فنزويلا بلد غنى جدا بالنفط، لديها أكبر احتياطى نفطى فى العالم، ما لديها يساوى ما لدى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة معًا، لديها كذلك مخزون ضخم من الغاز الطبيعى، فضلًا عن المعادن النادرة، وفوق هذا وذلك لديها ساحات ضخمة من الأراضى الخصبة والصالحة للزراعة.
إلى جوار هذه الثروة، فإن لديها نظام حكم يميل إلى اليسار، ويرفض الهيمنة الأمريكية، منذ سيمون بوليفار، محرر أمريكا اللاتينية، فى القاهرة ميدان باسمه وتمثال له، ثم هوجو شافيز، ومن بعده الرئيس «مادورو» الذى تم اختطافه من مقر إقامته هو وزوجته أو إلقاء القبض عليه، طبقًا لتوصيف وزير الدفاع الأمريكى، وعومل بطريقة مهينة، تليق بمجرم عتيد وليس رئيس دولة، كان واضحًا أن المقصود أن تكون الإهانة معلنة، أمام الجميع حول العالم، شيء أقرب إلى التجريس فى زمن المماليك.. وقُدم للمحاكمة بتهمة الاتجار وتهريب المخدرات، الجديد هذه المرة هو الأسلوب فقط، أما الإطاحة برئيس حاكم لدولة من الدول الملاصقة للحدود الأمريكية، فلا جديد بها.
وكان واضحًا أن المقصود ليس إسقاط النظام، كما تصور البعض، والدفع بزعيمة المعارضة، التى سبق لها أن طالبت الولايات المتحدة بالتدخل عسكريًا ضد الرئيس مادورو والنظام كله، بل إن الرئيس دونالد ترامب أطلق تصريحًا سلبيًا فى حق زعيمة المعارضة، قال إنها لا تتمتع بالاحترام فى بلدها وبين شعبها، ولعل ذلك الموقف أن يكون درسًا لأولئك الذين يراهنون على التدخل الأجنبى فى بلادهم ويستدعون قوة عظمى للتحكم فى أوطانهم.. هذا فقط مجرد نموذج، سبقته نماذج أخرى، هل نتذكر «أحمد الجلبى» فى العراق سنة 2003، الذى استدعى القوات الأمريكية ودخل معها إلى بغداد، وفى النهاية ألقوا القبض عليه.
والواضح أن الرئيس ترامب منذ أن قام بحلّ وكالة التنمية الأمريكية التى كانت تقوم بتمويل هؤلاء حول العالم، الذين اعتمدت عليهم إدارات أمريكية سابقة، فى الثورات الملونة فى شرق أوروبا، وفى ما عرف باسم «الربيع العربي» فى منطقتنا، الإدارة الآن تعتمد العمل المخابراتى المباشر والصريح.. رأينا ذلك فى فنزويلا، ومارسته إسرائيل فى جنوب لبنان مع حزب الله، وفى طهران وغيرها من المدن الإيرانية أثناء حرب الـ12 يومًا، الصيف الماضى.
أما فى سوريا، نهاية سنة 2024، فحدث ولا حرج، الأمر الذى هيأ الأمور بيسر وسهولة أمام الرئيس الحالى «المؤقت» أحمد الشرع.
فى فنزويلا كانت الأمور أسرع وأوضح، عملية مخابراتية بدأت فى أغسطس الماضى، لاختطاف الرئيس، وقبل العملية بفترة نصح ترامب زميله الفنزويلى بالانسحاب والخروج الآمن، لكنه رفض.
تمت الإطاحة بالرئيس مادورو فقط وتم الإبقاء على النظام، صعدت النائبة، بقرار من المحكمة الدستورية لتحل محل الرئيس.
وبغضّ النظر عن الكثير من التفاصيل حول مَن تورط أو ساعد القوات الأمريكية من الدائرة المحيطة بالرئيس مادورو، استمر النظام من بعده، لكن وفق الشروط الأمريكية، أولها أن تتولى الإدارة الأمريكية إدارة فنزويلا والتصرف فى النفط، وبدأت السفن تتحرك نحو الولايات المتحدة محمّلة بالنفط من فنزويلا، فى اليوم الأول فقط تحركت تسع سفن من فنزويلا.
الرئيس ترامب ذكر أن فنزويلا سوف تقدم لأمريكا من 30 إلى 50 مليون برميل نفط، باختصار صار أكبر مخزون نفطى فى العالم تحت تصرف الإدارة الأمريكية، وعقد الرئيس ترامب اجتماعًا مطلع هذا الأسبوع فى البيت الأبيض مع شركات النفط لبحث التصرف فى نفط فنزويلا مستقبلًا، هذه التطورات، التى افتتح بها العام الجديد، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمنطقتنا.
بالتوازى مع ما جرى فى فنزويلا هناك عملية تصعيد فى المنطقة هنا، إسرائيل تعترف بأرض الصومال، كدولة، وهناك مشاريع تعاون شامل بين أرض الصومال وإسرائيل.. غنى عن القول أن هناك تواجدا نشطا قديما للمخابرات الإسرائيلية فى أرض الصومال، هذا التواجد سوف يصبح شرعيًا أو متفقًا عليه وقد يؤدى إلى تواجد قوات إسرائيلية هناك، ومن هنا يمكن أن تكون المواجهة مباشرة، على الأرض مع الحوثيين، فى اليمن، ولا تتوقف المواجهة على الصواريخ وغارات الطائرات، كما كان من قبل.
فى نفس الوقت هناك تصعيد واضح داخل إيران وتهديد مباشر من الرئيس ترامب بضرب إيران إذا تم الاعتداء على المتظاهرين، الموساد الإسرائيلى وجه خطابًا إلى المتظاهرين فى إيران جاء «فيه نحن معكم على الأرض».
كانت إيران باستمرار تهدد أمريكا بأنها قادرة على إغلاق مضيق هرمز، وضرب سفن البترول؛ أى أنها يمكن أن تتحكم فى النفط الذى تستورده الولايات المتحدة من المنطقة وتعتمد عليه.
كان هذا التهديد يقلق شركات النفط والإدارة الأمريكية، لكن بعد السيطرة على نفط فنزويلا، لم يعد هذا التهديد يمثل أى خطر، هناك بديل يمكن الاعتماد عليه، إذا تأزم الأمر، والمعنى الأعمق أن التصعيد بات دائرًا، دون مخاوف أو قلق على النفط، سوف نلاحظ أنه فى حرب الـ12 يومًا بين إسرائيل وإيران، لم يهدد ترامب إيران، ولما قامت طائرات «ب-52» بشنّ غاراتها على المواقع النووية، وقع ذلك دون تهديد مسبق، وبعدها مباشرة أعلن ترامب انتهاء الحرب ودعا إيران إلى تصدير النفط والبحث عن اتفاق معه، الآن يهدد ترامب إيران بوضوح كامل وبلا مواربة.
والواضح أنه ليس تهديدًا فى الهواء، إذ بدأ الحديث عن إمكانية خروج المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية على خامنئى إلى موسكو، ليكون بجوار بشار الأسد.. فى حرب الـ12 يومًا أعلن ترامب أنهم لن يضربوا المرشد الأعلى فى الوقت الحالى، رغم أنهم يعرفون مقر إقامته السرى، لكن هل جاء الوقت؟ أم هى ضغوط على إيران كى تبدأ فى التفاهم مع الإدارة الأمريكية؟.. سوف نلاحظ أن بعض التسريبات راحت تتحدث عن عدد من الاقتراحات قدمت منذ شهور إلى رئيس فنزويلا بمغادرة البلاد بأمواله وزوجته والاستقالة، طالبه ترامب بالاستقالة لكنه لم يستجِب، فكان ما كان.
هذا التصعيد بين إسرائيل من أرض الصومال والحوثيين من جانب وفى إيران من جانب آخر، يعنى أن منطقتنا هى المستهدف، بل أحد الأهداف الكبرى.
بعيدًا عما يجرى فى مدخل البحر الأحمر وكذلك الحال فى إيران، هناك تصعيد آخر فى سوريا، تابعنا أحداث حلب بين قوات «قسد» وقوات الإدارة السورية.
وتشير العديد من التصريحات إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى حصل فى زيارته الأخيرة إلى البيت الأبيض على الضوء الأخضر من ترامب بمواصلة الهجوم على جنوب لبنان، إذا لم يتم نزع سلاح حزب الله، وهناك كذلك رغبته فى مواصلة الهجوم على غزة تحت ذريعة أن حماس لم توافق على نزع السلاح بعد، رغم أن حماس قدمت عدة مبادرات تؤكد جديتها فى وقف إطلاق النار ودخول المرحلة الثانية من التهدئة.
وهذا كله يؤدى إلى ما نراه، هناك فى المنطقة عملية إحماء لإشعال حرائق كبرى، تشمل لبنان وفلسطين، وإيران ومدخل البحر الأحمر جنوبًا، عمليات الإحماء قد تكون نوعًا من الضغط السياسى فيما يُعرف بسياسة عضّ الأصابع، وربما مع الضغط تحدث تنازلات ومفاوضات، أو يشتعل الحريق.
سياسة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تقوم على ممارسة أكبر قدر من الضغط والتلويح بالقوة الكاسحة، لعل ذلك يدفع الطرف المستهدف إلى تقديم تنازلات، رأينا ذلك مع رئيس كولومبيا بعد ما جرى لرئيس فنزويلا، ولعل ترامب يتوقع ذلك من عدة أطراف فى المنطقة.
مطاردة إيران وأذرعها فى المنطقة، هو بمعنى ما، حصار آخر للنفوذ الروسى، ضعف النفوذ الروسى جدا بسقوط بشار الأسد، وإذا أمكن فتح صفحات جديدة مع إيران بالاتفاق أو التدخل العنيف، فهذا يعنى الاقتراب الشديد من مناطق النفوذ الروسى، وهذا ما يسعى إليه الرئيس الأمريكى.. لنتذكر أن الرئيس مادورو، كانت لديه علاقات قوية مع روسيا ومع إيران.
روسيا من جانبها ليست فى أفضل حال، لديها حرب أوكرانيا، والتسوية مع أوكرانيا فى نهاية الأمر بيد الرئيس الأمريكى، وهذا يعنى أن روسيا ليست فى وضع يمكنها من مساندة حليف لها، أقصى ما تقوم به هو ما فعلته فى سوريا سنة 2024 حيث ساعدت فى الإطاحة بالرئيس الأسد، اتفقت ورتبت مع الشرع، طبقًا لتصريحات الأخير وسحبت فى الوقت المناسب بشار من دمشق إلى موسكو، ليحدث انتقال هادئ للسلطة.
السؤال الكبير: ماذا عنا نحن –هنا– فى مصر؟
كل هذا ليس بعيدًا عنا، بالتأكيد أصداؤه سوف تصل إلينا، الانفجار فى جنوب البحر الأحمر، عند مضيق باب المندب، يمسّ الأمن القومى المصرى، اقتصاديًا قد يؤثر على الملاحة فى قناة السويس، ثم إن الانفجار هنا وهناك، سيتبعه هجرة الأشقاء بالملايين إلى مصر، بما يرهق الاقتصاد المصرى، ويضغط على الخدمات التى تقدمها الدولة للمواطن.
دائرة النار حولنا لا تقف عند حدود غزة وفلسطين ولبنان وسوريا بل تمتد إلى الجنوب فى السودان، حيث الأمور تنذر بخطر أكبر وأكبر؛ إذ إن كل طرف غير قادر على حسم النزاع، وهناك مَن يسعى إلى تفجير الأمور فى السودان، بل تقسيمه، فى ليبيا على حدودنا الغربية، ليس الأمر بهذا المستوى من السوء، لكنه ليس أفضل كثيرًا.
هذه الاضطرابات السياسية تكون لها آثار اقتصادية سلبية، وقد عانينا من ذلك مع أحداث كوفيد – 19، وحريق غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.
وللمرة المائة لا بد من الاعتصام بالدولة الوطنية المدنية، والحرص على بناء مجتمع متوازن ومتماسك، لنواجه التحديات المحيطة بنا، وهى كثيرة.
صحيح أنها تحديات خارجية، فُرضت علينا، بحكم الموقع الجغرافى والدور التاريخى، وتشابك المصالح والارتباطات فى محيطنا ومنطقتنا، ونحن قادرون على ذلك.
وسط كل هذا حققت الدولة المصرية زخمًا سياسيًا شديدًا وعميقًا، مكّنها أن تقود عملية وقف النار فى غزة، العام الماضى، وكان ذلك الملف اختبارًا شديدًا لنا، ثبت فيه للجميع حنكة وقدرة الدولة المصرية على إدارة ذلك الملف مع الأشقاء فى المنطقة، الأمر الذى أجهض ملف التهجير القسرى لأهل غزة، ولا بد أن نحافظ على ذلك الزخم، خاصة أن القادم قد يكون أصعب.
