فى البداية دخلت الصين جرينلاند بسيناريو مظلة الأبحاث العلمية للتخلص من مراقبة أمريكا ودول الأطلسى دون صدام مع أحد، ومع مرور الوقت بدأ الحديث عن استخدام جرينلاند إلى بنك معلومات استراتيجى للمستقبل، ومن هنا بدأت الدول المنافسة على نشر قواعدها العسكرية فى منطقة القطب الشمالى وأيضاً الغواصات البحثية بقدرات مزدوجة، وهذا الأمر الذى يحوّل العالم فى القطب الشمالى إلى غطاء عسكرى واتخاذ الجزيرة كسلاح صامت.
وهنا بدأ الخطاب السياسى يتغير شيئاً فشيئا إلى خطاب اقتصادى يجعل الشمال المتجمد يشهد تنافسا جديدا لممرات الطاقة والثروة الكامنة من المعادن النادرة والنفط والغاز؛ وهنا بدأت عقيدة ترامب الجديدة وليست دونرو تفوز نحو ترسيخ تحييد الجميع والتمركز نحو ترسيخ مفهوم جديد جغرافياً وعسكريا يسمح بعودة خرائط القوة الجيواقتصادية الأمريكية للسيطرة على جرينلاند بأى ثمن وأدوات جيوبولتيك القرن الحالى.
إنه عام القلق للحلفاء الأوربيين بامتياز؛ فالصراع على جرينلاند بسيناريو مظلة الحماية الأمريكية والسؤال الكبير لماذا جرينلاند؟!
إنها المنطقة التى بدأ جليدها يذوب وبها 20 فى المائة من الأرض العذبة و30 فى المائة من احتياطى الغاز، بالإضافة إلى المعادن النادرة ورقة الضغط الصينى على أمريكا.
لقد تحول الاقتصاد إلى سياسة، وأصبحت قضية جرينلاند سيناريو جديدا تم غرسه جيداً، وهو شرعنة خلط الأوراق السياسية والاقتصادية، وهذا يذهب بنا إلى السؤال الأبرز: هل يزيد عدد الولايات الأمريكية هذا العام بضم جرينلاند وعليها كندا وفنزويلا وكوبا وكولومبيا والمكسيك؟، والأحلام كبيرة برغم وجود قواعد عسكرية صينية وروسية وأوروبية بهذه المنطقة.
هل نحن أمام مرحلة جديدة من تقسيم العالم؛ فالتنين الصينى وبوتين الروسى يريان فى مسألة جرينلاند مسألة حياة أو موت؛ فالطريق إليها مملوء بالنار والحديد، والجزيرة فى حد ذاتها ترامب على استعداد أن يدفع فيها الغالى والنفيس، وأن يشتريها إن لزم الأمر، ولكن عرضه رفضته الدانمارك، هذه الجزيرة الجليدية التى اسمها الجزيرة الخضراء، ولكن لها قيمة حقيقية، إنها الجزيرة الأكبر فى العالم يغطيها الجليد على مدى البصر، ولكنها قليلة الكثافة السكانية 57 ألف نسمة، تتمتع بحكم ذاتى من 1979 ولها حكومة وبرلمان خاص بها، بالرغم أن لها أعضاء فى البرلمان الدانماركى، وهى جزء من أمريكا الشمالية تبعد عن كندا 16 كيلو مترا مربعا فقط.
الجليد يغطى أكثر من 80 فى المائة من الجزيرة، ودرجة الحرارة حوالى 47 درجة تحت الصفر، وفى حالة ذوبان الجليد بالكامل سيرتفع الماء فى البحار والمحيطات 24 قدما حول العالم ليغرق أو يشرد 600 مليون شخص بفعل ربع هذه الكمية من الجليد المذاب، والجزيرة لديها فحم وزنك وحديد وكثير فى باطن الجليد، والموقع الحائر بين أمريكا وأوروبا قطعة شطرنج ذهبية يطمع فيها كل اللاعبين لأنها تكشف كل اللاعبين.
حقائق الجغرافيا للجزيرة أنها غادرت الاتحاد 1985 الأوروبى ومساحتها 2.166 مليون كيلو متر مربع، وهى بين موسكو وواشنطن وأقصر طريق بين الاثنين لإنشاء قواعد صواريخ من الجانبين، وعندما اشترت أمريكا من قبل ألاسكا حاولت شراء جرينلاند بسيناريو مظلة الحماية الأمريكية؛ لتكون نقطة تمركز لأكبر قاعدة رادارية لأمريكا منذ 1960، بينما الصين وروسيا تجريان تدريبات عسكرية وكاسحات الجليد النووية ومحطات النقل والبحث عن النفط والغاز على السواحل، ومع ذوبان الجليد المستمر.
الصين تساعد روسيا بـ20 مليار دولار فى مشروع الغاز الشمالى؛ لتكون نقطة تمركز محورية للصراع العالمى الذى لن ينتهى، ولعل هذه الجزيرة هى الشرارة الأولى.
وفى نفس الوقت إنه الشرخ الأكبر بين أمريكا والحلفاء الغربيين، وأوروبا ترى أن هناك ضغوطا أمريكية عليها، ويعرّض حلف الناتو للخطر وأن المطامع الأمريكية لن تقف عند هذا الحد، فقد بنى ترامب نظريته لجرينلاند على زخم اعتقال الرئيس الفنزويلى بلغة ترامب التوسعية نحو الهيمنة الأمريكية، باعتبار أنه يستولى على ما يريد دون رصاصة واحدة، وأن الفرصة سانحة وإلا فى نوفمبر 2026 سيخسر الجمهوريون مقاعدهم فى الكونجرس لرجل لا يؤمن بالقانون الدولى أو العدالة الدولية.
فالنمط التقليدى له هى عقيدة دونرو الجديدة الذى رفع من أجلها ميزانية الدفاع أو الحرب الأمريكية إلى 1.5 تريليون دولار فى موازنة 2027 حتى يستطيع الاستعمار التخطيطى.
فهل نحن أمام تقسيم جديد للعالم أو تحولات نحو عالم جديد بنظام وقوانين جديدة؟ وهل فائض القوة أصبح خطرا على الجميع، وهل يعقل أن جزيرة على هامش خرائط العالم تشتعل اليوم ناراً رغم البرودة بفعل فاعل أو المطامع الأمريكية؟، فقد أصبحت الجزيرة فى قلب شهية المطامع الجغرافية فى لعبة عالمية كبيرة سياسية واقتصادية، وفى المقابل يقول الاتحاد الأوروبى الذى يصفه ترامب بالحلف الضعيف إن جرينلاند ليست للبيع وأن حلف الأطلسى اليوم أمام اختبار حقيقى فاصل، فترامب يغلف أطماعه فى جزيرة جرينلاند باسم مواجهة الصين وروسيا، ولكنه الكذب الكبير، فهو ينتقل من منطقة إلى أخرى من فنزويلا إلى جرينلاند بلغة القوة المفرطة الفتاكة التى يتحدث عنها وزير الحرب الأمريكى، فهل أوروبا لديها أدوات الردع الحقيقى والمخاطرة أم أن حديثها كلام فى كلام؟، وستجد نفسها أمام الفك المفترس، فترامب يلوح لهم بترك أوكرانيا لبوتين إذا لم تتركوا لى جرينلاند بسيناريو أكثر شراسة، فهل تبيع أوروبا جرينلاند لترامب أم تقاتل من أجلها وهل لديها أدوات الردع المناسبة؟!.
إننا أمام حالة من الفوضى العارمة يستغلها ترامب بعقيدة جديدة قائمة على الصدمات الاستراتيجية، ويضع الناتو تحت التهديد والوعيد، فهل يزيد عدد الولايات الأمريكية بالاستراتيجية الأمريكية الأمنية الجديدة، وعلينا أن نسأل كل يوم إلى أين يتجه العالم غير المتحضر بالمرة؟، فأين العدالة المفقودة والأمن الدولى؟، ونخاف أن نجد يوما نقول فيه للعالم سعيكم مشكور، ضاعت جرينلاند وأصبحت ضمن ولايات أمريكا عظيمة كما يقول ترامب وعقيدة دونرو الجديدة عقيدة هذا القرن الظالم.