لم تعد أزمة أرض نادى الزمالك فى مدينة حدائق أكتوبر مجرد خلاف إدارى أو سوء تفاهم بين مؤسسة رياضية وجهة حكومية، بل تحولت إلى ملف ثقيل تتقاطع فيه الإخفاقات الإدارية، والتناقضات الخطابية، وشبهات إهدار المال العام، ليجد مجلس إدارة النادى الحالى نفسه فى قلب عاصفة من الاتهامات لا يمكن الهروب منها بالبيانات أو المناشدات، مجلس إدارة الزمالك خرج فى بيان عاطفى يتحدث عن «حلم الملايين»، والقرار المباغت وغير المبرر بسحب الأرض، مدعيًا أن العمل كان قد انطلق بالفعل، وأن النادى بات على بعد أشهر من نقل التدريبات إلى الفرع الجديد، فى محاولة واضحة لتقديم نفسه كضحية، لكن الواقع، وفق الأرقام والوقائع الرسمية، يكذب الرواية البيضاء بالكامل.
حسين السيد، عضو مجلس إدارة نادى الزمالك، قال: أرض نادى الزمالك ستدخل نفق التحقيقات الطويلة، بعد إصدار النيابة العامة بيانها بخصوص أرض النادى، لا سيما أن النيابة العامة أوضحت تلقيها عدة بلاغات حول الأرض، مشيرة إلى أنها باشرت التحقيقات وكشفت عن عدة أمور، منها أن الأرض خصصت لنادى الزمالك منذ عام 2003، وسبق سحبها أكثر من مرة بسبب عدم الجدية فى التنفيذ أو الالتزام بالشروط، وكان آخر سحب لها فى 2020.
«السيد»، أكد أنه منذ أن نال شرف المسؤولية كان وما زال يدرك أهمية مشروع فرع النادى الجديد بمدينة حدائق أكتوبر، باعتباره الحلم الذى تاق إليه الملايين من أعضاء وجماهير ومحبى النادى عبر عقدين من الزمن، فضلاً عن كونه الأمل لتجاوز صعوبات تكاد تمنع النادى من استكمال دوره الرائد، مضيفًا أنه وانطلاقًا من تلك الثوابت بدأ المجلس فور تولى المسؤولية تنفيذ خطة مدروسة لتجاوز كل الصعوبات الهندسية والإدارية والتمويلية».
وأشار إلى أن «النادى تلقى دعمًا حقيقيًا وجادًا من أجهزة الدولة المعنية كافة، وذلك اتساقًا مع سياسة الدولة المصرية فى دعم الرياضة وتحقيق التنمية المستدامة، ثم انطلق العمل والبناء على الأرض بإشراف تام من جهات حكومية وطنية موثوقة وفق أعلى معايير الشفافية والنزاهة، وأصبح النادى على مسافة عدة أشهر من نقل تدريبات جميع الفرق الجماعية إلى الفرع الجديد، وبات الحلم قاب قوسين أو أدنى أن يتحقق، إلا أن الجميع فوجئ بإجراء مباغت وغير مبرر، والذى تمثل فى قيام جهاز المدينة التابع لها المشروع بسحب الأرض فى مشهد صادم وغير مسبوق.
فيما أكد تامر عبدالحميد، نجم الزمالك السابق، أن الأخطر فى المشهد ليس سحب الأرض، بل إصرار مجلس الإدارة على رفض الأرض البديلة، فى وقت تؤكد فيه وزارة الرياضة أنها غير ملزمة قانونًا بمنح الزمالك بديلاً من الأساس، وإنما تفعل ذلك تقديرًا لتاريخ النادى، هذا الرفض لا يمكن قراءته إلا باعتباره عنادًا إداريًا فجًا، أو محاولة لتصدير الأزمة إلى الرأى العام، بدل الاعتراف بفشل إدارة الملف منذ سنوات طويلة، فالتمسك بالأرض الأصلية، دون امتلاك سجل إنجاز حقيقى عليها، لا يبدو دفاعًا عن الحقوق بقدر ما يبدو هروبًا من مواجهة السؤال الأهم لماذا فشلتم؟
وقال «عبدالحميد»: إن الأزمة بلغت ذروتها مع دخول النيابة العامة المصرية على خط التحقيق، بعد الكشف عن بيع نادى الزمالك أجزاء من مبانٍ لم يتم إنشاؤها من الأساس إلى جهات رسمية تعد أموالها أموالاً عامة، وبقيمة تقترب من 780 مليون جنيه مصرى، هنا لم يعد الحديث عن سوء إدارة فقط، بل عن شبهة إهدار مال عام تستوجب التحقيق، وهو ما دفع النيابة إلى ندب لجنة من خبراء الكسب غير المشروع والأموال العامة لفحص أوجه الإنفاق، وبينما يخرج بعض أعضاء المجلس بتصريحات «هادئة» عن احترام الدولة وانتظار نتائج التحقيق، يبقى السؤال معلقًا، كيف سمح مجلس إدارة لنفسه بالتصرف فى أموال بهذا الحجم دون إنجاز مشروع حقيقى على الأرض، وأشار إلى ما يجرى ليس حادثًا منفصلاً، بل حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من الضعف الإدارى، حيث تحول الزمالك إلى نادٍ يُدار برد الفعل، لا بالتخطيط، وبالبيانات، لا بالمشروعات.
نجم الزمالك السابق أوضح أن «إنشاء فرع ثانٍ للنادى حق أصيل، نعم، لكن هذا الحق أُهدر بسوء الإدارة، وغياب الكفاءة، وتراكم الأخطاء، كما وصفها مسؤول وزارة الرياضة نفسه بـ«الكارثية»، مجلس إدارة الزمالك الحالى لا يملك رفاهية لعب دور الضحية، الأرقام ضده، والوقائع ضده.
من جهته أشار المحامى محمد رشوان، خبير اللوائح الرياضية والقانون الرياضى الدولى، إلى أن «تحقيقات النيابة العامة حول أزمة أرض نادى الزمالك يضع مجلس الإدارة الحالى أمام مسؤوليات قانونية وإدارية جسيمة، تختلف فى خطورتها باختلاف ما ستسفر عنه التحقيقات، وبحسب القراءة القانونية، فإن الأزمة لم تعد نزاعًا إداريًا أو خلافًا حول تخصيص أرض، وإنما انتقلت إلى مرحلة وهى شبهة التصرف فى أموال عامة، وتلقى مبالغ مالية تقارب 780 مليون جنيه، وبيع وحدات أو مبانٍ لم يتم إنشاؤها من الأساس، مع استخدام أموال جهات رسمية خارج الإطار الرياضي، وهى عناصر، إذا ثبتت، تخرج الملف من نطاق الرياضة إلى نطاق القانون الجنائى».
«رشوان»، أكد أن «النيابة العامة لا تتحرك بناءً على بيانات إعلامية أو خلافات سياسية، بل وفق مستندات وتقارير فنية، وبالتالى فإن القرارات المتوقعة تمر بمراحل، أولها التحقيق والفحص من خلال استمرار عمل لجنة خبراء الكسب غير المشروع والأموال العامة، مع فحص أوجه الصرف فى العقود المبرمة ومدى قانونية التصرف فى الأموال، ومَن هو المسؤول عن اتخاذ القرار (مجلس كامل أم أفراد بعينهم)، وفى هذه المرحلة لا يتخذ قرارًا عقابيًا فوريًا إلا إذا ظهرت شبهة قوية تستوجب إجراء تحفظيًا، وفى حال وجود دلائل قوية على إهدار مال عام وسوء نية أو تعمد مخالفات جسيمة، فقد تلجأ النيابة إلى استدعاءات موسعة للتحقيق، وهذه الإجراءات لا تعنى الإدانة لكنها إجراءات احترازية لحماية التحقيق».
«رشوان»، أوضح نقطة شديدة الأهمية، وقال: النيابة العامة لا تملك سلطة حل مجالس الإدارات الرياضية مباشرة، لكن فى حال ثبوت مخالفات جسيمة، وصدور قرارات اتهام،أو إحالة للمحاكمة، فإن ذلك يفتح الباب أمام وزارة الشباب والرياضة أو اللجنة الأولمبية المصرية، لاتخاذ قرارات إدارية مثل، وقف المجلس، وتعيين لجنة مؤقتة أو سحب الثقة وفق اللوائح، وأخطر ما فى المشهد ليس التحقيق ذاته، بل الخطاب الإعلامى المتناقض من جانب مجلس إدارة الزمالك الحالى، وهى محاولة تصوير الأزمة كصراع مع الدولة، والتمسك برواية «القرار المباغت» رغم الوقائع الزمنية الممتدة منذ 2003، لكن التحقيقات لا تُدار بالعاطفة ولا بالبيانات، بل بالمستندات والقرارات الموقعة.