فى السنوات الأخيرة، أصبحت مشكلة الكلاب الضالة فى مصر واحدة من أبرز القضايا البيئية والصحية والاجتماعية التى تشغل الرأى العام، لما لها من تأثير مباشر على حياة المواطنين اليومية، وعلى الصحة العامة، وعلى التوازن البيئى فى المدن والقرى. الأرقام تشير إلى تفاقم واضح فى أعداد الكلاب الضالة، حتى وصل التقدير الإحصائى فى عام 2023 إلى نحو 8 ملايين كلب ضال، مع زيادة سنوية تصل إلى نحو 25 فى المائة، ليصبح العدد الحالى يقارب 11 مليون كلب ضال. ورغم أن هذا الرقم يُعتبر تقديريًا استرشاديًا، فإنه يعطى مؤشرًا واضحًا على حجم المشكلة، ويكشف عن مرحلة حرجة يعيشها المجتمع المصرى فى مواجهة هذه الظاهرة.
فى هذا السياق، التقت «المصوّر»، الدكتورالحسينى محمد عوض، المتحدث الرسمى باسم الطب البيطرى بالمركز الإعلامى لوزارة الزراعة، الذى أوضح أن الأمر ليس مجرد ظاهرة عشوائية أو مؤقتة، بل هو نتاج تراكم سنوات طويلة من الحيازة غير المنظمة للكلاب، ونقص الوعى المجتمعى بأهمية التعقيم والتطعيم، وزيادة المقالب والنفايات التى توفر غذاءً سهلًا للكلاب الضالة، إلى جانب انتشار العادات الخاطئة مثل الإطعام العشوائى فى الشوارع والهجر غير المسئول للكلاب المملوكة، ما يؤدى إلى زيادة أعدادها بشكل سريع وغير منضبط.
«د. الحسينى»، تحدث أيضا عن التشريعات المنظمة لعمليات اقتناء الحيوانات الأليفة، والأسباب التى دفعت المُشرع لحظر تربية 3 سلالات من الكلاب فى مصر، هذا إلى جانب كشفه جهود الدولة، ممثلة فى الأجهزة المعنية للسيطرة على هذه الظاهرة.. فإلى نص الحوار:
بداية.. كيف تقيّم الوضع الحالى لأعداد الكلاب الضالة فى مصر؟
تقييم الوضع الحالى للكلاب الضالة فى مصر لم يعد مجرد قراءة للرقم المتداول فى الإعلام أو السوشيال ميديا، بل أصبح ملفًا له منهج علمى دقيق تُبنى عليه القرارات، وأجرت الهيئة بالفعل فى عام 2023 أول محاولة حقيقية للحصر الاسترشادى بالشراكة مع جهات دولية ومحلية، وبناءً على معايير منظمة الصحة العالمية، وهذا الحصر لم يكن عشوائيًا، وإنما اعتمد على خرائط انتشار، والتجمعات السكانية، وتحليل أماكن تراكم القمامة، ومناطق الغذاء المفتوحة، وأنماط التكاثر الموسمية.
الرقم الذى خرج من هذا الحصر، الذى يقترب من 11 مليون كلب ضال، ليس رقمًا نهائيًا، لكنه يعطى فرصة لفهم حجم المشكلة بشكل واقعى بعيدًا عن المبالغات، ولأول مرة أصبح لدى الدولة تصور واضح عن أماكن أعلى كثافة، مثل المناطق العشوائية ومحيط المقالب الكبيرة، وكذلك المناطق الأقل خطورة التى تقل فيها مصادر الغذاء، وهذه البيانات مثلت نقطة بداية لخطة طويلة المدى تعتمد على «إدارة الانتشار» وليس المطاردة أو الإزالة.
وأريد أن أشير هنا إلى أن الكلاب الضالة لم تكن يومًا مشكلة بيطرية فقط، بل هى مشكلة صحية وسلوكية وبيئية، والدولة واجهت على مدار سنوات تراكمات ناتجة عن غياب ثقافة الترخيص، وعدم التزام المواطنين بعدم ترك الكلاب للتزاوج العشوائى، بالإضافة إلى السلوكيات اليومية مثل إلقاء الطعام فى الشوارع ووجود قمامة مكشوفة، وهى عوامل تضاعف التكاثر بصورة مباشرة.
ويمكن القول الآن إننا نملك قاعدة بيانات أولى للحصر، قد تكون غير مكتملة بنسبة 100 فى المائة، لكنها كافية جدًا لوضع خطة تعتمد على التعقيم، التطعيم، وإدارة السلوك المجتمعى، فالمرحلة القادمة تعتمد على الأرقام وليس الانطباعات، وفى مناطق حضرية مثل مدينة الشروق بالقاهرة وأخرى ريفية مثل قرية الأخصاص بمركز الصف بالجيزة، تم عمل الحصر وفق آليات منظمة الرفق بالحيوان الدولية، وهذا ما يعطى صورة تقريبية عن الوضع الحالى.
لماذا كان عام 2019 نقطة انفجار فى أعداد الكلاب الضالة؟
عام 2019 لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكمات امتدت لسنوات طويلة، لكنه كان العام الذى ظهرت فيه المشكلة بشكل «انفجاري» على مستوى التكاثر وسلوكيات الكلاب فى الشارع، كما أن الهيئة لاحظت ارتفاعًا غير مسبوق فى معدل تزايد الولادات، وظهور مجموعات كبيرة من الكلاب فى المدن الكبرى بشكل لم يكن موجودًا فى السنوات السابقة، والسبب الأساسى وراء هذا الانفجار هو الوفرة الغذائية الهائلة التى نشأت خلال هذه الفترة، نتيجة الانتشار الكبير للقمامة المكشوفة، وزيادة أنشطة النباشين الذين يفتحون أكياس القمامة فى الشوارع، ما يخلق «بوفيه مفتوح» دائما للكلاب الضالة. فى علم السكان الحيوانى، أى زيادة فى الطعام داخل البيئة تقابلها زيادة مباشرة فى التكاثر، كما شهد عام 2019 زيادة فى «الهجر»، أى تخلّى المواطنين عن كلاب غير مرغوب فيها، التى تتزاوج بسرعة وتندمج فى مجموعات قائمة بالفعل.
كذلك، السلوكيات المجتمعية الخاطئة مثل الإطعام العشوائى كانت أحد الأسباب الرئيسية، فالكثير من المواطنين يطعمون الكلاب بدافع الشفقة، دون إدراك أن هذا الفعل يُنتج بشكل غير مباشر زيادة سكانية جديدة فى كل دورة تكاثر، وهذا العام شهد أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا فى شكاوى المواطنين من العقر، وزيادة فى الحالات التى يتم استقبالها داخل المستشفيات، ما جعل الهيئة تتعامل مع الوضع باعتباره تحذيرًا مبكرًا لضرورة وجود خطة وطنية شاملة.
ما أهمية القانون 29 لسنة 2023 فى تنظيم حيازة الكلاب والتعامل مع الظاهرة؟
القانون 29 لسنة 2023 نقطة تحوّل رئيسية، لأنه للمرة الأولى يصبح لدى مصر تشريع كامل وواضح ينظم علاقة المواطن بالكلب الذى يربيه، ويحدد مسئولياته القانونية تجاه المجتمع. المشكلة فى الماضى لم تكن فى انتشار الكلاب الضالة فقط، بل فى الفوضى المرتبطة بتربية الكلاب وتزاوجها وتخلى البعض عنها فى الشارع بعد أن تتحول إلى عبء عليهم، وهو ما أسهم فى تضخم الأعداد بشكل كبير.
القانون يفرض لأول مرة «الترخيص الإجبارى لكل كلب، وجود سجل طبى يضم تطعيماته وتاريخه الصحى، تحديد السلالات التى لا يجوز تربيتها خارج منشآت مرخّصة، تجريم التخلى عن الكلب فى الشارع، وفرض عقوبات واضحة على المخالفات»، وسيبدأ التطبيق الإلزامى على مستوى الجمهورية بشكل كامل فى عام 2026، مع حملات تفتيش وغرامات وإجراءات ضبط.
ما الأسباب وراء حظر ثلاث سلالات بعينها، وما هى أسباب خطورتها؟
أصدر القانون قائمة واضحة بأنواع الحيوانات الخطرة، ولم يترك الأمر مفتوحًا للتقديرات. ثلاث سلالات فقط من العائلة الكلبية لا يجوز ترخيصها أو تداولها خارج منشآت مرخّصة، وهي: الماستيف البرازيلى (Fila Brasileiro)، بوير بويل / ماستيف جنوب إفريقيا (Boerboel)، وبرسيا كناريو/دوجو كناريو (Presa Canario)، وهذا الاختيار جاء بناءً على ملفات علمية وتقارير، أكدت أن هذه الفئات تمتلك خصائص سلوكية وعضلية عالية الخطورة، إذا وُجدت فى بيئة غير منضبطة.
هل لدى الوزارة خطط للحدّ من ظاهرة الاتجار العشوائى فى الكلاب، خاصة عبر السوشيال ميديا؟
ملف الاتجار العشوائى أصبح أحد أخطر الملفات، لأنه المحرك الأكبر لزيادة أعداد الكلاب المجهولة، والتى ينتهى جزء كبير منها فى الشوارع بمجرد أن تتحول إلى عبء على أصحابها، ومن جانبها، تعمل الوزارة على تجفيف المنابع من خلال تفعيل القانون 29 الذى ينص على تجريم بيع أو تداول أى كلب بدون ترخيص أو بطاقة تعريف إلكترونية (microchip)، ومنع التزاوج العشوائى داخل المنازل أو المزارع غير المرخّصة، ومنع الأسواق الشعبية غير المرخّصة، وتطبيق نظام تتبع إلكتروني.
كم تبلغ تكلفة التطعيمات، وما حقيقة ما يُقال إن الدولة ستتكلف مليار جنيه سنويًا لتطعيم الكلاب الضالة؟
تكلفة التطعيم للكلب الذى يحضره المواطن إلى الوحدة البيطرية هى 50 جنيهًا فقط، وهو رقم ثابت على مستوى الجمهورية، وفى حالة وجود بؤرة مرضية أو إصابات جماعية، الدولة تقدم التطعيمات مجانًا بالكامل. موضوع المليار جنيه يتعلق بإنشاء منظومة كاملة (تجهيز وحدات، إنشاء وتجديد عيادات، شراء سيارات مجهزة، معدات، أدوات تعقيم، فلاتر، أجهزة حفظ أمصال، تدريب كوادر، ونظم تسجيل إلكترونية). يعنى إحنا بنتكلم عن بنية تحتية هتعيش سنين وتشتغل عليها الدولة بعدها للتعامل مع الحيوانات الضالة.
هل من الممكن اللجوء للقتل العشوائى أم القتل الرحيم؟
الدولة لا تلجأ للقتل العشوائى، والسياسة الرسمية تقوم على التعامل العلمى والمنظم: الفحص، التطعيم، التعقيم، والترقيم، ثم إعادة الكلب إلى مكانه الطبيعى فى الشارع. القتل الرحيم يُستخدم فقط فى حالات محددة جدًا، مثل الكلاب المصابة بأمراض قاتلة أو التى تعانى ألمًا شديدًا ومزمنًا.
ماذا عن دور التوعية المجتمعية فى الحدّ من انتشار الكلاب الضالة، وهل هناك برامج تدريبية أو كورسات يقدمها المركز؟
التوعية المجتمعية أداة أساسية، لأنها تسهم فى تغيير سلوك المواطنين بشكل مباشر. يتم تنظيم حملات تشمل المدارس، الجامعات، وأحياء المدن الكبرى، مع نشر معلومات دقيقة عن التعامل مع الكلاب الضالة وأهمية الإبلاغ عن الحالات المريبة. كما تُقدَّم كورسات تدريبية مجانية للتعرف على طرق التعامل الآمن مع الحيوانات الضالة، والكلاب المصابة أو المشتبه فى إصابتها بالسعار.
وأريد أن أشير هنا إلى أن الدولة تتعامل رسميًا مع 23 جمعية ومنظمة أهلية معنية بالرفق بالحيوان، وهى جزء أساسى من خطة التعاون لإدارة الكلاب الضالة، سواء فى التطعيم أو التعقيم أو التوعية. من بين هذه الجمعيات، فقط 6 أو 7 تقدم الدور المطلوب بشكل فعّال، بينما البقية تحتاج إلى متابعة وتطوير لضمان نتائج ملموسة.
متى نتوقع رؤية نتائج ملموسة من حملة مواجهة الكلاب الضالة؟
نتوقع ظهور النتائج الملموسة على الأرض بحلول نهاية عام 2026. الحملة المكثفة ستحتاج إلى دورة كاملة تتراوح بين ستة أشهر إلى سنة، وخلال هذه الفترة ستقل أعداد الكلاب الضالة، وتنخفض حالات العقر، وتخرج مصر من المرحلة الحرجة.