الحديث عن مواجهة الشائعات يذكّرنى بمسرحية ريا وسكينة للعظيمة شادية والكبيرة سهير البابلى والعملاق عبدالمنعم مدبولى، خصوصًا فى مشهد السوق والأغنية (إشاعات إشاعات إشاعات)، عندما أعلن المذيع فى الراديو (صوت الفنان الكبير سعيد صالح) عن عدد النساء المختطفات بعدد أكبر من الحقيقة وسط ذهول من ريا وسكينة فى شكل كوميدى وتأكيد المذيع أنه عنده بيان رسمى، ولتكتمل الأغنية (إشاعات إشاعات إشاعات خربت بيتنا الإشاعات).
ومن المسرحية الكوميدية التى ضحكنا جميعًا منها فى الماضى إلى الكوميديا السوداء التى نعيشها اليوم بسبب الشائعات على السوشيال ميديا ومحاولة الحكومة للتصدى لها، وهنا يجب أن نطرح عددًا من التساؤلات هل الشائعات ظاهرة جديدة على المجتمع المصرى؟
هل هى ظاهرة عالمية أم عندنا فقط؟ كيف يتم محاربة الشائعات؟ وهل هناك خطط واستراتيجيات للمواجهة؟ هل الحكومة قادرة بعمل تقسيم لأنواع الشائعات بمعنى ما هو داخلى بهدف تصديرها للخارج للإساءة لمصر والتشكيك فيها؟ وما هو داخلى ويصدر للداخل فقط لنشر حالة الإحباط وفقدان الأمل بين أبناء الشعب المصرى؟ وما هو قادم من الخارج إلى الداخل بهدف التشكيك وانعدام الثقة بين المواطن والوطن؟ هل تعتقد الحكومة أن البيانات الرسمية كافية للرد على الشائعات؟ وهل تعمل الحكومة استفتاءات للشعب عن مدى ثقة المواطن فى بيانات الحكومة الرسمية؟ هل ترى الحكومة أن العقوبات حتى لو تم تغليظها ستكون رادعة لنشر الشائعات؟
هل تعلم الحكومة أن عقوبة الإتجار فى المخدرات تصل للإعدام؟ ورغم ذلك مازالت التجارة موجودة؟ هل تعى الحكومة دور الصحافة والإعلام فى مواجهة الشائعات؟
أسئلة كثيرة جدًا لا تنتهى ولكن الإجابات عنها بعيدًا عن الشعارات ستساهم فى زيادة الوعى والثقافة عند المواطنين لعدم الوقوع فى فخ الشائعات.
والتساؤل الآن كيف نحمى أنفسنا من الشائعات؟ ولتكن البداية بالاعتراف أن الشائعات ليست ظاهرة جديدة على مصر أو العالم أجمع ولكنها قديمة جدًا منذ آلاف السنين وكانت تُستخدم فى عصور كثيرة وتنتشر أكثر فى وقت الصراعات والحروب كجزء من الحرب النفسية، رغم عدم معرفة العالم لذلك المصطلح فى ذلك الوقت، فنجد مثلاً الشائعات مثل الزئبق الأحمر أو شائعة تسخير العمالقة لبناء الأهرامات، وبعد ذلك أصبحوا كائنات فضائية، وقد تحولت بعض الشائعات إلى جزء من التراث الثقافى مثل (أمنا الغولة) (أبو رجل مسلوخة)، وغيرها من الشائعات التى استمرت لتصبح جزءًا من التراث أو تتحول تلك الشائعات إلى (نكتة) يرددها الشعب للتهكم على الحاكم، خصوصًا أن الحكام العثمانيين والمماليك فى مصر كانوا يستخدمون الشائعات بشكل كبير لضرب مصالح أعدائهم أو المنافسين لهم، وكان هناك أشخاص كل عملهم هو نشر الشائعات كما كان هناك أشخاص آخرون كل عملهم هو الانتشار فى الأسواق لمعرفة أحوال المواطنين وماذا يقولون وهى الوظيفة التى عُرفت باسم (البصاصين) مثل دور الفنان فاروق فلوكس عندما كان كبير البصاصين فى الولاية وكان اسمه (بحلق) فى مسلسل جحا المصرى بطولة الفنان الكبير يحيى الفخرانى وكان له دور محورى فى أحداث المسلسل، وننتقل إلى فترة ظهور وسائل الإعلام المختلفة الصحافة والإذاعة والتليفزيون واهتمام دول العالم بأكمله بالشائعات كحرب نفسية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية نظرًا للدور الكبير الذى قامت به خلال الحرب من قبل وزير الدعاية الألمانى النازى جوزيف جوبلز والتى عرفت فى ذلك الوقت بالحرب النفسية والتى استغلها الألمان وكادت تكون سببًا للنصر ومن أشهر مقولاته:
«اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، وهى تعبر عن استراتيجية الدعاية النازية القائمة على تكرار الأكاذيب حتى تصبح كالحقيقة فى عقول الجماهير.
ومن المفارقات العجيبة أن جوبلز كما صنع الداء كشف عن الدواء عندما قال جملته الشهيرة (كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسى)، فالثقافة هى العلاج الوحيد لمواجهة الشائعات والحروب النفسية الدائرة. لذا لا تتعجب عزيزى القارئ عندما تعلم أن أسطورة الشائعات المصرى صلاح نصر الذى كان الشعب يخاف من مجرد ذكر اسمه قام بتأليف كتاب «الحرب النفسية.. معركة الكلمة والمعتقد».
وصف صلاح نصر الشائعات قائلاً: «إنها سلاح رهيب من أسلحة الحرب النفسية تفتك بمعنويات الشعوب وتهدف إلى شل فكر الإنسان وجعله ينقاد كقطيع الغنم الذى يهيئه راعيه نحو المستقبل المجهول أو ينطق نطق الببغاء الذى يردد ما لا يعقله وما لا يفهمه».
وهذه الكلمات عندما تقرؤها تتذكر على الفور أسلوب جماعة الإخوان الإرهابية مع أعضائها وهو نفس النهج الذى تتبعه لجانها الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعى لترسيخ فكرة أن السوشيال ميديا هى السبب الرئيسى فى نجاح ثورة 25 يناير، وهو اعتقاد خاطئ كشفت عنه السنوات، ولكن للأسف مازال هناك مَن يعتقد بصحة تلك الشائعة رغم مرور 14 عامًا عليها، وهذا الاعتقاد الخاطئ نتيجة عدة أسباب أهمها استمرار ترديدها من اللجان الإلكترونية للجماعة الإرهابية، نظرًا لظهور حالة وعى عند الشعب المصرى فى ثورة 30 يونيو وإفساد مخطط الربيع العربى والذى ساهمت وسائل الإعلام المصرية المختلفة (صحافة وإذاعة وتليفزيون) فى زيادة الوعى والثقافة عند الشعب فى ذلك الوقت، وهو الدور الخطير الذى تحاربه لجان الجماعة الإرهابية ليست هى بمفردها، فلا يمكن أن نغفل حروب الجيل الخامس على مصر من خلال السوشيال ميديا بعد نجاح ثورة يونيو.
واليوم إن كانت الحكومة تريد حقًا مواجهة الشائعات للحفاظ على مصر عليها أن تهتم بنشر الثقافة فى المجتمع والاهتمام بها ليس بالبيانات ولا الشعارات ولكن بخطط واستراتيجيات مهما تكلفت من أموال، لأن العائد منها هو الوعى الجمعى للشعب وهو مكسب لا يقدر بمال، بل على العكس يسهم فى النمو الاقتصادى، وهنا يبرز دور الإعلام والمفكرين فى تحقيق ذلك الهدف، فعندما تجد إعلامًا يتمتع بالحرية وإتاحة المعلومات له بشفافية وليس ببيانات رسمية تُنشر على السوشيال ميديا يتلقاها الإعلامى مثله مثل المواطن العادى، فأين دور الصحافة رغم وجود مندوبين للصحف بكل الوزارات وحتى فى رئاسة مجلس الوزراء، فهل أصبح دور الصحفى أن يحصل على المعلومة من الصفحة الرسمية للوزارة من على السوشيال ميديا؟
على الحكومة أن تراجع نفسها فى أهمية دور الإعلام فى نشر الثقافة، بل وتعمل على زيادة مساحته ودوره فى المجتمع من خلال مزيد من الحرية، وأن تدرس الحكومة الدور الوطنى الذى قامت به وسائل الإعلام المصرى على مدار عقود سابقة فى نشر الوعى والثقافة بين أبناء الشعب المصرى أو دورها فى بسط سيطرة القوة الناعمة المصرية عربيًا وإفريقيًا.