«التوطين»، مصطلح ظل لسنوات طويلة أسيرًا بين صفحات الدراسات المستقبلية والأهداف المرجوة والاستراتيجية التى لا تجد طريقها للتنفيذ، وتعاقبت الحكومات واحدة تلو الأخرى على إدارة مصر، بعضها حاول إخراج «التوطين» إلى أرض الواقع، غير أن هذه المحاولات اصطدمت بـ«الجدية الغائبة»، وبمرور السنوات تناسى الجميع الأمر وأصبح شعار «صنع فى مصر» أثرًا بعد عين، ليس هذا فحسب، لكن بدأت الدراسات الجادة والتقارير الواقعية تتحدث عن «المصانع المغلقة»، وأصبحنا نتداول - وبكثير من الأسى - مصطلح «المصانع المتعثرة»، والصناعات الوطنية التى بدأت تندثر واحدة تلو الأخرى. بل وامتد الأمر إلى خروج أسماء شركات عالمية من السوق المصرية؛ بحثًا عن مناخ استثمارى أفضل.
مرت السنوات، وظل «التوطين» بمثابة «الحلم المستحيل»، غير أنه، وتحديدًا منذ 10 سنوات، برزت فى الأفق الاقتصادى المصرى هيئة مستجدة، هيئة عُرفت بعد ذلك باسم «اقتصادية قناة السويس»، والتى أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى، قرارًا جمهوريًّا رقم 330 لسنة 2015 بإنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجاء فى القرار المنشور بتاريخ 11 / 8 / 2015 فى الجريدة الرسمية أنها «تعتبر منطقة اقتصادية ذات طبيعة خاصة وفقًا لأحكام القانون رقم 83 لسنة 2002 وتعديلاته».
القرار الرئاسى لم يتوقف عند هذا الحد، ولكن تأكيدًا لـ«نوايا الإصلاح» والرغبة فى تحقيق «هدف التوطين»، أكد القرار أنه «تمتلك الهيئة صلاحيات وسلطات كاملة على محور قناة السويس فى كل ما يتعلق بكافة الأنشطة والمشروعات المقامة داخل الإطار الجغرافى للمشروع دون تدخل من المحافظات التى تقع فى نطاقها تلك المشروعات، ولها سلطة الولاية وصلاحية كافة الوزارات والمحافظات والهيئات داخل الحدود الجغرافية للمنطقة الاقتصادية دون المساس باختصاصات الوزارات السيادية التى تشمل الدفاع والداخلية والعدل والخارجية، وتعمل تلك الوزارات السيادية بصفتها جهات استشارية بمجلس إدارة الهيئة».
10 سنوات مرت منذ تأسيس «اقتصادية قناة السويس»، استطاعت خلالها جذب استثمارات قيمتها 21.1 مليار دولار، وسجل عدد المشروعات بالموانئ والمناطق الصناعية نحو 504 مشروعات تضمنت استثمارات من أكثر من 29 دولة بما وفر 140 ألف فرصة عمل مباشرة.
وبحسب وليد جمال الدين، رئيس الهيئة، فإن «اقتصادية قناة السويس»، جذبت فى الفترة من العام المالى 2022-2023 حتى نوفمبر 2025 استثمارات بلغت قيمتها 11.6 مليار دولار، فيما بلغت إيرادات العام المالى 2025 2024- نحو 11.6 مليار جنيه، لافتًا إلى أن الهيئة افتتحت عديدًا من المشروعات، فى كافة المناطق الصناعية والموانئ التابعة خلال هذا العام، وفى منطقة شرق بورسعيد المتكاملة، وتحديدًا ميناء شرق بورسعيد، فقد أصبح الميناء الأول إفريقيًّا والثالث عالميًّا، بمؤشر أداء موانئ الحاويات الصادر عن البنك الدولى لعام 2024، كأحد الإنجازات التى حققتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التى واجهت العالم فى السنوات الأخيرة.
مسيرة «اقتصادية قناة السويس» على طريق «التوطين»، كانت أحدث خطواتها وضع حجر الأساس لمصنع اللقاحات التابع لشركة جينفاكس فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات قدرها 150 مليون دولار، وهو الحدث الذى وصفه المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، بأنه «تحول جذرى غير مسبوق بملف توطين صناعة الدواء واللقاحات»، كاشفًا عن أن «الدولة المصرية تعمل حاليًا على توطين 29 لقاحًا جديدًا من خلال 15 شراكة استراتيجية مع كبرى الكيانات العالمية، فى خطوة تضع مصر فى مصاف الدول الأكثر جاهزية من حيث البنية التحتية والتصنيع الدوائى المتقدم».
ومن الواجب الإشارة هنا إلى أن «توطين صناعة الدواء» يأتى متوافقًا مع أحدث الدراسات والأبحاث الطبية العالمية التى تؤكد أن امتلاك الدول لقدرات تصنيع اللقاحــــات محليًا، مدعومـــة ببنية تحتية قويــة ونظــم رقابيـة صارمـة، يمثل أحد أهـــم الدروس المستفــادة من جائـحة «كوفيد 19-»، ويعد ركيزة أساسية لضمان الاستجابة السريعة للأزمات الصحية وحماية الأمن القومى.
