لم يعد الحديث عن الأزمة المالية فى نادى الزمالك مجرد جدل عابر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى، بل تحوّل إلى ملف شائك يضغط على مجلس الإدارة، ويهدد استقرار واحد من أكبر الأندية المصرية شعبية وتاريخًا، العجز فى الميزانية بات واقعًا لا يمكن إنكاره، والديون المتراكمة أصبحت عنوانًا لمرحلة من سوء الإدارة، وغياب التخطيط، والانشغال الدائم بإطفاء الحرائق بدلاً من بناء مشروع مالى ورياضى قادر على الصمود.
وقال طارق جبريل، أمين صندوق نادى الزمالك الأسبق، نادى الزمالك وصل إلى هذا العجز فى الميزانية الحالية نتيجة الديون المتراكمة لسنوات طويلة، لا سيما وأن الزمالك يعانى منذ أكثر من عقد من ديون خارجية وداخلية، بسبب قضايا لاعبين ومدربين، عقود فسخ، غرامات تأخير، وملفات لم تغلق فى حينها، فكل إدارة جديدة كانت تبدأ عملها وهى مثقلة بمتأخرات الإدارة السابقة، فتتجه للبحث عن حلول عاجلة بدل بناء نظام مالى مستدام، وهذا سبب أزمة مالية للنادى يجنى أثرها المجلس الحالى.
«جبريل» أضاف: الإنفاق بلا سقف وغياب الضبط المالى، من أهم أسباب الفشل المالى لكل الإدارات التى تعاقبت على رئاسة النادى خلال آخر 10 سنوات مضت، لأن العقود الضخمة للاعبين على مدى الـ10 سنوات ساهمت بشدة فى تضخم المصروفات، هذا إلى جانب أجور ورواتب لاعبين أجانب، إضافة إلى مكافآت مبالغ فيها، وجميعها أسباب جعلت فاتورة الفريق الأول منفردًا تتجاوز قدرة النادى الفعلية، رغم عدم الاستفادة المالية من هؤلاء اللاعبين بشكل يتوافق مع حجم عقدهم، وهناك أمثلة كثيرة مثل فرجانى ساسى وبن شرقى ومحمد إبراهيم وغيرهم كثيرون.
وأوضح «جبريل» أنه رغم امتلاك الزمالك قاعدة جماهيرية ضخمة، فإن النادى لم ينجح فى تحويل ذلك إلى مشروع اقتصادى مستقر، وقد قام كثير من أعضاء مجالس مختلفة فى خلال 10 سنوات الماضية بتقديم رؤية لهذا المشروع لكنها جميعها باءت بالفشل، وهذا لغز غريب الى حد كبير، وحتى الآن المشروع سارٍ بشكل مبهم لأن متجر النادى لا يعمل باستراتيجية حديثة».
وأكد الكابتن خالد لطيف، عضو مجلس إدارة الزمالك السابق، أنه «من أهم عوامل الأزمة التى يمر بها النادى حاليًا، حقوق البث الإعلانية التى لم تدار بطرق احترافية دائمة، ومع تعاقب مجالس الإدارات على النادى زاد الوضع تأزمًا، وهناك أيضًا عدم وجود خطة جادة للاستثمار فى الاتجاه الى تشيد أكثر من فرع للنادى، كما هو الحال فى النادى الأهلى، ومع عدم الاهتمام بهذا الشق الاستثمارى بشأن التوسع وصل الحال لسحب الأرض الخاصة بالنادى بالسادس من أكتوبر، كما أنه من ضمن أسباب الوصول الى عجز فى ميزانية النادى ضعف تسويق الفرق الرياضية غير كرة القدم، وهذا الأمر لا بد من الاهمتمام به مستقبلاً».
وأضاف «لطيف»: غياب الاستمرارية الإدارية، تعد أيضًا من أهم أسباب الوصول إلى عجز فى ميزانية النادى، لا سيما وأن تغيير الإدارات المتكرر، وقرارات حل مجالس وإعادة تشكيل لجان مؤقتة، خلق حالة عدم استقرار وهى الأخطر على الإطلاق، ويعتبر الزمالك النادى الوحيد فى مصر الذى تم حل مجالس الإدارات به فى أكثر من مرة، وفى كل مرة يتغير فيها مجلس يبدأ النادى من نقطة الصفر، وتتحول الملفات إلى مجرد «إدارة أزمات».
عضو مجلس الزمالك السابق لفت إلى أن «خسائر القضايا الدولية، وصل النادى الى طريق مسدود، حيث إن الزمالك دفع ملايين الجنيهات بسبب أحكام فى قضايا تخص لاعبين ومدربين أجانب كان يمكن تجنبها لو تم التعامل باحترافية منذ البداية، خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهناك أسماء كثيرة مرت على هذا الملف ووصل بعضها إلى المحكمة الرياضية الدولية، وكل حكم كان يعنى إضافة رقم جديد فى بند الديون، كل تلك العوامل أدت الى عجز كارثى فى الميزانية، لأن كل مَن جاء فى منصب رئيس مجلس إدارة للنادى، كانت لدية أزمة غياب المشروع المالى، ولم يكن للزمالك خلال السنوات الماضية مشروع اقتصادى واضح، وجميع القرارات اتُخذت بأسلوب رد الفعل، وليس وفق رؤية طويلة المدى، وكان الاعتماد الأكبر على التبرعات أو الدعم الحكومى، بدلاً من بناء منظومة موارد ذاتية، وأصبح النادى ينتظر حزمة مالية تنقذ الموقف مؤقتًا، ثم تتكرر الأزمة من جديد، حتى أصبح فريق كرة القدم أكبر من قدرة النادى على التحمل، لأنه يلتهم أكثر من 70فى المائة من موارد النادى دون تحقيق دخل يعادل هذه المصروفات، خصوصًا فى المواسم التى غاب فيها الفريق عن البطولات أو دورى الأبطال.
«لطيف» شدد على أنه «لتفادى تلك الأزمة المالية لا بد من الحلول الواقعية لإنقاذ الزمالك من العجز، من خلال خفض النفقات وإعادة هيكلة عقود اللاعبين، ومراجعة شاملة للعقود الكبيرة، ووضع سقف مالى واضح لا يكسر مهما كانت الضغوط، هذا إلى جانب التوجه لضم لاعبين أصحاب قيمة فنية عالية بعقود متوازنة، وإطلاق مشروع اقتصادى حديث.
وفند تفاصيل المشروع الاقتصادي، قائلاً: يجب أن يتضمن تطويرًا رسميًا للعلامة التجارية، كما هو الحال فى الأندية الكبرى بأوروبا، وتفعيل متاجر إلكترونية وتنظيم بطولات وفعاليات رياضية تدر دخلاً، وكذلك تسوية القضايا الدولية مبكرًا قبل صدور أحكام جديدة، كما يجب التفاوض المباشر للوصول لاتفاقات أقل تكلفة مع تشكيل لجنة قانونية تضم خبراء فى الملفات الرياضية الأوروبية، والعمل على تعيين إدارة مالية محترفة وليس مجرد لجنة حسابية، إدارة مالية تعمل وفق مبادئ الإدارة الحديثة مع العمل على منع تضارب المصالح، وتقديم تقارير شهرية للجمهور لتعزيز الشفافية، وفتح باب العضويات الجديدة،خطوة مهمة لزيادة الدخل بشكل مباشر، خاصة للشرائح التى ترغب فى الانضمام لكنها تنتظر فتح الباب رسميًا،
وأشار إلى أن الزمالك فى لحظة مفصلية، إما أن يتحول هذا الضغط المالى إلى فرصة لإعادة بناء النادى على أسس صحيحة، أو يستمر النزيف حتى يصل النادى إلى مرحلة يصعب معها الإصلاح، لأن الجماهير متعطشة لعودة الاستقرار، والفريق يحتاج بيئة مالية وإدارية هادئة للعودة الى منصات التتويج، والأهم أن يدرك الجميع أن الأزمة لم تعد مجرد «عجز فى ميزانية» بل نتيجة طبيعية لغياب المشروع وتراكم الأخطاء، وإدارة النادى بنظام اليوم بيومه، ومن دون ذلك سيظل العجز يتفاقم، وستظل الأزمات تتكرر، وسيبقى النادى الأبيض فى دائرة الخطر.