رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المستقبل.. هل يبقى الإنسانُ إنسانًا؟!

1-1-2026 | 13:34

طه فرغلي رئيس تحرير مجلة وبوابة دار الهلال

طباعة
طه فرغلي

مر الربع الأول من القرن الحادي والعشرين وسط متغيرات متسارعة متلاحقة على المستويات كافة، ما شاهدناه خلال الـ 25 عامًا الماضية منذ سنة 2000 وحتى اليوم كان بمثابة ثورة تكنولوجية هائلة لم تتحقق على مدى القرون السابقة، الآن ونحن على أبواب الربع الثاني من القرن أعتقد أنه بات من المناسب أن نستشرف ملامح السنوات المقبلة، ونكتب عن المستقبل من اللحظة الراهنة التي نقف عليها، ولكن في ظل التطورات السريعة والمذهلة، والتقدم التكنولوجي غير المسبوق هل التنبؤ بالمستقبل واستشرافه عملية سهلة ميسورة بسيطة أم معقدة؟!

في هذا العدد تفتح الهلال مساحة النقاش حول استشراف المستقبل، وكيف يكون شكل العالم خلال السنوات المقبلة، عندما طرحنا الفكرة على الكتاب والمفكرين رحبوا أيما ترحيب، وكان المحور الرئيسي شكل العالم بعد مائة عام من الآن أي في 2126، وهنا توقف عدد من الكتاب عند المدة الزمنية وعدوها فترة كبيرة لا يمكن التنبؤ بها في ظل متغيرات متلاحقة عاصفة وقالوا يكفى أن نستشرف المستقبل حتى عام 2050، بينما ترك آخرون العنان لخيالهم ليستشرفوا حتى مائة عام مقبلة، وتركنا المساحة للفريقين ليرسموا صورة للمستقبل على صفحات الهلال الغراء.

كتب المفكرون الكبار عن المستقبل في كل الملفات السياسية والاقتصادية والعلمية والأدبية والثقافية والفنية، لم نترك مجالا إلا رسمنا صورة مستقبله المتوقع، لكنى توقفت عند سؤال راودنى وألح على ذهنى "في المستقبل.. هل يبقى الإنسان إنسانا".. أعتقد أن هذا هو السؤال المحوري الذى يدور حوله المستقبل.

إذا كان التنبؤ يدور حول أن عالم الغد ستتواصل فيه التطورات التكنولوجية المذهلة والمرعبة وستتحكم فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، وستسير أموره الروبوتات بعد أن تستولي على وظائف البشر، في ظل هذا يبقى السؤال ملحًا، لأننا بصدد مستقبل ستكون فيه الآلة في مواجهة الإنسان.

الخوف كل الخوف أن يصبح المستقبل بلا إنسانية، يٌفرط البشر في إنسانيتهم ويبيعونها على قارعة الطريق، ولهذا إرهاصاته التي نراها الآن ماثلة أمامنا، ومتجسدة في غياب القيم التي قامت على أساسها النهضة الإنسانية منذ أذن الله للإنسان أن يعمر الأرض.

خلال السنوات القليلة الماضية، بدأنا نرى غيابًا للقيم مع سيطرة للمادة، وسيادة التريند، وتحكم السوشيال ميديا في مسار حياتنا اليومية، لم نعد نرى أنفسنا إلا من خلف شاشات مضيئة تعمل ليل نهار بلا توقف، في البيوت والشوارع صارت الهواتف هى التي تقود العلاقات، رسالة على الواتس آب قد تقلب يومك رأسا على عقب، بوست على "فيس بوك" قد يشعل النيران أيامًا متصلة، مقطع فيديو واحد قد يشغل الدنيا أياما وربما شهورًا، سوءاتنا باتت مستباحة أمام العيون، لم يعد للعيب مكان ويتوارى الخجل خلف الجدران.

لا ينكر أحد أن التكنولوجيا لها فوائد، وسهلت الكثير من أمورنا، وفيها منافع للناس، ولكن للأسف إثمها بات أكثر من نفعها.

هل كلما تقدم البشر تراجعت إنسانيتهم؟!، هذا سؤال يحتاج بحثا طويلا، والتقدم الآلى يحمل في مضمونه تقدما ظاهريا، ولكن هذا التقدم لا يضمن الحفاظ على القيم والمبادئ التي تشكل في جوهرها ومجموعها مفهوم الضمير الإنساني، وهو ما يعد أصل كل حضارة أشرق نورها على الدنيا، بدون هذه القيم، وهذا الضمير يصبح التقدم خطرا داهما على الإنسانية.

يتطور العلم بشكل مذهل وتتطور معه آلات القتل والتدمير، حتى أصبح الحديث عن جيوش من الآلات، فينتكس العالم من حيث أراد التقدم، ويفقد العالم ضميره ويقف صامتا عاجزا عندما يستخدم تقدمه في قتل روح الإنسانية.

وهذا شر مستطير فما الذى يجنيه البشر إذا واصلوا التقدم التكنولوجى بينما خسروا إنسانيتهم، وإذا استمر التقدم بهذا الشكل المادى البشع، وساد ضمير الذكاء الاصطناعى على حساب الضمير البشري فالعواقب وخيمة.

ظني أن الإنسانية خلال السنوات القليلة المقبلة بحاجة ماسة ليس إلى استمرار التطور التكنولوجى المذهل فقط، بل تحتاج إلى البحث عن كيفية الحفاظ على ضميرها الإنساني، وألا يفقد الإنسان قيمه التي شكلت ضميره عبر آلاف السنين أمام طغيان المادة والآلة.

البشرية بقدر ما تحتاج إلى استمرار التقدم التكولوجى إلا أن ذلك يجب أن يكون في حدوده التي لا يفقد معها الإنسان روحه وإنسانيته وإلا سنرى في القريب العاجل بشرًا لا صلة لهم بالإنسان وشتان الفارق بين البشر والإنسان.

لا أستسيغ أبدًا أن تحل الآلة والذكاء الاصطناعي مكان الأديب والمثقف والعالم تكتب الروايات وتقرض الشعر، هذا قتل للروح والإبداع في أجل صوره، وهذا ما يجب أن نتصدى له لا أن نساعد على ذيوعه وانتشاره.

رسالة المستقبل يجب أن تكون الحفاظ على الإنسانية، وأن يبقى الإنسان إنسانًا، يعلي قيمة الضمير الإنساني، ويدرك أن مستقبله يكمن في تمسكه بإنسانيته، ولا يسمح بسيطرة ما صنعته يداه على مستقبله.

من الآن يجب أن تدرك الإنسانية أن خطر الآلة داهم، وأنه إذا ترك الأمر على عواهنه دون ضوابط فقد يكون المستقبل لسيطرة الآلة على الإنسان، وحينها سيصبح البشر عبيدًا، لا يملكون من أمرهم شيئا، يبحثون عن التحرر، وربما تندلع ثورات العبيد للتحرر من الآلة.

من هنا فإن سؤال المستقبل الذى يجب أن ننشغل به في مواجهة خطر التكنولوجيا الداهم وفقدان القيم وغياب الضمير.. هل يبقي الإنسان إنسانا؟!

أخبار الساعة