يُحسب للدولة المصرية نجاحها فى ترويض طوفان الشائعات، ومحاصرة سيول الافتراءات، وتطويق فيضانات الأكاذيب على مدى أكثر من 12 عامًا متواصلة، ولم يكن بمقدور أى عاصمة أخرى غير «القاهرة المحروسة» أن تصمد فى مواجهة حرب «التزييف والخداع» متعددة المحطات، متتابعة الجولات، متلاحقة الضربات، لأن وعى الشعب العظيم، وثقته فى قيادته السياسية جعلاه يقف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، قابضًا على استقرار وطنه، متمسكًا بوحدة الصف، حريصًا على مواصلة مسيرة التنمية الشاملة، لا تهزّه رياح أباطيلالمتآمرين من الأجهزة الاستخباراتية المعادية، ولا تحركه ادعاءات الحاقدين من أهل الشر ومن لف لفهم الخبيث، وكلما زادت وتيرة التلفيق والتزوير اعتصم المصريون أكثر بالعزيمة الصلبة على حماية البلاد والعباد من شرور هؤلاء الأفاقين، خيب الله مخططاتهم الدنيئة، ومؤامراتهم الحقيرة.
لا يختلف أحد على أن مصر منذ أن نجحت فى هزيمة مخطط الفوضى الخلاقة «الصهيو أمريكى»، وتغلّبت على مكيدة أحداث الربيع العربى بنكهة إخوانية، والتى دمرت دولاً عدة، وخرّبت عواصم مختلفة، وهدّمت بلدانًا شتى، وأخرجت شعوبًا وجيوشًا متتابعة من المعادلة الإقليمية والدولية، ترتب على هذا الثبات المصرى، وتلك الملحمة الوطنية، إصابة الأعداء فى الخارج، وحلفائهم فى الداخل بحالة من الهياج تحولت إلى ُسعار مزمن، ومرض عضال جعلهم يواصلون النباح المستمر، والعواء المتواصل ضد المصريين شعبًا وقيادة وحكومة، فلا تتوقف ماكينة الشائعات الهدّامة عن الدوران، ولا تكلّ الأذرع الإعلامية لهم عن ترويج أحاديث الإفك، ولا تملّ الكتائب الإلكترونية عن نسج الأخبار المضللة، ونشر الصور والفيديوهات المفبركة بغرض الكيد للدولة المصرية، والتشويش على تجربتها التنموية غير المسبوقة فى المجالات كافة، والقطاعات جمعاء، مع تطوير وتحديث قواتها المسلحة درع الوطن وسيفه، ورفع كفاءة منظومتها الشرطية الحارس الأمين على البلاد.
التحالف الشرير، والائتلاف الحقير، والتوافق اللئيم بين الأعداء فى الخارج من الدول الحاقدة والأجهزة الاستخباراتية المعادية مع أهل الشر الراغبين فى العودة للمشهد من جديد بعدما لفظهم الشعب المصرى إلى غير رجعة، دفع الطرفين إلى البحث عن سلاح فتاك وهو الشائعات بهدف النيل من الدولة المصرية، وتحقيق أغراضهم الخبيثة، فالطرف الأول يريد الإساءة إلى سمعة الدولة المصرية ومكانتها لأنه فشل فى إخضاعها بالسياسة، وإملاء الأوامر الفوقية، مما أوقف مؤامرة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وفى مقدمتها الدول العربية، فقد دفنت القاهرة مكيدة تساقط العواصم العربية الواحدة تلو الأخرى، رغم أن المخطط كان يستهدف كل بلادنا، منالمحيط إلى الخليج، وبالتالى تتابع المحاولات البائسة من الصهيونية وكهنتها من الأمريكان والأوروبيين من أجل تكدير الأوضاع فى مصر، وقطع الطريق على استكمال تجربة التنمية الشاملة فى الجمهورية الجديدة صاحبةالقرار المستقل فى كل الملفات وجميع القضايا، من خلال ترديد الأقاويل المزورة، والروايات المحرَّفة عن نقاط القوة المصرية فى كل الملفات من الدبلوماسية إلى الاقتصاد، ومن الصحة إلى التعليم، ومن الزراعة إلى الإسكان، ومن النقل إلى التموين، وهكذا لإرباك المؤسسات الوطنية من جهة، وجعل المستثمرين المقبلين على دخول السوقالمصرى يقعون فى فخ التردد والحيرة.
وهنا تلاقت الأهداف، وتوحدت الرغبات، وتشابكت الوسائل لأن الغاية تُبرر الوسيلة لدى التحالف الشرير بين الأعداء من الخارج والداخل معًا، ووجدت الكيانات الصهيونية ومن على شاكلتها المريبة من القوى الناقمة على الجمهورية الجديدة وقرارها المستقل، وجدوا ضالتهم فى جماعة الإخوان الإرهابية لتقود الهجوم؛ نيابة عنهم بطريقة حروب الوكالة عبر مواقع التواصل الاجتماعى والقنوات التليفزيونية والإذاعات الموجهة، والحقيقة أن قيادات وكوادر التنظيم الدولى للإخوان لهم صولات وجولات مع توظيف الأكاذيب، واستغلال الشائعات ضد أى مخالف للجماعة، والتاريخ يسجّل لهم فى هذا المسار المنحرف سجلات ضخمة، ومجلدات هائلة، وهذا الأسلوب هو عودة لأقدم وسائل الجماعة التى تتقن استخدامها منذ تأسيسها، خصوصًا عندما تشعر بأن قدرتها فى التأثير على أعضائها وعناصرها فى طريقها للتلاشى، وبالطبع هذه المرحلة هى الأكثر انهيارًا فى بنيان التنظيم، والأشد عمقًا فى التراجع، لأن الخسارة فادحة ليس فى الجوانب السياسية والتمويلية، بل افتقادها للظهير الشعبى إلى الأبد، مع وصمها بالإرهاب فى دول شتى، ومهما حاولت بسلاح الشائعات الهدامة لن تعود عقارب الساعة للوراء.
ورغم أن أرقام الشائعات التى تعرّضت لها دولة 30 يونيو بالآلاف، ولم تترك مجالاً إلا طالته، ولم تغفل نجاحًا إلا حاولت تشويهه، ولم تدع إنجازًا إلا قصدت التقليل منه، وفى نفس الوقت تضخيم أى خطأ فردى، وتكبير أى تقصير إدارى، إلا أن كل هذه الأكاذيب لم تفتَّ فى عضد المصريين، ويقفوا لها بالمرصاد، فهم يعلمون أن الكلمة فى حروب الجيل الرابع والخامس تحولت إلى سلاح قاتل، وسم زعاف، ومهما تآمر الحاقدون، وواصلوا الليل بالنهار فى التزييف والخداع لن تنطلى علينا تلك الأراجيف، ولن يقع المواطنون فى مصائد الكذب، وكفى ما حدثلأشقائنا فى اليمن وسوريا وليبيا والسودان، فقد تاهت بلادهم فى طريق غير معلوم، وتفرّقت بهم السبل فى ضروب وعرِة، وشتتهم الانقسام، وفرقهم التناحر، لأنهم انساقوا من البداية وراء دعوات الفوضى، ونداءات العصيان، ونسوا أن الاستقواء بالخارج ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، وأن اللاعبين الأجانب فى الصراعات المحلية لا تشغلهم إلا مصالح دولهم، فلا يقيمون وزنًا لسيادة البلدان، ولا يقدرون قيمة لمقدرات الشعوب، ولن يصلح عطب سفينة تلك الأوطان إلا بجلوس أبنائها على طاولة الحوار الداخلى، وعدم تدخل القوى فى شئونها الداخلية، والحفاظ على مؤسساتها الوطنية.
والأمر المؤكد أن استهداف مصر بسلاح الشائعات لن يتوقف طالما مسيرة البناء فى تواصل، والنجاحات فى تتابع، وهذه سنة الله فى خلقه، وهنا أستشهد بقولة الشيخ الشعراوى ـ عليه رحمة الله ـ، «إذا لم تجد لك حاقدًا فاعلم أنك إنسان فاشل»، وهذا ينطبق أيضًا على الدول كما هو الحال مع الأشخاص، فمصر دولة ناجحة، فهى داخليًا تعمل ليل نهار ووفق خطط محكمة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة لتأمين مستقبل أبنائها، وحتى تكون فى المكانة التى تستحقها بين الدول كما يؤكد دائمًا الرئيس عبدالفتاح السيسى، وفى ذات الوقت تفرض خطوطها الحمراء على الجهات كافة والجبهات جمعاء، وهنا يحضرنى كم الشائعات الرهيب الذى تعرّضت له «القاهرة» خلال حرب غزة الغاشمة بهدف إجبارها على التراجع والاستسلام للمؤامرة الصهيونية بتصفية القضية الفلسطينية، فقد انهالت الشائعات عبر صفحات الكتائب الإخوانية عن قبول مصر بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء مقابل تصفير ديون مصر الخارجية، وعندما رفضت مصر كل الإغراءات، وتصدت لجميع المخططات لإفشال التهجير، انهمرت الشائعات ضد المفاوض المصرى، ثم انفجرت أكاذيب غلق القاهرة لمعبر رفح، مما يمنع وصول المساعدات إلى الأشقاء فى غزة، ورغم حكمة الدولة المصرية وتعاملها الاحترافى مع تلك المكيدة الإسرائيلية تارة بعرض مشاهد طوابير القوافل المصرية المنتظرة أمام المعبر المفتوح 24 ساعة من الجانب المصرى لكن تم تدميره من الجانب الفلسطينى بهجمات بربرية لجيش الاحتلال، وتارة باستقبال الوفود الدولية من وزراء الخارجية الأوروبيين وغيرهم والمسئولين الأممين وعلى رأسهم سكرتير عام الأمم المتحدة، فضلاً عن قياداتالمنظمات الدولية، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية والصهيونية لم ترتدع عن نسج الافتراءات، وصولاً إلى دخول فرع جماعة الإخوان بتل أبيب على الخط، وتنظيم مظاهرات أمام السفارة المصرية، مع تحريك التنظيم الدولى للجماعة لعناصره فى عدة دول من أجل إلصاق التهمة بـ«القاهرة» بشكل فج ومقرف، لأن الحقيقة معروفة علىرؤوس الأشهاد، لكنها المكيدة الإسرائيلية الإخوانية المفضوحة، وفى النهاية كان نصر الله قريبًا، بتوقيع وثيقة وقف الحرب فى مدينة السلام شرم الشيخ، والله يؤيد بنصره مَن يشاء.
ولا أريد الدخول فى دوامة الشائعات الهدارة على المستوى الداخلى لأنها عصية على الحصر، وصعبة على العد، وكلها موثقة بالأرقام فى بيانات المركز الإعلامى لمجلس الوزراء، وفى تزايد من عام لآخر بشكل غريب ومريب، لكنى سأضرب مثالاً بأحدث تلك الأكاذيب، حتى يكون المواطن المصرى على بيّنة من أمره، ويُدرك أن حرب التزييف مستمرة، وعليه مواصلة الحذر الواجب، والتحلى بالحيطة اللازمة، فهؤلاء المتربصون بالدولة المصرية ونجاحاتها لنا غائظون، وفى غيهم يعمهون، ومنها الأكاذيب التى تطارد المتحف المصرى الكبير حتى قبل افتتاحه بغرض إفساد فرحة المصريين بهذا الإنجاز غير المسبوق كأكبر متحف لحضارة واحدة فى التاريخ من جهة، ومحاصرة الزخم العالمى حول المتحف من ناحية أخرى، حتى لا تتدفق ملايين السائحين إليه من شتى العواصم، لأن هذا ترجمته على الأرض زيادة حصيلة مصر من العملة الصعبة مع توفير آلاف فرص العمل، إلى جانب جذب مشروعات عملاقة فى المجال السياحى، وهذا لن يروق أبدًا، ولن يرضى به تحالف الأشرار الراغبين فى وقف مسيرة التنمية المصرية، وبالتالى تتابع الافتراءات الممنهجة، والأنباء المضللة حول حدوث الحرائق فى المتحف الكبير مرورًا بتعرضه للسيول أو تضرره من تسرب الأمطار، مع استخدام الذكاء الاصطناعى والفيديوهاتالمفبركة لإحداث مزيد من التضليل، مع ضرورة لفت الأنظار إلى تورط صفحات سوشيال ميديا وحسابات فى مواقع تواصل مختلفة تبث سمومها من خارج البلاد فى نفس الاتجاه، والأغرب أن بعضها يقوم بالتسويق والترويج لمعالم سياحية فى دول أخرى بالمنطقة، وكل لبيب بالإشارة يفهم.
ويبقى أن نشير إلى أن مواجهة مخاطر الشائعات الهدامة، ومقاومة الأكاذيب المُغرضة، وصد الأخبار المفبركة يحتاج مسؤولية مشتركة بين الحكومة والشعب، فالحكومة مطلوب منها سرعة إصدار قانون حرية تداول البيانات والمعلومات، وأن تراعى خلال طرحه للحوار المجتمعى كل الأبعاد حتى يخرج فى أفضل تكوين لحصار صناع الشائعات، مع توفير كل المعلومات اللازمة لوسائل الإعلام الموثوق فيها، حتى لا يضطر الناس للانسياق وراء الحسابات الوهمية عبر السوشيال ميديا، أما المواطنون فعليهم التدقيق والتمحيص، وعدم الخوض مع الخائضين فى كل ما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعى، والتوقف عن حمّى «اللايك والشير» التى أصابت غالبية رواد السوشيال ميديا.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء.