رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«محفوظ» والغناء


12-12-2025 | 12:48

.

طباعة
بقلـم: صلاح البيلى

سألت نجيب محفوظ مرة فى حوار من حواراتى السبعة معه عن رأيه فى كيفية حل الصراع العربى  الإسرائيلى، فقال: (على طريقة أحمد عدوية حين غنى: سيب وأنا أسيب)، ورغم إجابة محفوظ البسيطة والعميقة فى آن واحد، فإنها تكشف عن ملمح مهم من ملامح شخصية نجيب محفوظ، ألا وهو حبه للغناء، خاصة القديم منه، وعشقه لأهل الطرب، ومواكبته لعصره الغنائى، وهذا الملمح هو ما نتوقف معه فى ذكرى ميلاد محفوظ التى تحل فى 11 ديسمبر من كل عام.

 

عرفنا جميعا أن نجيب محفوظ كان مصريًا أصيلًا، وقاهريًا حتى أذنيه، وحرفوشًا كبيرًا من حرافيش المحروسة، كما كان ابن نكتة، ساخرًا، حاضر البديهة، ناطقًا بالقفشة اللاذعة، أخذت منه المقاهى ربع عمره على الأقل، كما أخذ منه السهر فى شبابه الغضّ جلّ وقته حتى الخمسين من عمره، وهى المرحلة الخصبة التى أبدع خلالها رواياته الفرعونية الثلاث ثم رواياته الواقعية، وكان أعزب مضربًا عن الزواج.

فى هذا الوقت، كان نجيب رفيق درب وصديق ليالى شيخ ملحّنى عصره الشيخ زكريا أحمد، وكان يزوره فى بيته فى حى السيدة زينب ويسهر معه حتى مطلع الفجر، وكان نجيب عاشقًا له، وأكد مرارًا أن موهبة الشيخ زكريا فى الحكى والحديث اللطيف تضارع موهبته فى وضع ألحانه الخالدة، وكان الشيخ زكريا يترك حكاياته أحيانًا ويمسك عوده، ويغنى بصوته الذى وصفه محفوظ بأنه: (صوت يتميز بقوة ورخامة لا نظير لها)، ثم يترك العود ويعود لحياته التى لا تنتهى.

تعود علاقة محفوظ بزكريا أحمد إلى صديق مشترك اسمه (صلاح زيان) من سكان العباسية، حين انتقل إليها محفوظ من حىّ الجمالية، وكان صديقه يعقد جلسات سمر فى بيته حتى الفجر، ويحضرها كنجم سهرة الشيخ زكريا أحمد كل ليلة، حتى اندهش نجيب وتساءل بينه وبين نفسه: متى يعمل الشيخ زكريا، ومتى يضع ألحانه وهو يداوم على تلك السهرات اليومية؟، ثم سرعان ما انجلت دهشته حين علم أن الشيخ زكريا لديه قدرة فائقة على وضع ألحانه فى أى مكان وفى أى وقت، وقال: (أذكر أنه لحّن أغنية حبيبى يسعد أوقاته لأم كلثوم وهو يجلس معنا، وفى مرات عديدة كان يضع لحنين مختلفين لأغنية واحدة، ثم يعرضهما علينا لنختار منهما).

وشهد نجيب فترة من خلاف زكريا أحمد مع أم كلثوم، وهو الخلاف الذى استمر تسع سنوات بسبب طلبه برفع أجره، وحقوقه عن تسجيل ألحانه على أسطوانات، وكان زكريا يعتبره الخلاف (مسألة كرامة)، كما روى محفوظ عشق زكريا لسيد درويش لـ(درجة العبادة)، فكان لا يملّ من الحديث عنه والانفعال الشديد، كلما تذكر أيامه معه.

ويذكر نجيب أن الشيخ زكريا كان يملّ من القراءة، ومع ذلك قرأ رواية (زقاق المدق) وحفظها، وكان يرويها بطريقته الساخرة كما لو كان مؤلفها، واندهش محفوظ: متى واتته الفرصة لقراءة كتاب كامل؟، فقد كان صعلوكًا كبيرًا، ومن حرافيش السهر حتى الصباح؟!

وعن طريق زكريا أحمد تعرف نجيب بالشاعر الشعبى الكبير بيرم التونسى، ولكنه وجده عكس الصورة الذهنية التى رسمها له، وجده يميل للصمت والعزلة طوال السهرة، وإذا تكلم يكون باقتضاب ومرارة، وفسر نجيب ذلك بشدة ما عاناه من مآسى النفى والغربة، وكان بيرم متابعا جيدا لروايات محفوظ، وشاركه فى كتابة سيناريو وأغانى فيلم (ريا وسكينة).

ويعترف محفوظ بأنه تعلّق بالشيخ زكريا منذ رآه أثناء الحرب العالمية الثانية، وحتى رحيله سنة 1962م، واستوحى من سهراته معه قصته القصيرة (الزعبلاوى).

أيضًا، تعلّق نجيب بصوت الشيخ محمود صبح، ووصف حنجرته بأنها لا مثيل لها بين الأصوات المصرية، مع قوة الشخصية.

ويعترف محفوظ بأنه تعلّق بالغناء القديم من خلال الأسطوانات التى وجدت فى بيتهم لأساطين العصر الفائت، مثل: (يوسف المنيلاوى، وصالح عبدالحى، وعبداللطيف البنا، وسيد درويش)، وكان يذهب صبيًّا وشابًّا مع أصحابه لمسارح روض الفرج؛ إذ كان الحى هو متنزه أهل القاهرة، فلما ظهرت الإذاعة الرسمية سنة 1934م، أصبحت البيوت المستورة تشترى الراديو وتستمع للقرآن والأغانى يوميا، لدرجة أن نجيب ذكر فى الثلاثية أن (السيد أحمد عبدالجواد) بطل الرواية كان لا يهنأ بالنوم إلا على صوت الراديو.

ويعترف محفوظ بأنه تعلق بصوت أم كلثوم وعبدالوهاب حين ظهرا، وأيّد ما قام به عبدالوهاب من تطعيم الموسيقى الشرقية بالغربية، وقال إن درويش لو عاش لفعلها، وقد حضرت أم كلثوم الحفل الذى أقامه هيكل لبلوغ محفوظ الخمسين فى (الأهرام) سنة 1961م، وكان محفوظ يحضر حفلاتها الحية حتى تعذر عليه شراء التذكرة فاكتفى بسماعها فى الراديو، وقد صور نجيب فى روايته (ميرامار) مشهد جلوس كل رواد البنسيون لسماع حفلة الست الشهرية حتى آخرها بانسجام وطرب، كما أحب صوت فيروز ووديع الصافى وصباح فخرى، ولكنه لم يعشق صوت فريد ولا أسمهان رغم اعترافه بجمال صوتهما.

وبلغ من حب محفوظ للموسيقى والطرب أنه التحق سنة 1933م طالبًا بمعهد الموسيقى العربية لمدة عام كامل، وتعلم العزف على آلة القانون مع حفيد العقاد الكبير، عازف الست الشهير، وحفظ نجيب بعض الألحان وعزفها فى شبابه، وكان آنذاك طالبا بالسنة الثالثة فى قسم الفلسفة فى آداب القاهرة.

وشاهد نجيب بعض حفلات منيرة المهدية، وأُعجب بها، وعرف فضلها على عبدالوهاب حين دفعت به للغناء على المسرح، ولكنه لم يرَ عبده الحامولى ولا محمد عثمان، فقد ماتا قبل ولادة محفوظ بعشر سنين، ولكنه عرف أغانيهما بصوت صالح عبدالحى.

كما عرف محفوظ الموسيقار عبدالحليم نويرة، عن طريق شقيقه فؤاد الذى كان صديقا له، ويلعب معه كرة القدم فى العباسية، ومن خلال نويرة تعرف نجيب بالمغنى والممثل عزيز عثمان، الذى ظهر فى فيلم (لعبة الست) مع الريحانى.

وحين تولى نجيب إدارة الرقابة على المصنفات، فوجئ بالرقيب يمنع أغنية (يا مصطفى يا مصطفى أنا بحبك يا مصطفى، سبع سنين فى العطارين..)، ولما سأله عن السبب، قال إنها تشير إلى مصطفى النحاس، وأن السنوات السبع هى سنوات ما بعد ثورة 23 يوليو سنة 1952م، فغضب نجيب ولم يعجبه ضيق أفق الرقيب، وأمر بإذاعتها!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة