أما مقدمة الدكتور سمير فرج:
- فى هذا الكتاب قدمت الكاتبة مشاعرها وانفعالاتها تجاه الأحداث التى مرت بها المنطقة خلال العام الماضي، حيث عبَّرت عن الآلام التى عاشتها الأسر الفلسطينية خاصة الضحايا من الأطفال والأمهات الذين فقدوا البيت والأسرة والأمن والأمان، ونتيجة لتلك الهجمات الغادرة فقد منهم الكثير أجزاءاً من أجسادهم.
لذلك خرجت كلمات الكاتبة لتُعبِّر عما جرى وتتساءل فى أسى: أين الضمير العالمى تجاه ما يحدث فى غزة؟ من هنا جاءت الكلمات مُعبِّرة عن آلام ومُعاناة شعب، بعيداً عن السياسة والأعمال والقتال، وهذه الكلمات تُخاطب القلوب التى بكت بحُرقة على ما حدث ويحدث للشعب الفلسطيني.
المرأة الفلسطينية لم تكن بعيدة عن خيال الكاتبة، عاشت معها على وقع القصف وتحت الدمار الذى قضى على مملكتها العائلية، يعلو صوت إطلاق النار واستشهاد المئات من النساء والأمهات لتكون الفلسطينيات شاهدات على أرضهن بطلات أمام العالم أجمع يواجهن الحرب ويتحدين الظلم والعبودية، فيكُنَّ أسيرات فى سجون الاحتلال، يتعرضن للتعذيب ويحرمُهُن سجانهن من ممارسة حقهن فى الأمومة ويبُعدهِّن عن فلذات أكبادهن فيعشن القهر والمأساة مع كل تنهيدة ونبضة قلب.
حكايات الأطفال ومعاناتهن لم تكن بعيدة عن خيالات الكاتبة، فأطفال غزة – وعلى مدار قرن – لم يمر يوم إلا وهم على موعد مع المعاناة، أقلها هدم البيوت أو سلبها، واقتلاع الزروع والتخويف والترهيب ومنع المرور والمحاصرة. إنها حكايات عابرة تحمل فى طيها مشاعر الألم.
وتتناول الكاتبة مدن غزة تناولاً دقيقاً لنشأة تلك المُدن من حيث المساحة وعدد السكان وتميز كل مدينة بحرفتها وأكلاتها، وهى مدن كانت مزدهرة لكنها تحولت لأطلال بحكم ممارسات الاحتلال. عالم اختفت مدنه من على الخريطة بعد أن دُمِّرت مبانيها وهُدِّمت حضارتها.
تذكر الكاتبة أن العالم لم يشهد منذ الحرب العالمية الثانية مثل هذا الدمار غير المسبوق للمبانى السكنية فى غزة، وسوف يستغرق الأمر حتى عام 2040 على الأقل لاستعادة المنازل التى دمرها القصف الإسرائيلى والهجوم البري.
أما الكاتبة فهى تبدأ كتابها بسؤال: ماذا لو عاد ألفريد نوبل للحياة؟ هل يمنح الجائزة للمرأة الفلسطينية؟ وتُقدِّم معلومات مهمة عن جائزة نوبل للسلام التى حصل عليها الرئيس السادات وياسر عرفات بعد توقيعهما على اتفاق أوسلو عام 1994، فقد كان الهدف من الجائزة الذى أعلنه صاحبها هو تكريم منْ يبذل جهداً فى سبيل نشر الإخاء بين الأمم أو منْ أسهم فى تسريح الجيوش أو خفض أعدادها أو منْ أنشأ هيئات أو أقام مؤتمرات تُروِّج للسلام.
ثم تكتُب الكاتبة أنها تُرشِّح المرأة الفلسطينية للحصول على هذه الجائزة، وعلى الرغم من أن أول شرط للحصول على جائزة نوبل أن يكون المرشح على قيد الحياة، فإن ما تقوم به المرأة الفلسطينية من دور فى هذه الحرب اللامعقولة يرشحها بلا منافس للحصول على ميدالية نوبل الذهبية والجائزة المالية.
فهذه المرأة الولود التى لا تتوقف عن تقديم أبنائها فداء للأرض والعِرض والحُرية، وتترمل وتعمل وتحمل أمتعتها وأبناءها وتسير إلى المجهول، لابد أن تُكرَّم ليس على مستوى دولنا العربية، بل على مستوى العالم. وهل يمكن أن نتصور عودة ألفريد نوبل للحياة ليضيف شرطاً جديداً للمرشحين بأنه يمكن ترشيح منْ استشهد فى صراعٍ مسلح أو أن يُنشئ فرعا آخر لجائزته يحمل اسم المرأة الفلسطينية يُمنح للمناضلات من النساء.
وتكتُب الكاتبة:
- أعتقد أن ألفريد نوبل سيوافق على اقتراح يُكرِّم تلك المرأة الفلسطينية، ويمسح ذكر اختراعه للديناميت؛ ليُصبح من عُشَّاق الحياة والسلام، بدلاً من تاجر الموت.
وتقول المؤلفة: تُعلن القلوب رفضها للدماء وأصوات الدمار وأنين الجرحى وصرخات الأطفال وسط الضحايا وفقدانهم الأهل والبيت ورائحة البارود التى حولهم ومع أبخرة تحلل الجثث. إنها صورة مروعة لما يجرى بفلسطين.
الأرقام هى أخطر ما فى هذا الكتاب، وكلها أرقام شُهداء. فقد قتل الاحتلال الصهيونى 1047 شهيداً من الطواقم الطبية و85 شهيداً من الدفاع المدني، فضلاً عن 177 شهيداً من الصحفيين، وألقت سلطات الاحتلال القبض على 5280 شخصاً منهم 310 كوادر طبية وصحية.. (حتى تاريخ طباعة الكتاب والعدد دائما فى ازدياد).
إنه كتابٌ مهم لمؤلفة درست موضوعها بعناية، وأصبح كل حرفٍ فيه جزءاً من المأساة التى تكتُب عنها.