رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ضرورة استراتيجية.. تنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعى


18-12-2025 | 21:13

.

طباعة
بقلـم: غالى محمد

لا خلاف على أهمية الاستراتيجية التى تتبعها الدولة الآن فى تنويع مصادر الطاقة، سواء التى يتم إنتاجها محليًا أو التى يتم استيرادها.

فمَن يتابع خريطة الطاقة الآن فى مصر، سوف يرصد النمو الكبير فى مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وخاصة الإقبال من الاستثمار الأجنبى فى الطاقة الشمسية، وبشكل يؤكد أنه خلال فترة محدودة، سوف تساهم الكهرباء الشمسية بنسبة كبيرة فى المعروض من الكهرباء، سواء لسد احتياجات السوق المحلى أو للتصدير.

وهذا فى حد ذاته سوف يؤدى إلى تصحيح هيكل إنتاج الكهرباء فى مصر، وخفض الطلب على الغاز الطبيعى اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.

ولا يعنى خفض الطلب على الغاز الطبيعى لمحطات الكهرباء، أنه لن تكون هناك وفرة فى الكهرباء لمشروعات التنمية، بل هذا يعنى أن كافة مصادر الطاقة سوف تكون متاحة فى السوق المصرى، وبشكل يؤدى إلى وفرة كبيرة فى الطاقة خلال السنوات القادمة.

ولا ينفصل هذا على أن تكون مصر مركزاً إقليميًا للطاقة، اعتمادًا على الطاقة الجديدة والمتجددة، ثم الطاقة النووية، وقبل هذا وذاك الوفرة فى الغاز الطبيعى الذى تتنوع مصادره، كأحد أهم استراتيجية الدولة فى تنويع مصادر الغاز الطبيعى أيضًا.

ولعل ما يحدث الآن، يجعلنا نرصد اتجاه الدولة المصرية إلى تنويع مصادر الغاز الطبيعى، خاصة الغاز الطبيعى الذى يتم استيراده، سواء كان عبر الأنابيب أو مسالًا.

والذى يتابع مصادر استيراد الغاز الطبيعى، يستطيع أن يرصد استيراد الغاز الطبيعى من الشرق عبر الأنبوب الذى يأتى من إسرائيل، وفقًا لصفقة تجارية مائة فى المائة بعيدًا عن أى أبعاد سياسية.

وهذا الغاز الطبيعى الذى يأتى من بعض حقول شرق المتوسط الإسرائيلية الذى تشارك فيه شركات أمريكية، لم يأت لمصر، إلا لأهداف اقتصادية فقط، وعدم وجود بدائل لتصديره سوى من المنافذ المصرية التى تعتمد على أنبوب الغاز الذى كان ينقل الغاز المصرى من قبل لإسرائيل.

ولولا هذا الأنبوب، لما أمكن تنمية حقول الغاز الإسرائيلية، وما تم تصديره، ولا ظل الغاز الإسرائيلى فى قاع البحر دون أى تنمية، ولما كان هناك ما يعرف بالغاز الإسرائيلى حتى لو تم التفكير فى تصديره عبر أنبوب بحرى إلى أوروبا، ولا سيما أنه ثبت عدم جدواه، ولا يوجد سوى المنفذ المصرى لتصدير الغاز الإسرائيلى، لتنمية حقوله.

ومن وجهة نظرى، لست ضد استيراد الغاز الإسرائيلى، طالما يتم وفقًا لأهداف وآليات اقتصادية فقط، دون ربطه بأى وسائل للضغط السياسى على مصر لأنه كما سنرى إذا تم إقحام استيراد الغاز الإسرائيلى بالضغط السياسى، فسوف يكون الغاز الإسرائيلى هو الخاسر فى ظل الاستراتيجية المصرية لتنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعى، كما سنرى فى هذا المقال.

وعندما أتحدث عن استخدام الغاز الإسرائيلى كورقة ضغط فى الموافقة على الملحق الإضافى لزيادة واردات الغاز الإسرائيلى مستقبلًا، فلن يضير مصر عدم الموافقة على هذا الملحق وزيادة واردات الغاز الإسرائيلى، لأن الخاسر الأكبر، سوف يكون الغاز الإسرائيلى الذى لن تتم تنميته ويظل فى قاع البحر، لتتكبد الشركات الأمريكية المسئولة عن تشغيل هذه الحقول المزيد من الخسائر.

ولا أقول ذلك كمجرد كلام فى كلام، بل لنرى، ماذا فعلت الدولة المصرية حتى لا تكون واردات الغاز الإسرائيلى هى المصدر الوحيد لاستيراد الغاز الطبيعى.

وبالأرقام، إذا كانت واردات الغاز الإسرائيلى، تصل إلى نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا، خلال فصل الشتاء، فيجب أن نعرف أن مصر لديها مراكب للتغييز، قادرة على استيراد ما يقرب من 3مليارات قدم مكعب فى اليوم.

وهذا الغاز المسال، تتعدد مصادر استيراده من الغاز الأمريكى، وقريبًا الغاز القطرى، وغيره من مصادر الغاز المسال، الذى لا يعرف أى أوراق للضغط السياسى.

ودون لف ودوران أصبح الغاز المسال الذى يتم استيراده عبر مصادر مختلفة، قادرًا على أن يحل محل الغاز الإسرائيلى فى حالة استخدام الأخير كورقة ضغط سياسى على مصر.

وقد نسمع من يقول إن تكلفة استيراد الغاز الطبيعى عبر الأنابيب أقل من تكلفة استيراد الغاز المسال.

لا ننكر أهمية ذلك، لكن علينا أن نرصد ونعرف أن هناك زيادة فى المعروض العالمى من الغاز المسال، أدت إلى انخفاض أسعاره، بمعدلات كبيرة، حتى وصل سعر استيراد المليون وحدة حرارية إلى حوالى 11 دولارًا الآن مقابل 17 دولارًا لتكلفة استيراد المليون وحدة حرارية من قبل.

وهذا يعنى أن الغاز المسال الذى تستورده مصر، سوف يكون الورقة الرابحة التى يمكن الاعتماد عليها كلية فى حالة الضغط بورقة الغاز الإسرائيلى كغاز سياسى، بالمخالفة للقواعد التجارية الحاكمة لاستيراد الغاز من شرق المتوسط، والتى تدفع مصر نحو 800 مليون دولار كل ثلاثة أشهر قيمة استيراده.

وإذا كانت واردات الغاز الإسرائيلى تصل إلى نحو 1.1 مليار قدم مكعب فى الشتاء وأقل من ذلك فى فصل الصيف، فمصر قد أصبح لديها طاقات لاستيراد نحو 3 مليارات قدم مكعب يوميًا من الغاز المسال عبر مراكب التغييز.

وتشير كل التوقعات ومع زيادة المعروض من الغاز المسال فى الأسواق، سوف تواصل أسعاره فى الانخفاض، وبشكل يحد من استخدام الغاز الإسرائيلى كورقة ضغط على مصر، ولا سيما إذا أضفنا الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعى، الذى يصل الآن إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعب، ليكون إجمالى المتاح من الغاز الطبيعى فى مصر دون حساب واردات الغاز الإسرائيلى، إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعب فى اليوم، وهو ما يزيد عن استهلاك مصر، حتى فى ذروة الاستهلاك خلال فصل الصيف.

وإذا أضفنا واردات الغاز الإسرائيلى، فسوف يكون المتاح من الغاز الطبيعى نحو 8.2 مليار قدم مكعب فى اليوم، بينما لا تتجاوز احتياجات مصر فى ذروة الاستهلاك نحو 7 مليارات قدم مكعب فى اليوم.

وإذا أضفنا الطاقات الجديدة من الكهرباء الشمسية، وكهرباء الطاقات الجديدة والمتجددة، سوف يكون لدى مصر فائض من الكهرباء، دون حساب الكهرباء النووية، ليجعل من الغاز الإسرائيلى أقل تأثيرًا فى منظومة الطاقة فى مصر.

وحتى لو لم يزد الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعى بالمعدلات السريعة لأسباب متعددة، فقد أصبح أمن الطاقة مثاليًا، نتيجة تنويع مصادر الطاقة ومن بينها تنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعى.

وعندما نقول تنويع مصادر الطاقة، وتنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعى، فهذا لم يأت مصادفة، ولكن نتيجة الحرص على تحقيق الأمن القومى للطاقة منذ أن تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم.

ولا يمكن أن نتجاهل تحرك الحكومة لتحقيق أمن الطاقة، وعدم الخضوع لأى مساومة أو أى ضغط.

وقد تجلى ذلك فى ملحمة مراكب التغييز، وتوفير الاعتمادات لاستيراد الغاز المسال بكميات كبيرة حتى أصبحت هناك وفرة من الغاز الطبيعى، والسماح لبعض الشركاء الأجانب، بالاتجاه نحو التصدير عبر مشروعات الإسالة فى دمياط وإدكو.

وهناك من يسأل، كيف نستورد الغاز المسال، ونسمح للشركاء الأجانب بتصدر الغاز المسال فى حين يمكن شراؤه وفقًا للاتفاقيات البترولية بأسعار أقل؟.

كما أن السؤال يتجاوز ذلك، بأن الحصص التى يصدرها الشركاء الأجانب، من المؤكد أنها حققت استفادة من المزايا التى قدمها قطاع البترول للشركاء الأجانب، بهدف زيادة عمليات البحث والاستكشاف وزيادة عمليات التنمية، فهل يكون من الأفضل السماح لهم بالتصدير والاستفادة من تلك المزايا؟

حتى الآن لا توجد إجابة من داخل قطاع البترول أو من جانب رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، وعما إذا كان السماح للشركاء الأجانب بالتصدير خلال الشتاء، سوف يزيد من معدلات تشغيل مراكب التغييز، التى ندفع لها إيجارات يومية بالدولار.

وأيًا كانت الأسئلة، وأيًا كانت الاجتهادات، فالأمر يحتاج إلى عملية حسابية من جانب رئيس الوزراء، لتوضح لنا، لماذا نستورد ولماذا نصدر الغاز الطبيعى؟

ما العائد الاقتصادى لمصر، إذا تجاوزنا الرسائل السياسية، التى تقول إن مصر لديها الآن فائض كبير من الغاز الطبيعى، لا يصلح معه أى نوع لاستخدام الغاز الطبيعى، أيًا كان مصدره كورقة ضغط سياسى على مصر، بما فى ذلك الزيادات التى يلوح بها نتنياهو بعدم الموافقة على زياداتها، لتصل واردات الغاز الإسرائيلى الذى سوف يتم تصديره إلى 1.8 مليار قدم مكعب فى اليوم.

فحتى لو حدثت هذه الزيادة، فالمتاح لدى مصر من مصادر الغاز الطبيعى المسال المستورد والإنتاج المحلى من الغاز الطبيعى، فإنه يحقق لمصر كل عناصر الأمان بفعل سياسية تنويع مصادر الاستيراد، دون الاحتياج للغاز الإسرائيلى، إذا خرج عن أهداف الغاز التجارى وحدود الصفقة الاقتصادية.

وفى المقابل هناك تنافس من العديد من الشركات العالمية المنتجة للغاز المسال على التوريد لمصر بعقود طويلة، ولا سيما من جانب الشركات الأمريكية.

كما أبدت الشركات القطرية رغبتها فى توريد الغاز المسال أيضًا، الأمر الذى يعنى أن واردات الغاز المسال، سوف تكون من أهم مصادر الغاز الطبيعى فى مصر.

فى الوقت نفسه، هناك من يرى أن السماح للشركاء الأجانب بتصدير الغاز الطبيعي، سوف يكون حافزًا كبيرًا للعمل على زيادة الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعى، بهدف التصدير، والذى سوف يؤدى أيضًا إلى زيادة الإنتاج للسوق المحلى، ليست بهدف خفض الواردات ولكن زيادة المعروض من الغاز الطبيعى، والذى سوف يزيد من مكانة مصر كسوق إقليمى للطاقة وتجارة الغاز الطبيعى أيا كانت مصادره، بما فى ذلك الغاز القبرصى.

إذن فإن سياسة تنويع مصادر الطاقة وتنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعى، قد جعلت مصر غير قابلة لقبول أى ضغوط سياسية، لأن ما لديها من وفرة، قد جعلها عصية على قبول أى ضغوط.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة