رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«أهل الشر».. الإخوان وإسرائيل يلتقون فى صوماليلاند


15-1-2026 | 15:53

.

طباعة
بقلم: طارق أبو السعد

صديقي القارئ، دعني أنقل لك بعضًا من حيرتي أثناء كتابة هذا المقال هذا الأسبوع؛ فعندما رأيت أن أكتب عن علاقة الإخوان بصوماليلاند، وبعد البحث الدقيق والمراجعة وكتابة المقال مرتين، لم أرضَ عنه. ثم رأيت أن أفضل من يحكي عن الإخوان في «صوماليلاند» هو أحد الذين اقتربوا منهم هناك، فقد حكى لي القصة التالية:

في ليلة شتوية من ليالي يناير 2015، رنّ هاتف المحامي الشهير في منزله، بينما كان يهمّ بالدخول إلى النوم. كان على الطرف الآخر صديق قديم، عضو سابق في مجلس شورى الإخوان، وطبيب شهير في مدينته بالأقاليم. جاء صوته مرتعشًا، يغلّفه الخوف، وقال: أنا في القاهرة، وأحتاج إلى مقابلتك فورًا.

 

فى الصباح الباكر، التقى الطبيب القيادى السابق بالمحامى الشهير، وبدأ يشرح وضعه قائلًا: أنت تعلم أننى تركت جماعة الإخوان بعد قرارهم خوض الانتخابات، أومأ المحامي، المعروف بدهائه القانوني، برأسه موافقًا، تابع الطبيب: الآن أريدك أن تترافع عنى فى قضية اتهامى بالانتماء إلى الجماعة.

لم يوافق المحامى مباشرة، وأبدى تحفظه قائلًا: لكنك اختفيت عقب ثورة 30 يونيو.

ردّ الطبيب: نعم، عندما وقعت الأحداث وتعرّضت للاتهام، كانت لحظة شديدة؛ فقدتُ فيها التفكير الصحيح وضاعت منى البوصلة، وأنت تعرف، قبل أى أحد، أننا تربّينا داخل الإخوان على الهروب والفرار والإنكار، لا على المواجهة، فهربتُ منهم.

سأله المحامى: مفهوم، لكن كيف وإلى أين ذهبت؟

قال: قبيل صدور الاتهام ضدى، وبداية الثورة على الإخوان، وبعد أن قررت إنهاء العلاقة بينى وبين الجماعة، اتصل بى يوسف ندا وقال لى: إذا كان التنظيم المصرى قد ضاق بك ولم يعرف قيمتك، فالتنظيم الدولى يرحب بك. رفضتُ عرض ندا؛ فالانتماء لهذه الجماعة ليس صوابًا، سواء داخل التنظيم المصرى أو التنظيم العالمي. أومأ المحامى الشهير برأسه موافقًا.

استكمل الطبيب قائلًا: لكنك تعرف أنهم بارعون فى العزف على الأوتار الحساسة، فقد قدّم لى عرضًا اعتبرته وقتها مقبولًا، قال لي: إذا لم تكن ترغب فى العمل التنظيمي، فعلى الأقل اعمل فيما تتقنه. فأنت طبيب ماهر، ولديك قدرات إدارية فى إدارة المستشفيات، وهناك مراكز طبية ومستشفيات كثيرة تحتاج إلى من يشرف عليها. ستكون فرصة لتعمل فى ما تجيده، إلى أن تتعرف على وجهتك الجديدة، وفرصة لإدارة عمل فى أمسّ الحاجة إلى خبرتك.

فقال المحامى المخضرم: طبعًا وافقت؟

قال له: نعم، وافقت إلى أن تتضح معالم الأزمة، وكيف ستنظر إليّ السلطات المصرية، وهل سيصدقون أننى تركت الإخوان.

قال المحامى المخضرم ساخرًا: وطبعًا، وحتى تُثبت أنك غادرت الإخوان، ذهبتَ للعمل فى مستشفياتهم؟

صمت الطبيب القيادي، فقد أدرك متأخرًا خطأ قراره.

ساد الصمت إلى أن قطعه المحامى المخضرم قائلًا: أين هذه المستشفيات؟ لا يمكن أن تكون فى أوروبا أو تركيا، فالمستوى الطبى هناك أعلى من قدرات كثير من أطباء الإخوان، والكثير منهم لم ينجحوا هناك.

ابتسم القيادى الإخوانى السابق قائلًا: لن تصدق أين تقع مستشفياتهم المركزية.

قال المحامي: قل.. وسأصدقك.

قال، وهو ينظر إليه بتركيز: فى صوماليلاند.

كان المحامى المخضرم يعرف أن صوماليلاند تقع فى شمال الصومال، ذلك الإقليم الذى نأى بنفسه عن أتون الحرب الأهلية التى تشهدها الصومال منذ عام 1991، ليس بحثًا عن السلام بقدر ما كان بحثًا عن الانفصال.

لكن لماذا صوماليلاند تحديدًا؟ وهى إقليم مشبوه بعلاقاته مع إسرائيل؟ هكذا سأل المحامى مستنكرًا، ولماذا ليس فى دولة من دول شرق آسيا التى بها تواجد إخواني؟

قال الطبيب الإخوانى السابق: هرجيسا، عاصمة صوماليلاند، أصبحت الموطن الثانى للإخوان فى إفريقيا. فكثير من الإخوان الهاربين من مصر منذ عام 2013 توجهوا إليها، ومنهم: عبد الرحمن الشواف، عزب مصطفى، عزت صبري، أمير بسام، عز الدين الكومي، إضافة إلى عدد من قيادات الصف الثانى والشباب. وعلى الرغم من رحيل بسام والكومى عنها لاحقًا، فإن بعض عناصر الإخوان غير المعروفين لا يزالون موجودين هناك.

قال المحامى المخضرم: لكن كيف يصلون إلى هناك؟

قال: كثير من الإخوان، منذ التسعينيات، وهم يعملون فى إفريقيا، لا باعتبارها مجرد ملاذات آمنة، بل كمناطق ارتكاز يمارسون فيها نفوذًا اقتصاديًا يُستخدم فى التمويل. ولا تنسَ أن محمد البحيري، القيادى الشهير والقوى فى التنظيم الدولي، له أتباع كثر جدًا، أوفد بعضهم إلى دول إفريقية مثل الصومال، وجيبوتي، ونيجيريا، والسنغال، ومالي، وموريتانيا، وكينيا، وطبعا إلى السودان.

ثم استكمل الطبيب: ومعروف أن العديد من الإخوان، عقب 30 يونيو، اضطروا إلى الفرار من مصر لإدارة صراع الجماعة مع الدولة من الخارج. فانتقل بعضهم إلى اليمن، وبعضهم إلى السودان، وآخرون إلى ليبيا، لأنها دول جوار وسهلة الوصول، ولو بالتهريب.

هنا أعاد المحامى المخضرم سؤاله: لكنك لم تجبني، لماذا صوماليلاند؟

أشار القيادى الطبيب بيده أن يتمهل قائلًا: اصبر، ستأخذ الإجابة. سأصل إليها، لكن عليك أن تتفهم حالة الفرار والذعر التى اجتاحت الإخوان. فكثير ممن وصلوا إلى السودان، ولأسباب مختلفة، انتقلوا إلى جنوب السودان، ومنها إلى مناطق حدودية مع إثيوبيا، ثم حملتهم الجماعة إلى صوماليلاند.

ثم استطرد قائلًا: كثيرون تم تهريبهم عبر الحدود بالاتفاق مع عصابات التهريب، مستغلين التهديد والتفجيرات التى قامت بها اللجان النوعية، وانشغال الأمن عنهم. تفتكر يا “متر”، من هى الدولة التى تقبل وجود إرهابيين مطلوبين، بلا جوازات سفر ولا أوراق ثبوتية؟ الإجابة معروفة مسبقًا: هرجيسا. لأنها إقليم غير معترف به دوليًا، وبالتالى لا تحتاج إلى جوازات سفر أو إقامات، ولا توجد قنصلية مصرية هناك، ولا يمكن المطالبة بتسليم الإرهابيين. أنت أمام كيان غير معترف به دوليًا لجأت إليه جماعة غير رسمية.

فقال المحامى المخضرم: وطبعًا، هذه بيئة صالحة للإخوان؛ فالصوماليون متدينون بالفطرة، وفى ظل انعدام الاعتراف الدولى بصوماليلاند، يصبح المجتمع الرصيد السحرى للجماعة.

ضحك القيادى الإخوانى السابق وقال: لا يا صديقي، خانك ذكاؤك هذه المرة. هرجيسا مليئة بالنشاطات الاقتصادية الإسرائيلية، والاقتصاد هو كلمة السر فى صوماليلاند. وتابع: الإخوان فهموا هذه المعادلة مبكرًا، فوجهوا أموالهم للعمل فى الأنشطة الاقتصادية الخدمية، وليس المصانع الكبرى أو العملاقة، إنما ركزوا على الجمعيات الخيرية، والمدارس الخاصة، والمستشفيات والمراكز الطبية، وهذه هى أهم أنشطتهم فى صوماليلاند.

أثارت كلمات القيادى الإخوانى السابق حفيظة المحامى المخضرم، فقال: أنت تقول إن هذه الأنشطة الاقتصادية كانت بموافقة إسرائيلية؟

قال: نعم، بشكل مباشر وأحيانًا غير مباشر. فإسرائيل، عبر علاقتها الطويلة بصوماليلاند، لن تسمح بأى أنشطة اقتصادية تنافسها، لكنها سمحت للإخوان فقط، لأن الطرفين يلتقيان فى الغاية: تفكيك الدول العربية، والتوغل داخل المجتمعات من الداخل. وعندما تحين اللحظة المناسبة، يبدأ التفتيت من الداخل. بعد كل هذه الفترة، يا صديقي، لم تعرف أن الإخوان بالنسبة لإسرائيل كنز لا يفنى؛ فالجماعة حليف غير مرئي، تبدو عدوًا، لكنها تحقق لإسرائيل ما لا يحققه لها الأصدقاء.

سأله المحامى المخضرم: ولماذا اختار الإخوان الاستثمار فى المجال الطبي؟

أدرك القيادى الإخوانى السابق أن الحوار أصبح جادًا، فقال: لأن الإجابة عن سؤال لماذا الصحة تكشف أن العقل الإخوانى لا يعمل مستقلاً، بل هناك من يخطط له ويرسم مساره. كنا، ونحن صبية، نظن أن التخطيط للجماعة نابع من عقول القادة، واليوم، وبعد أن اقتربت من صناع القرار، أعلم يقينًا أن مسارات واختيارات التنظيم تُملَى عليهم من مخابرات دول أخرى.

ثم اعتدل فى جلسته وقال بانفعال: اختار الإخوان العمل فى المجال الصحى والاستثمار فيه، أو بالأصح طُلب منهم ذلك، لأن الصحة هى البوابة الأهم من السياسة. فالمجال الطبى فوق الشبهات، لا يثير حفيظة أصحاب الأيديولوجيات أيًّا كانت، ولا يثير شكوكًا أمنية، ولا يتوجس منه المجتمع.

فأكمل المحامي: وطبعًا، من يجرؤ أن يعارض وجود مستشفى يقدم علاجًا لطفل أو لمريض فقير، أو يسقوم بتدريب طبيب؟ ومن يفعل يُدان أخلاقيًا وإعلاميًا فورًا.

أضاف القيادى الطبيب: بل أكثر من ذلك، عندما تخترق مجتمعًا إفريقيًا فقيرًا لا يجد رعاية طبية من سلطاته، فأنت ضمنت ما هو أخطر من الولاء السياسي؛ ضمنت الامتنان. فالعلاج والرعاية الطبية يخلقان مريضًا ممتنًا لمن قدّم له الرعاية، وهذا أخطر من التعبئة السياسية. ثم تابع: المستشفى ليس مجرد مبنى، بل شبكة علاقات ضخمة تبدأ بالأطباء، ثم الممرضين، ثم الإداريين، وأخيرًا المورّدين للأجهزة والمستلزمات الطبية، كما تسمح بقبول التبرعات، التى يذهب بعضها للتنظيم.

هنا استوقفه المحامى المخضرم: تقصد أن الجماعة، فى النهاية، تقدم الرعاية الطبية فى إفريقيا وأرض الصومال لتخلق مجتمعًا موازيًا ناعمًا داخل المجتمع نفسه يدين بالولاء للجماعة دون أن يدري؟

أومأ الطبيب موافقًا وقال: وأكثر من ذلك؛ فالاستثمار فى المجال الطبى الإنسانى يمنح الجماعة، أو من يمثلها، شرعية دولية، فيمكنهم مخاطبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والتمويل الغربي.

وختم حديثه قائلًا: الطب عند الإخوان ليس رسالة إنسانية، بل وسيلة لاختراق المجتمعات. الطب عند الجماعة هو التنظيم الذى لا يُحظَر، ولا يُراقَب ماليًا، ولا يُمنع من السفر، ولا يُصنَّف إرهابيًا.

صديقى القارئ، قد تبدو لك هذه القصة خيالية، لكنها حقيقية جدًا، حدثت قبل أكثر من عشر سنوات، وسمعتها من طرفيها، الطبيب والمحامي، كلٌّ بشكل منفرد.

لكن للقصة بقية لم يذكرها القيادى الإخوانى للمحامى المخضرم. لم يذكر له أن سبب مغادرته هرجيسا كان اطلاعه على اتصالات مريبة بين مستثمرين إسرائيليين ومسؤولين عن المستشفيات هناك، وأنه عندما أبدى استنكاره الشديد، اتهمه عضو مجلس شورى الإخوان المقيم هناك بأنه جاسوس للأمن المصري. لم يقل له إنه اكتشف خيانة الإخوان لأوطانهم، وأنها لم تكن ردّة فعل لعزل مرسي، بل سياسة قديمة لتوظيف الجماعة ضد مجتمعاتها. لم يقل له إنه ندم يومًا على الانتماء إليهم، وأن تاريخه مع الجماعة صفحة طواها ولا يريد أن يتذكرها.

عاد الطبيب إلى مصر، مؤكدًا أنه مستعد لملاقاة مصيره فى السجن خير ألف مرة من البقاء فى تنظيم خائن للقيم والمبادئ.

عاد ولم يعلم أن الاتصالات بين الإخوان وأجهزة المخابرات المختلفة لم تنقطع، وجرت تحت غطاء العمل الاقتصادى فى صوماليلاند، وأن التفاهمات كانت على أعلى المستويات. لم يعرف أن كثيرًا من الإخوان فى إفريقيا حصلوا على جنسيات الدول التى تمركزوا فيها، ولم يعلم أن عناصر الإخوان من اللجان النوعية المسلحة كانت موجودة فى صوماليلاند، حيث لا توجد اتفاقيات تسليم، لأن الإقليم غير معترف به دوليًا.

عاد ولم يعرف أن بعض الأسماء المعروفة إخوانيًا انتقلت إلى أرض الصومال بعد خروجها من مصر، مثل حلمى الجزار ومحيى الدين الزايط، وأن بعض العمال المهنيين انتقلوا إلى هناك أيضًا. لم يعرف أن الإخوان، بعد 2017 وسقوط نظام البشير وفقدان الحماية، أعادوا الانتشار فى إثيوبيا، وجيبوتي، وغينيا، وأرض الصومال. ولم يدرك أن كثيرًا من التنسيقات لم تكن سرية كما يُتصوَّر، وأن ما جرى لاحقًا فى تل أبيب، وتصريحات بعض القيادات، لم يكن معزولًا عن هذا المسار الطويل.

عاد الطبيب الإخوانى مهزومًا، بعد أن تأكد له أن تحالف الاقتصاد الإخوانى مع الاقتصاد الإسرائيلى فى صوماليلاند لا يمكن قراءته باعتباره نشاطًا إنسانيًا معزولًا أو استثمارًا بريئًا فى المجال الطبي، بل هو جزء من مشهد خيانة الجماعة لدينها ووطنها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة