على باب مصر تدق الأكف ويعلو الضجيج
رياح تثور جبال تدور بحار بحار تهيج
وكل تساءل فى دهشة
وكل تساءل فى لهفة
أين ومن وكيف إذن
أمعجزة مالها أنبياء
أدورة أرض بغير فضاء
وتمضى المواكب بالقادمين
من كل لون وكل مجال
وفى باريس، غنت إيديث بياف «تحت سماء باريس» والتى مازال الشباب يرقصون على نغماتها فى الاحتفالات الوطنية ولعل أشهرها وأحدثها كان الألعاب الأولمبية فى دورتها الباريسية.
تحت سماء باريس
يتهادى العشاق
بسعادتهم التى شيد على
نغمة خلقت من أجلهم
تحت جسر «برسى»
يجلس فيلسوف
اثنان من الموسيقيين، بعض المتفرجين
ثم بشر بالآلاف
تحت سماء باريس
يغنى الجميع طوال الليل
نشيد الناس المحبة
وهنا نتساءل: هل الوطن مكان، أم صوت، أم إحساس بالانتماء يتجاوز كل الحدود؟
فتتصدر تجربة الأيقونتين، أم كلثوم وإيديث بيّاف فضاء السؤال وتنضح بإجابة شافية وهى أن الفن الحقيقى قادر على أن يصنع وطناً لا يحتاج إلى جغرافيا، نقصد هنا الذاكرة المشتركة التى يبنيها الجمهور حول صوتٍ يلامس جوهر الإنسان.
فكما يحتضن العربى صوت أم كلثوم باعتباره جزءاً من ذاته، يحتضن الفرنسى صوت إيديت بياف بالطريقة نفسها، وهى الأغنية التى تُشعل الشوق..
نعم، أغنية تُشعل الشوق..
وصوت ينساب مثل نهرٍ قديم يعرف طريقه إلى الذاكرة..
ولحظة إبداع تلامس فى داخلنا ذلك الخيط الخفى الذى يربط الإنسان بأرض ميلاده وبفنها الذى لا يقدّم جمالًا وحسب، بل يوقظ بهجة الانتماء، ويعيد صياغة العلاقة بين الروح والزمان والمكان.
وهكذا يصبح الفن نافذة نطلّ منها على الأيام التى حملت مراحل حياتنا منذ أن كان الوطن بالنسبة لصغر سننا مجرّد رائحة خبز الفرن المجاور للمنزل، وصوت الأم وهى تنادى بصوتها المميز، ودفء شارع صغير يلعب فيه الجميع، ابن الفقير والغنى على السواء والكل يعرف عن ظهر قلب منعطفاته وحتى مطبات طرقه وأرصفته.
وهنا فى لحظات الانسجام تلك..
ندرك أن وعى المواطن مرتبط بضرورة «فلاحة» العقول وزراعة شعور الفخر والانتماء فى قلبه وأن الفن ليس ترفًا ولا ترفيها لشغل ساعات اليوم، بل هو اللغة الروحية التى يجب أن يتحادّث بها الوطن وأن تجليات الفن هى المرآة التى تعكس ملامحه الحقيقية: رقيقًا حينًا، قويًا حينًا، وعصيًّا على النسيان دائمًا.
وعندما ينجح الوطن فى جمع القلوب على نبضة واحدة، يصبح الانتماء أكثر من كلمة.. يصبح شعورًا يطوف فى الهواء، ويُمسك بنا من أعمق نقطة فى الوجدان
ولعلّ أجمل ما فى الفن أنه لا يفرض حبّ الوطن، بل يزرعه برفق، كمن يضع وردة على شرفة القلب وينتظر أن تتفتح من تلقاء نفسها.
فحين يلمع صوت، أو تلمس جملة، أو يلمع مشهد، يتذكّر كل واحدٍ منّا أنه ابنُ حكاية لم تبدأ به ولن تنتهى عنده.. حكاية اسمها الوطن!
عزيزى القارئ
على الرغم من أن أم كلثوم فى الشرق وإيديث بياف فى الغرب وبالرغم من أنهما تنتميان إلى عالمين ثقافيين متباعدين، غير أن كلتيهما شكّلتا بصوتهما وتاريخهما تجربة إنسانية تتجاوز حدود الفن لتلامس قضايا الوطن والهوية والوجود، إنهما نموذج لفنانين تحوّلا إلى رمزين، ليس فقط فى موسيقاهما، بل فى كل ما ارتبط بهما من ذاكرة جماعية وأثر وجدانى.
إيديث بياف، جاءت من هامش المجتمع الباريسى ولكنها حملت باريس معها أينما غنّت، ففى صوتها، تجلت شوارع «مونمارتر» وأرصفتها، وقسوة الفقر التى عاشتها، ودفء العلاقات الإنسانية البسيطة، لم تكن باريس مجرد مكان، بل هوية عميقة انطلقت منها وصاغت جوهرها الفني..
أما أم كلثوم، فكان صوتها بمثابة وطنٍ يلتف حوله العرب، فقد حملت أغانيها معنى الاستقرار الروحي، وكأن صوتها هو الـ «ثبات» وسط تغيّرات عاصفة، لم تكن تغنى للوطن بمعناه السياسى فحسب، بل للوطن بمعناه العاطفى: البيت، الأم، الذكريات، والشعور بأن هناك ما يستحق أن نتشبث به مهما تغيّر العالم...
الحب فى أغانى أم كلثوم هو رحلة لا تنتهى..
رحلة ممتدة بين الرجاء والخيبة والانتظار..
إنها تغنى الهوى بوصفه هوية داخلية، لا مجرد حالة عابرة، من «الأطلال» إلى «فكرونى»، يتحول العشق إلى معركة روحية، وإلى اختبار لمدى قدرة الإنسان على الصبر والوفاء والتسامح..
فى المقابل جسّدت «بياف» الهوى بوصفه حباً متفجراً، لا يخضع للانتظار الطويل ولا للانضباط الشرقى هو حب يشبه اندفاع الحياة فى لحظة قصيرة المدى، كما فى أغنيتها الخالدة «لا أندم على شيء» فقد كانت ترفض الندم لأنها ترى فى الحب قوة تحرّر، حتى لو كان ذلك مؤلماً، فالحب - وفقا لرؤيتها - هو ما يمنح الإنسان معنى وجوده بين الفناء والبقاء.
دعونى أشارككم لمحة قدريّة استوقفتنى وكانت قد جمعت بين أم كلثوم وإيديث بياف، فى سنوات الطفولة الأولى التى أعتبرها الخيط التأسيسى لنسيج الشخصية، فكلتاهما أصيبت بجرثومة فى العين كادت تحرمهما من نعمة البصر، إلا أن معجزة أحد الشيوخ الحكماء أتت ببركاتها بالنسبة لأم كلثوم وشفيت وأعاد الله لها البصر أما بالنسبة لإيديث بياف، فجاء الشفاء بعد شفاعة القديسة تيريزا، وكأن هذا الجرح فى عينيهما - فى ما بدا كعائق - قد تحوّل من نقطة ضعف إلى نافذة فتحت لهما آفاقاً رحبة وعلَّمتهما أن النظر والتقاط مواطن الجمال يكون بالقلب قبل العين وهى حقيقة يغفل عنها للأسف الكثير من الناس.
لقد أضاءت أم كلثوم الشرق كله بغنائها، كما أضاءت إيديث بياف باريس بأغنياتها، كأن كِلتاهما استبدلتا ضعف البصر بحدة البصيرة، والرؤية المادية برؤية داخلية تنفذ إلى جوف الروح.
استوقفتنى ومضةٌ مشتركة أخرى بين هاتين الأيقونتين، ومضة واقعية تتجلّى فى مشهد الوداع الأخير لكلٍّ منهما، رغم أن اثنى عشر عامًا فصلت بين الرحيلين، فحين توفيت أم كلثوم فى 3 فبراير 1975، اندفع الملايين فى موكب مهيب، جموعٌ من الدلتا إلى الصعيد خرجت لتشييع كوكب الشرق فى مشهد بدا فيه الوطن كلّه وكأنه يشيّع جزءًا من روحه.
وفى فرنسا، بعد رحيل إيديث بياف فى 11 أكتوبر 1963، قيل إن عدد المشيّعين تجاوز المليون، وأنّ شوارع باريس غصّت بالبشر حتى لم يبقَ موطئ قدم، كأن المدينة بأكملها خرجت لتودّع صوتها الأكثر ألمًا ووهجًا. لم تكن جنازة أم كلثوم أو إيديث بياف حدثًا عابرًا، فقد خرج الناس يودّعون صوتًا احتضن وجدان وطنٍ بأسره، كان وداعهما لحظةً فارقة فى الذاكرة الجمعيّة، لحظة بدا فيها الوطن كلّه كأنّه يمشى خلف نعش صوتٍ تجاوز حدود الحياة نفسها.
لقد كانت أم كلثوم أو بياف أكثر من مجرد فنانتين؛ كانتا رمزًا للوطن وحاملات لمصابيح التنوير والثقافة والهوية والذاكرة الجمعية من خلال أغنية تُشعل الشوق وصوت يوقظ بهجة الانتماء!