رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سر الغرفة رقم 13.. وأباطيل «الإرهابية»


18-12-2025 | 09:36

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

لم يكن أحد يعرف أن فى الطابق الرابع من المبنى الرمادى على أطراف مدينة أوروبية ـ غرفة صغيرة تحمل الرقم (13)، غرفة بلا نوافذ، ضوؤها أصفر باهت، وأصوات من فيها لا تتجاوز جدرانها، تتشابك أسلاك شواحن الهواتف مع شواحن الحواسب الرقمية، لكنها كانت بطريقة ما أعلى صوتًا من عشرات المنصات الإعلامية، ففى هذه الغرفة بدأت قصتنا، قصة الإخوان وصناعة الشائعات.

 
 

حين توقّف الزمن داخل الجماعة

فى 30 يونيو 2013، أخرجت مصر الجماعة الإرهابية من الواقع المصرى السياسى والاجتماعى والعمل العام، لكن فى نهاية عام 2022، خرجت الجماعة من التاريخ وفقدت الزمن، كان المشهد داخل التنظيم كئيبًا؛ التفكك بات واضحًا، وكثير من الدول العربية والإفريقية وأمريكا اللاتينية أصبحت تُصنّف الإخوان جماعة إرهابية، شحّت الأموال، وانقسمت القيادات، وأصبحت الوعود القديمة بالعودة مجرّد مادة للسخرية، وفى ليلة شتوية، جلس ثلاثة من أعضاء التنظيم أمام طاولة صغيرة، قال أحدهم بصوت خافت: يجب أن نقر بالهزيمة وأننا لم نعد نملك الفرصة للعودة ثانية، ودعونا نبحث عن بدائل، رد عليه قيادى أكثر شبابًا منه، إذا كنا فقدنا التنظيم والفرصة للعودة، فإننا لم نفقد القدرة والسيطرة على عقول أفرادنا، صحيح ماعندناش تنظيم لكن عندنا صفحات، يمكنها أن تضعنا على الطريق.

كانت تلك أول مرة يعترفون فيها بما يعرفه الجميع ويهربون منه، طاردتهم الحقيقة وصرخت فى وجوههم «الإخوان خسروا وفقدوا نفوذهم»، لم يعد لهم حزب ولا دولة تناصرهم، ولا شارع ينتظر خطابهم، لم يعد لهم إلا صفحات وهمية ولجان إلكترونية، وهنا وُلدت فكرة الحرب النفسية على المصريين.

فى صباح اليوم التالى، داخل الغرفة رقم (13)، جلس شاب فى العشرينيات يدعى «م .ه» لم يقرأ كتابًا سياسيًا من قبل، لكنه يجيد التعامل مع الميديا، فتح اللاب توب، وبحث عن صورة قديمة لمشهد زحام فى مدينة آسيوية، ثم كتب عليها: اليوم فى القاهرة الوضع يخرج عن السيطرة ثم ضغط «نشر».

لم يكن يحتاج إلى أكثر من عشر دقائق حتى انهالت علامات الإعجاب والتعليقات وارتفعت مشاركة الصورة، وبعد ساعة انتقلت الشائعة إلى مجموعات أخرى، فى أماكن متباعدة، وبعد ثلاث ساعات، خرجت قناة إخوانية لتناقش الصورة كأنها حقيقة مؤكدة، وبعد خمس ساعات، بدأ التريند يجتاح السوشيال ميديا.

جلس الشاب منبهرًا بما صنع، جاءه اتصال من مسؤول المجموعة، قائلًا: «تمام يا (م. ه) الله ينور نكمل بعد المغرب» هكذا، وبكل بساطة، ولدت شائعة، وبدأ دورة حياتها على يد الجماعة الإرهابية، من صنعها لا يشغله منطقيتها أو سخرية البعض منها، المهم عنده انتشارها وأنها أصبحت حديث الناس، بعدها بأشهر قليلة وفى غرفة أخرى، داخل شقة ضيقة فى مدينة آسيوية غير عربية، كانت مجموعة القيادة التاريخية تجتمع، تحدث أحدهم قائلًا: «نحتاج أن نستمر فى عمل اللجان الإلكترونية بأى ثمن، حتى لو بالكذب».

لم يعد هدفهم إسقاط الدولة المصرية، فهى لم تسقط أمام هجمات أشد وفى ظروف أصعب وأكثر تعقيدًا، ولا حتى إعادة مشروعهم إلى الحياة، فقد مات ولفظه المصريون وسخروا منه، إنما الهدف الآن رفع الروح المعنوية لعناصرهم المنهارة، والحفاظ على حبل التنظيم الممتد بينهم، ولا وسيلة يملكونها الآن إلا الشائعات حتى لو لم يصدّقها أحد، يكفى أن يصدّقها الإخوان، فقد أصبحت الشائعات إدمانا يهربون إليه ليغيبوا بعيدًا عن الواقع المؤلم.

ماكينة الأكاذيب

كانت الشائعات تُصمَّم بدقّة وتُطلق كالسهام فى توقيتات محسوبة، فعند ارتفاع أسعار أى سلعة، يطلقون شائعة انهيار الاقتصاد، وعند افتتاح أى مشروع قومى جديد، يطلقون سلسلة شائعات مثل: ما جدوى المشروع، أو أن ثمة فشلا فى التنفيذ، ولو كانت مناسبة وطنية فسيطلقون شائعة عن غضب شعبى جارف، كل المطلوب إحداث ضوضاء تجعل الناس تتساءل ليس لأنها صدّقت، بل لأن الضوضاء نفسها أصبحت هدفًا.

ومع مرور الشهور، بدأت الشائعات تتكرّر بالشكل نفسه والأسلوب ذاته، لم يجددوا فى الحسابات الوهمية ولا فى المحتوى، وبدأ تأثير الغرفة رقم 13 يضمحل، أسقط فى يد القيادات الإرهابية، فها هو فشل جديد يطل عليهم، لم يعودوا قادرين على إقناع جمهورهم نفسه، أثار تعليق لأحدهم «يا جماعة كل يوم نفس الكلام أنتو مش مكسوفين»، انتبه قائد اللجنة الإعلامية التى تتبعه اللجان الإلكترونية لحجم المأزق، عقد اجتماعا عاجلا لوضع تصور جديد لعمل اللجنة، وقدموا أوراقًا لتطوير العمل، لكن جاءهم من خارج التنظيم نصيحة مخابراتية ليس أمامكم غير الاستمرار فى بث الشائعات ليس لإسقاط مصر، بل لإطالة عمر تنظيم يحتضر.

اليوم لو مررت على السوشيال ميديا، قد تظن أن الإخوان عادوا، لكنك لو تفحصت جيدا ستكتشف بسهولة أنها مجرد ضوضاء، وراءها بضعة شباب يعملون مقابل رواتب متقطعة، وقيادات تائهة تحاول إثبات أنها ما زالت موجودة، الحكاية ليست حكاية عودة واستعادة مكانة، بل حكاية تنظيم فقد كل شيء وعرف أنه لن يعود، ولم يعد يملك إلا الصراخ والعويل.

الجماعة تقتات على الأكاذيب والشائعات

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن المركز الإعلامى لمجلس الوزراء إلى تصاعد ملحوظ فى حجم الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعى فى مصر خلال الأعوام الأخيرة. فقد مثّل المحتوى المضلل نحو 15.2 فى المائة من إجمالى ما يُتداول عام 2021، وارتفعت النسبة إلى 16.7 فى المائة فى 2022، قبل أن تصل إلى 18.8 فى المائة عام 2023.

وتكشف هذه الأرقام أن الشائعات امتدت لتستهدف قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطن، وعلى رأسها الاقتصاد، والتموين، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية.. وقد تصدر الاقتصاد المصرى قائمة المجالات الأكثر استهدافًا، إلى جانب الخدمات الأساسية مثل المياه والصحة والتعليم.

ففى نوفمبر 2020، أعلن «فيسبوك» إزالة سبع شبكات مزيفة تعمل فى عدة دول من بينها مصر بعضها كان مرتبطًا بالجماعة. وقد عملت هذه الشبكات على نشر أخبار كاذبة وبث الفوضى السياسية عبر منصات التواصل، ولكن شبكات الإخوان متشعبة ومعقدة وتنتطلق من أكثر من بلد أوروبى وآسيوى مما يصعب تتبعها بدقة، لذا فإن سلوك الجماعة على الفضاء الإلكترونى لا يزال حاضرًا، ورغم مرور الوقت، فإن مثل هذه العمليات تعكس قدرة الجماعة على تأسيس شبكات رقمية واسعة، وهى قدرة لا تتلاشى سريعًا حتى لو تغيّرت الأهداف أو تلونت الوسائل، ففى سبتمبر 2024، انتشرت رسالة تحذيرية واسعة تزعم تلوث مياه الشرب فى مصر، وروّجت لها صفحات مرتبطة بجماعة الإخوان، فى محاولة لإثارة القلق العام.

كما شهد الشهر الجارى 2025 موجة شائعات أخرى، بعدما أعلنت وزارة الداخلية أن حسابات مزيفة على منصات التواصل يُرجح ارتباط بعضها بالجماعة بثّت أخبارًا عن احتجاجات داخل السجون، فى إطار محاولات لخلق انطباع باضطراب أمنى غير قائم.

هذا وقد رصدت تقارير مؤخرًا تصاعد موجات منظمة من الهاشتاجات والحملات المزيفة، تُشنّ عبر حسابات مرتبطة بجماعة الإخوان أو تدور فى فلكها، وتهدف بشكل مباشر إلى تشويه دور مصر إقليميًا ودفع روايات مضللة إلى واجهة النقاش العام.

تُظهر البيانات الرسمية ارتفاع نسبة الشائعات فى المحتوى المتداول على السوشيال ميديا من 15.2 فى المائة عام 2021 إلى 18.8 فى المائة عام 2023، وهو ارتفاع يعكس نموًا أسرع للشائعات مقارنة بالمحتوى الحقيقي، مدفوعًا بتطور أساليب الترويج والتقنيات الرقمية.

الشائعات ضد مصر

لم تعد الشائعات مقتصرة على الملف السياسى، بل امتدت إلى الاقتصاد والصحة والمياه والخدمات الأساسية، فى إطار استراتيجية واضحة لضرب ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، تعتمد الحملات المضللة على تصوير الادعاءات المزيفة كحقائق، باستخدام صور وفيديوهات مفبركة أو سياقات مبتورة، ما يمنح المحتوى قدرة على الانتشار السريع قبل أن يُكشف زيفه. وتدعم الخوارزميات هذا الانتشار عبر تعزيز المحتوى الأكثر إثارة، ما يرفع من أثر الشائعات مقارنة بالمحتوى الموثوق.

البيانات الرسمية، إلى جانب سوابق إزالة شبكات مزيفة مرتبطة بالجماعة، تشير إلى أن هناك جهودًا منظمة فى نشر روايات مضللة تستهدف الداخل المصرى. كما يُظهر تصاعد نسبة الشائعات أن هذه الحملات أصبحت أكثر تطورًا واتساعًا، بما يتطلب يقظة مستمرة فى مواجهة هذا النوع من الاستهداف الرقمى.

عودة الإخوان إلى تصعيد الشائعات عبر وسائل التواصل بعد تراجع حضورهم الدولى لم تكن خطوة مفاجئة، بل هى عودة إلى أقدم أدوات الجماعة، كلما ضعفت قدرتها التنظيمية والمالية والسياسية. ويمكن فهم ما يجرى اليوم من خلال مجموعة عوامل مترابطة.

أولًا، سقوط النفوذ السياسى دفع الجماعة إلى اللجوء مجددًا إلى «السلاح الوحيد المتبقي». فبعد عام 2013 تراجع نفوذهم فى تركيا وقطر، وتم وضعهم تحت المراقبة أو التصنيف فى دول عدة، فقدت الجماعة قدرتها على العمل التنظيمى التقليدي؛ فلا اجتماعات علنية، ولا أحزاب، ولا نشاط خيرى، ولا حضور فى النقابات كما كان فى السابق.. وبقى أمامها فضاء واحد لا يحتاج إلى بنية قوية ولا تمويل كبير: وسائل التواصل الاجتماعى.

ثانيًا، الضغوط المالية دفعت الجماعة إلى الاستثمار فى المحتوى الرخيص.. فمع انكماش التمويل الخارجى وتشديد الرقابة على التحويلات، أصبحت «غرف الشائعات» بديلًا منخفض التكلفة؛ فإنتاج الشائعة يستغرق دقائق، بينما يحتاج تصحيحها وقتًا أطول بكثير.. وتعتمد الآلة الرقمية للجماعة على استراتيجية «اضرب واهرب»: نشر مكثف للحملات ثم اختفاء سريع للحسابات.

ثالثًا، تحاول الجماعة إحياء وجودها نفسيًا عبر بث الإحباط داخل المجتمع المصرى. فقد أدركت أن خسارتها الأكبر لم تكن سياسية، بل شعبية؛ لذلك تكرر رسائل من نمط: الدولة تنهار، الاقتصاد يلفظ أنفاسه، الشارع يغلي، والنظام على وشك السقوط.. وهذه الرسائل ليست موجهة للداخل فقط، بل لجمهورها الخارجى المهزوز نفسيًا، بهدف إقناعه بأن المعركة لم تنته.

رابعًا، تستثمر الجماعة حالة الضباب المعلوماتى عالميًا؛ فالعالم اليوم غارق فى الذكاء الاصطناعي، الحسابات الوهمية، والتضليل الإعلامى، إضافة إلى تراجع الثقة فى المؤسسات الرسمية. وهذا المناخ يوفر بيئة مثالية للجماعة لصناعة روايات مفبركة عبر تقليد حسابات رسمية، استخدام فيديوهات قديمة باعتبارها حديثة، إنتاج محتوى عبر الذكاء الاصطناعى، وربط أى أزمة اقتصادية عالمية بمصر، والهدف ليس تقديم معلومات، بل خلق ضغط نفسي.

فالجماعة اليوم تعمل بلا رؤية، وتعتمد على الضوضاء الرقمية باعتبارها آخر أدوات البقاء فى مشهد فقدت فيه كل شيء.. جماعة بلا برنامج سياسي، وبلا قدرة على العودة إلى المشهد العام، لم يبق أمام الجماعة سوى اللجوء إلى مهاجمة مؤسسات الدولة، الطعن فى الجيش، التشكيك فى الحكومة، صناعة روايات عن غضب شعبى غير موجود، واختلاق قصص عن صراعات داخلية، وهذه الأدوات لا تعكس قوة، بل تكشف حالة إفلاس وضياع.

الشائعات دليل احتضار

عودة الإخوان إلى تكثيف الشائعات ليست نشاطًا سياسيًا بقدر ما تكون حركة دفاعية تتمثل فى محاولة خلق وهم بالحضور، واستعادة معنويات قواعدهم، وجذب مصادر تمويل جديدة، وبث الإحباط داخل المجتمع المصرى، هذه العودة لا تعنى القوة ولا القدرة على الفعل الحقيقى، بل هى دليل على تنظيم يتفكك وجماعة تحتضر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة