل نتيجة طبيعية. حين يندمج الزعيم فى هوية الأمة، يصبح رحيله كأنه إعلان بانتهاء الحلم نفسه. الناس لم تكن تبكيه وحده، بل تبكى صورتها عن ذاتها، وعن القوة التى صدّقتها، وعن المعنى الذى تعلقت به.
ورغم الرحيل، لم ينتهِ الأثر. عبد الناصر بقى فى لغتنا، فى مفردات الكرامة والسيادة والمؤامرة والشعب. بقى فى شكّنا الدائم بالعالم، وفى توقنا المستمر لزعيم يعيد ترتيب الفوضى. بقى فى الإعلام، وفى الخطاب، وفى كل محاولة لاستدعاء بطل داخلى فى مواجهة عدو خارجى. حتى من يرفضه اليوم، يفعل ذلك من داخل الإطار الذى صنعه هو.
جمال عبد الناصر لم يترك لنا إجابات نهائية، بل ترك سؤالًا مفتوحًا ومؤلمًا: كيف يمكن للحلم أن يمنح أمة روحًا، ثم يترك فيها جرحًا لا يندمل؟ كان مرآة لآمالنا، كما كان شاهدًا على خيباتنا. ومهما حاولنا الهروب من ظله، سيظل حاضرًا فى عمق الوعى العربى، لا كذكرى، بل كصوت داخلى يهمس لنا دائمًا بأن أخطر ما يفعله الزعماء أنهم لا يحكمون فقط، بل يعيدون تشكيلنا.