رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. أيمن عامر: «التفكير النقدى والإبداعى» درع حماية العقول


18-12-2025 | 09:43

الدكتور أيمن عامر.. أستاذ علم النفس المعرفى وتنمية الإبداع بكلية الآداب جامعة القاهرة

طباعة
حوار: إيمان النجار

«التفكير النقدى والإبداعى» درع الحماية لعقول الأفراد التى تتلقى كل الأفكار والشائعات، هذا ما أكده الدكتور أيمن عامر، أستاذ علم النفس المعرفى وتنمية الإبداع بكلية الآداب جامعة القاهرة، رئيس رابطة الأخصائيين النفسيين، فى حديثه لـ«المصور»، موضحا أنه «لا دراسة للشائعات إلا فى علاقتها بحجم ما تثيره من أزمات، وأن التفكير الناقد وتكوين العقلية الناقدة وتكوين العقلية الإبداعية، خطوات أساسية فى مواجهة أى شائعات وأى حرب نفسية».

«د. أيمن»، شدد على أن المهم فى مواجهة الشائعات هو تربية وتكوين العقل الذى يستقبل الشائعات، وأن كيفية إدراك الشائعات هو المحدد للسلوك المترتب عليه سواء تصديقها وترويجها أو عدم الانسياق وراءها وتفهم كذبها، مطالبا كل مؤسسات الدولة التربوية، الأسرية، التعليمية، الجامعية والإعلامية بتطبيق هذه التربية العقلية.

كذلك، تحدث «د. أيمن» عن أنواع الشائعات المقصودة وغير المقصودة، موضحا خصائص البيئة التى تظهر فيها الشائعات، واستبعد أن يكون تشديد القوانين حلا فى مواجهة الشائعة، مشيرا إلى أن الحل الأبسط هو بناء وتكوين عقل المواطن، فليس من المهم ما هى الشائعة ولكن المهم كيف يستقبلها المواطن؟

 

الشائعة تصبح أزمة عندما تتحقق فيها ثلاثة عناصر، أن تظهر فجأة فى المجتمع، تُحدث تهديدا، مع ضيق الوقت اللازم، فيجب اتخاذ قرار سريع لإدارتها

 
 
 
 

«د. أيمن»، بدأ حديثه قائلا: الشائعات تعد أحد المصادر الأساسية التى تتسبب فى وجود أزمات، فأحد عناصر إثارة الأزمة هى الشائعة، ولو تذكرنا على سبيل المثال فى فترة اللواء أحمد رشدى وزير الداخلية فى ذلك الوقت أثيرت شائعة بين أفراد الأمن المركزى وكانت تتعلق بتمديد مدة الخدمة العسكرية لمجندى الأمن المركز من ثلاث سنوات إلى أربع سنوات، وانتهت الشائعة بأزمة وبلبلة فى البلد ومظاهرات واسعة فى معسكرات الأمن المركزى وأحداث الشغب وانتفاضة 1986 وانتهت بإقالته، فالشائعة من خصائصها أنها قد تكون مصدرا كبيرا لإثارة أزمات.وأضاف: تحديد ما هى الشائعة وتفرقتها عن غير الشائعة، وبالنظر للمثل القائل «مفيش دخان من غير نار»، نجد أنه توجد شائعات تكون هى بمثابة الدخان، بمعنى أنه يكون لها أصل، وتوجد شائعات لا يوجد لها أصل أو وجود، وظهر حديثا ما يعرف باللجان الإلكترونية، هذه اللجان قد تثير شائعة من أى مكون بسيط كما يحدث مثلا فيما بين الأوساط الفنية، كأن تظهر فنانة تتحدث مع فنان فتنطلق شائعة زواجهما مثلا، أيضا توجد الشائعة المقصودة، فالتعريف البديهى أن الشائعة مقصودة، لكن أحيانا توجد شائعات غير مقصودة وهذه سببها فى الغالب عادات مجتمعية كأن تقال جملة ويتم تضخيمها دون قصد فقط لأن الشخص كثير الكلام ويتضخم الأمر، وبالنسبة للشائعة المقصودة أحيانا تكون بالونة اختبار من شخص ما أو جهة ما، وأحيانا تكون مقصودة لتحطيم شخص ما.

«الشائعات وعلاقتها بالأزمات وإدارتها»، محور آخر تحدث عنه «د. أيمن»، وقال: بالنسبة للمجتمعات توجد أزمات، وإدارة أزمات وإدارة بالأزمات، الأزمة تحدث عندما تتوفر أبعاد مثلث الأزمة، بمعنى أن الأزمة عبارة عن مشكلة أضيف إليها ثلاثة عناصر ونسميها « توابل الأزمة» وهى أولا: الحدوث المفاجئ، ثانيا: المترتب الخطير، وثالثا: ضيق الوقت فى اتخاذ القرار، أى مشكلة يضاف لها الثلاثة عناصر هذه تتحول من مجرد مشكلة عادية إلى أزمة، فعلى سبيل المثال لدينا مشكلة مرورية، وموكب رئاسى فى الطريق للتوجه لمكان معين، وفجأة سيارة توقفت أمام الموكب، فحدثت فجأة وفى نفس الوقت تسبب فى تهديد خطير ولابد من أن القائد يتخذ قرارا سريعا لقرب موعد وصول الموكب، هنا أصبحت أزمة، إذن الشائعة تصبح أزمة عندما تتحقق فيها الثلاثة عناصر، الشائعة تظهر فجأة فى المجتمع، تُحدث تهديدا، مع ضيق الوقت اللازم، فيجب اتخاذ قرار سريع لإدارتها، هذه هى الشائعات المثيرة للأزمات.

رئيس رابطة الأخصائيين النفسيين، انتقل بعد ذلك للحديث عن محور «أسباب الشائعات» قائلا: قد تكون أسبابا مقصودة وأسبابا غير مقصودة، الشائعة المقصودة قد تثيرها لجنة ممن يسمونها «الذباب الإلكتروني» أو «اللجان الإلكترونية» فهل الدول ليس لها لجان؟، الدول أيضا لها لجان إلكترونية، ومتى تلجأ إلى لجانها لإثارة شائعة معينة؟، تلجأ الدول لها فى أمرين، هما إدارة أزمة وإدارة بالأزمة، بمعنى على سبيل المثال فى فيلم «الهروب» حدث مقتل لأفراد فى الجامعة، فأثارت الدولة أزمة بهروب البطل، أحمد زكى، وكان هذا الفيلم يمثل نقلة فنية جماهيرية ليفهم الأفراد الشائعة كيف تصنع ولماذا؟ وهذا ما نسميه إدارة بالأزمات، اللجوء لأزمة للتغطية على حدث آخر، ولا توجد دولة فى العالم لا تلجأ إلى الإدارة بالأزمات لأنها تدير شعوبا كبيرة، ومشكلات كبرى، فممكن موضوع ما يتضخم فتواجهه الدول بخلق أزمة فى ملف آخر أو فى منطقة ثانية، هذا لو كانت مقصودة، أيضا المعارضة تطلق شائعات أيضا وتلجأ لهذا الأمر نتيجة ضغط ما عليها تتجه إلى خلق شائعة مقصودة لإثارة البلبلة، وفى تصورها أنها بذلك تحافظ على أمور تخصها، هذه الأزمات المقصودة التى تسببها الشائعات، أيضا توجد أزمات غير مقصودة تسببها الشائعة، بمعنى أن أحدا يثير شائعة دون أن يقصد من ورائها حدوث أزمة، لكنه ضخم الشائعة وتسببت فى موضوع كبير.

«النتائج المترتبة على الشائعات تختلف حسب حجم الشائعة وارتباطها بإثارة الأزمة» وحسب نوع الأزمة التى ستسببها الشائعة، حسبما أوضح «د. أيمن» الذى أشار إلى أن «هناك شائعات تؤدى إلى أزمة كبيرة كما حدث فى مظاهرات مجندى الأمن المركزى، وتوجد شائعة تحدث أزمة بسيطة، وتوجد شائعات يروجها الفنانون عن أنفسهم لتسليط الأضواء عليهم، وهنا نتعرف على الشائعة المفبركة أن من يثيرها يعلم كيفية إنهائها، وبالتالى الأزمة التى ترتبت على شائعة لو تم حلها بشكل بسيط فتكون شائعة أو أزمة مفتعلة».

وتابع قائلا: بالتأكيد السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعى تلعب دورا فى موضوع الشائعات، لكن إذا كان لها دور فى زيادة سرعة وحجم انتشار الشائعة، فعلى العكس أيضا فى غياب السوشيال ميديا تزيد الشائعات، بمعنى أنه فى حال ظهور شائعة عن ضرر منتج معين، خلال دقائق أيضا يمكن بالسوشيال ميديا إثبات أن المنتج سليم، فى حين قديما كانت الشائعة تظل تمتد وتمتد وتنتشر بين الأفراد دون تصحيح، وهذا على عكس القول إن السوشيال ميديا تثير الشائعات، وبتحليل الوضع نجد أن كثيرا من الأفراد تغيرت طريقتهم فى تلقى ما يعرض بالسوشيال ميديا.

«د. أيمن»، انتقل بعد ذلك للحديث عن «مواجهة الشائعات» قائلا: فى جامعة القاهرة شرفت أن أكون ضمن هذا المشروع، وأعددت كتابا بعنوان «التفكير النقدى _ critical thinking»، فلندع السوشيال ميديا تقدم ما تريد، ولكن فى المقابل لا بد من تكوين عقل ناقد للأفكار التى تقال وتعرض، وفى لقطة تاريخية قرر رئيس الجامعة السابق الدكتور محمد عثمان الخشت أن يكون هذا الكتاب مقررا على جميع طلاب الجامعة، وتبنى المشروع، وكان يهدف إلى أن يسود التفكير النقدى لدى الطالب، وبالتالى لا يهم محتوى الخبر المثار أو الشائعة ولكن المهم وجود عقلية ناقدة تستطيع الفهم والمواجهة.

وتابع: بالتالى يجب من خلال الإعلام تكوين عقل ناقد، ويتكون هذا العقل الناقد بشكل غير مباشر من خلال التعرض الزائد للسوشيال ميديا، يتكون لدى الشخص حس بأن الخبر صحيح أم خطأ، كذلك لا بد من العمل على خلق هذا العقل الناقد من خلال تدريس التفكير الناقد، أيضا التفكير الإبداعى، أن يكون لدى الشخص تفكير إبداعى، والتفكير الإبداعى بالنسبة للشخص يسمى بالنسبة للمجتمعات ديمقراطية، وفى المجتمع الديمقراطى الأفراد لا يتعاملون مع السوشيال ميديا على أنها تعرض معلومات جادة وكلاما جادا، ولكن على أنه كلام لا يزال قابلا للنقد والتفنيد ومن ثم إخماد الشائعة.

«أهمية الوعى فى مواجهة الشائعة» تحدث عنها رئيس رابطة الأخصائيين النفسيين، قائلا: الوعى كلمة عامة، ويقابلها الـ «التفكير النقدى _ critical thinking» بمعنى أن يكون لدى الشخص تفكير نقدى وتفكير إبداعى، فالتفكير النقدى والإبداعى هما الحماية لعقول الأفراد التى تتلقى كل الأفكار، وبالتالى نحن نحتاج إلى عقل ناقد ومبدع نربيه فى المدارس، فى الجامعات وفى البيوت، فالمؤسسات التربوية عليها أن تدعم التفكير الناقد لدى أبنائها، وفى المقابل لا بد من مواجهة ظواهر أخرى، بمعنى أنه كيف أكون عقلا ناقدا وتوجد مفسرة أبراج، ففى الوقت الذى يتم تربية الطفل والشباب على العقل الناقد تأتى مفسرة أبراج تقول له لا تتزوج من برج كذا وكذا، أو الحديث عن السحر وأنواع العلاجات الغريبة وأى أنواع تسلط تجعل الفرد يوافق على ما يقال ويردد الشائعة، تيارات دينية متشددة تروج شائعة معينة فيتقبلها الأفراد بدون عقل ناقد، ويتم تدريبهم على عكس التفكير الناقد، أن يسمع ويصدق ما يقال دون التحقق منه ودون مراجعة، هذه فئة، والفئة العكسية أيضا فمنع حرية الرأى فى مجتمع معين سيؤدى إلى سماع ما يقال وتوفيق الفهم عليه، كل هذه الظروف التى تظهر فيها الشائعات وتنتشر فى بيئة غير ناقدة وأفرادها لا يفكرون بشكل نقدي.

وتساءل «د. أيمن»، هل تكون المواجهة بالقانون؟، ليجيب: بالنظر إلى انتشار المخدرات نجد أنه بعد تشديد القانون زاد التعاطى ولم يقل، وبالتالى فلماذا مواجهة الشائعات بالقانون طالما لدينا موجهة أبسط وهى تكوين وخلق عقل ناقد لدى الأطفال والشباب والأفراد، فتفكير ناقد وتفكير حر، فالإبداع نعرفه بأنه القدرة على التفكير الحر أو التعبير الحر والسلوك الحر، وتحقيق الثلاثة يعنى وجود تفكير ناقد بجانب التفكير الإبداعى أكون كونت مواطنا، ليس من المهم ما هى الشائعة؟، المهم كيف يستقبلها المواطن؟.

وأكمل: لدينا قاعدة العلاج المعرفى السلوكى، وتعنى أن الأفكار هى التى تحدد سلوك الفرد، إدراكه لما يقال هو المحدد للسلوك، فهل يدركها الشخص بتفكيره الناقد شيء غير هام وكاذب أم يدركها بكونها حقيقة، فالحل ليس فى تشديد القانون لأن التشديد معناه منع حرية التعبير، فى حين أن حرية التعبير والتفكير الناقد والإبداعى هو المنقذ، فالمهم تربية وتكوين العقل الذى يستقبل الشائعات وأن كيفية إدراك الشائعات هو المحدد للسلوك المترتب عليه سواء تصديقها وترويجها أو عدم الانسياق وراءها وتفهم كذبها.

«د. أيمن»، لم يغفل كذلك الحديث عن الشائعات والحرب النفسية، حيث أوضح أن «إسرائيل تعتبر هُزمت فى حربها على غزة رغم أنها أبادت شعب غزة، لأن إعلامها الذى عمل طول الوقت فى الحرب النفسية أنها الأقوى ومعتمدة على نفسها والأكثر ديمقراطية فى الشرق الأوسط والأفضل فى أمور أخرى، جاءت حرب غزة وألغت كل هذه الأساطير، فكانت تركز على الحرب النفسية على العرب، فى 73 قالوا عن أنفسهم إنهم الجيش الذى لا يقهر وهكذا، فالحديث عن الحرب النفسية السائدة فى المنطقة، يتطلب الإجابة عن تساؤل منْ يثير الحرب النفسية؟ منْ هم أعداؤنا حاليا؟، هل داخليون وهل ممكن عناصر من الشعب كما يحدث فى سوريا والسودان؟، أم عدو خارجى، فلو أنها حرب نفسية داخلية يجب إخمادها، فمصر منذ الملك مينا حتى الآن دولة واحدة دون تقسيم داخلى، فلا مجال لأى أمور تثير تقسيمات داخل البلد، ولو أنها حرب نفسية خارجية، فالشعب المصرى لا يقبل أى فكرة ضد بلده، وفى الحالتين الحرب النفسية الداخلية أو الخارجية فالتفكير الناقد، العقلية الواعية، التعليم وتكوين عقلية قادرة على مواجهة ما تقرؤه أو تسمعه أو تراه هو طوق الحماية من خطر الشائعات، فالشائعات تستخدم فى الحرب النفسية ولها تأثير كبير وهى إحدى أكبر الأدوات القوية التى تستخدم فى الحرب النفسية.

وأضاف: كل فترة تظهر على الساحة شائعة جديدة بغض النظر عمن وراءها، وكيفية التعرف عليها وتصنيفها بكونها شائعة عندما يتم حلها من قبل مصدرها، فبعد فترة من رواجها يخرج يعلن التفسير أو التصحيح.

واختتم «د. أيمن» حديثه قائلا: لا دراسة للشائعات إلا فى علاقتها بحجم ما تثيره من أزمات، وأن التفكير الناقد بمعنى فحص الأفكار التى تطرح والتحقق من مدى صحتها وخطئها وتكوين العقلية الناقدة وتكوين العقلية الإبداعية، والإبداعية بمعنى أن لديها حرية تفكير وحرية تعبير وحرية سلوك، بهذا الأمور نستطيع مواجهة أى شائعات وأى حرب نفسية، وأثبتت البحوث العلمية أن المعرفة هى التى تتحكم فى إدراك الفرد والإدراك يتحكم فى سلوكه، وبالتالى إذا تم تصحيح طريقة الإدراك سيتم تصحيح طريقة السلوك، وبالتالى على كل مؤسسات الدولة التربوية، الأسرية، التعليمية، الجامعية والإعلامية أن تحاول الابتعاد عن الدجل ومحاولة التأكيد على المعانى العقلية والمنطقية والناقدة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة