لنبدأ القصة من البداية لأن ما حدث يمثل تطورا جديدا من مجموعة البريكس، فالجميع كان يتابع أعمال اجتماعات البريكس، خاصة بعد انضمام مصر وحضور الرئيس السيسى لاجتماعات المجموعة، نظرا لأهمية دوله السكانية والاقتصادية على المستوى العالمى ولضرورة كسر الهيمنة الغربية، خاصة أن عدد دول البريكس قد توسع ولم يقتصر على الأربع دول المؤسسين ولتضم بجانب مصر، جنوب إفريقيا والإمارات وغيرهما، ولتمثل دوله الآن ما يقرب من 40 فى المائة من سكان المعمورة، ولكن منذ عامين كما تقول النائبة والكاتبة د. ضحى عاصى بأنها طرحت فكرة تدشين الجائزة الأدبية، حينما دعُيت كبرلمانية لحضور مؤتمر بروسيا يعقده برلمانيون من دول البريكس، وذلك لإصدار ميثاق عن الثقافة والفنون والقيم الاجتماعية.. وشاركت فى هذه المجموعة، واقترحت عمل جائزة باسم دول البريكس للآداب والفنون، فتحمس المشاركون لأن الأدب هو أقرب طريقة لمعرفة الشعوب ببعضها البعض، فقد عرفنا روسيا عبر تأثير الأدب الروسى وكذلك أمريكا اللاتينية من الأدب اللاتينى. ومن ثم قدمت تصورًا عن الجائزة. وفضلًا عن كونى كاتبة، فنالت الفكرة استحسانًا بالعام الماضى 2024، وبعد الموافقة على فكرة تأسيس الجائزة اتجهنا لتشكيل ملف لمجلس الأمناء وكنت أحد أعضائه وممثل مصر به، وتم فتح الباب لترشيح كتاب من دول مختلفة للدورة الأولى. وتم الاتفاق على القيمة المالية بالجائزة، وتم إطلاق القائمة الطويلة بأسماء المرشحين باجتماع البرازيل.. فيما أُعلنت القائمة القصيرة من اجتماع إندونيسيا، ثم الأسبوع الماضى تم الإعلان عن الفائزة النهائية، وكانت مفاجأة كبيرة وسارة بالنسبة لى أن تحصد الجائزة فى الدورة الأولى مصر لوجود دول كثيرة صاحبة تاريخ طويل بالأدب ضمن المشاركين فى الترشيح مثل روسيا والصين والبرازيل والهند، ونظرا لثقل مصر الأدبى والإبداعى، فازت ابنة وطنى المبدعة سلوى بكر، علما بأننى لم يكن لى أى علاقة بموضوع التحكيم نهائيًا، فهى لجان سرية، وتوقف دورى عند اقتراح الفكرة وآلياتها.
ونتيجة للمنافسة القوية فى النسخة الأولى للجائزة؛ جاءت كلمات بيان الفوز لتعكس ذلك، الذى قيل به: «وبعد تصويت لجنة التحكيم الدولية، مُنحت الجائزة للكاتبة المصرية سلوى بكر، إحدى أبرز شخصيات النثر العربى المعاصر، ومؤلفة سبع مجموعات قصصية وسبع روايات ومسرحية، تُرجمت أعمالها إلى العديد من اللغات الأوروبية».
والأهم هو ما قيل عن أهمية الجائزة دوليا، حيث وصف سيرجى رئيس اتحاد الكتاب الروس الطبيعة التاريخية للحدث، ودور البريكس فى الأجندة الثقافية العالمية، لأننا نضع حجر الأساس لمساحة ثقافية مشتركة لبلداننا. وإشارة قوية للعالم بأن أدب دول البريكس جزء لا يتجزأ وحيوى من الثقافة العالمية.
بعد ما يقرب من مسيرة من الإبداع المتفرد، جاءت صاحبة الجائزة وصاحبة قصة «زينات فى جنازة الرئيس»، وهذه المجموعة كانت أول معرفة لى وعلاقة بإبداع سلوى بكر، وأتذكر أنى قرأتها ربما بعد سنة تخرجى فى الجامعة 1986، هذه المجموعة، والتى تظهر بها شخصيات كـ«زينات» تعكس بصدق أوضاع المرأة ومعاناة الطبقات الدنيا وتفاعلها مع الأحداث الكبرى، لتكشف عن تناقضات الواقع وتفاصيل الحياة اليومية وقضايا المهمشين والفقر وواقع المرأة فى ذلك، ثم أدمنت أعمالها خاصة مع روايتها الأشهر «البشمورى»، وهى رواية جديدة شكلا ومضمونا واسما ومعلومات، لأنها رواية تتعرض من خلال التاريخ إلى ثورة البشموريين المصريين، خلال القرنين 7 و9 ميلاديا.
وعن تاريخ الأقباط المصريين فى تلك الفترة، ومنهم ساويرس بن المقفع، الذى سيصبح ذا شأن كنسى كبير فى مصر، ويصل إلى أن يصبح بطريركا، وهو أول مَن كتب عن تاريخ الكنيسة باللغة العربية، وكما تقول سلوى بكر إنه طبقا لمصادر التاريخ اعتبرته شخصية استثنائية بما فعله، لأنه بعد تحول عدد كبير من المصريين للدين الجديد، وأن الصلوات وقتها كانت تُقام بالقبطية واليونانية، ولكن كان قد بدأ تحول باللغة الجديدة وانتشارها على الألسنة المصرية، فبدأ فى تعلم العربية، وبدأ فى توثيق التاريخ الكنسى من الأديرة والكنائس المختلفة، ووثق به الحوادث الكبرى التى شكلت مسار التاريخ حتى لا يضيع بعد انحسار اللغة القديمة، ومنها انطلقت للكتابة عن ثورة البشموريين، وتلك السلسلة الطويلة من التمردات التى اندلعت ضد الحكم الأموى والعباسى؛ لم تكن ثورات دينية، بل ثورات اجتماعية واقتصادية بسبب كثرة الضرائب والخراج على المصريين جميعا، واشترك فى التمرد أيضا العرب الذين قدموا إلى مصر من اليمن ومن شمال الجزيرة العربية، فانتفض المصريون والجميع ضد هذه الضرائب الباهظة، ولذلك حضر الخليفة المأمون ومعه الآلاف من الجند، وذلك لمواجهة المصريين بكل طوائفهم.
لم يكن فوز سلوى بكر إلا نتيجة أنها أكثر أبناء جيلها اهتماما، وتحديدا بالكتابة الإنسانية والاجتماعية وعن النساء والمهمومين والمهمشين، أو مثل تعبيرها الذى قالته لى كثيرا عن الناس غير المرئية، هذه الكتابات تعكس روح وفكر سلوى بكر وانطبعت بها، فهى تتعامل بإنسانية منقطعة النظير مع الجميع، وقلما نجدها منعزلة باستعلاء فى نادى المشاهير التى هى أحد الكبار به، خاصة أن أعمالها الأدبية تُرجمت إلى العديد من اللغات، وهى دائمة الاشتباك فى الحياة الثقافية والاجتماعية، ولم تنزع نفسها فى تابو الاستعلاء، فلمَن لا يعرفها فهى أيضا صحفية بالانتساب، حيث مارست لسنوات طويلة الكتابة فى النقد الأدبى والقضايا الثقافية، ولها كتابات بالتعليم وآراء بالغة الأهمية به، ومقترنة بدراسات فى ذلك التخصص وتحاضر بالجامعة الأمريكية منذ سنوات طويلة فهى ليست من الأدباء والمثقفين المنعزلين فى برج الإنتاج الأدبى ومهرجان المجاملات والصالونات الثقافية، ولذلك فيمكن أن تراها بجانبك فى ندوة أو فيلم، ويوما تقابلها فى السوق تشترى بنفسها ما تحتاجه وتواظب على الحضور الأسبوعى لورشة الزيتون الأدبية مع المؤرخ والمثقف شعبان يوسف لدعم الشباب والأجيال الجديدة، الذى وصف أعمال سلوى بكر بأن أدبها يبحث عن المياه الجوفية بحياة المصريين، ويوما آخر تبدع فى صناعة الجمال بالحلى والملابس أو الشياكة البسيطة، ولكن بتفرد الفنانة المبدعة كما أدبها لذلك، فحصولها على الجائزة العالمية هو تتويج مستحق للجودة والصدق بالانتماء للناس العاديين فى مسيرة من الدأب والإبداع، أو كما وصفها بيان وزارة الثقافة بعد الفوز بجائزة البريكس الأدبية أنه فوز مستحق لقيمة مصرية كبيرة فى الأدب، ودليل لاستمرار الإبداع المصرى.
أن تفوز مصر وامرأة بأول جائزة عالمية تدشن خارج صالون الجوائز الغربية؛ هى علامة على أهمية القوى الناعمة لمصر وأهمية الفكر والثقافة المصرية، وللمرأة على وجه التحديد.