رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

محنة ثلاثى أوروبا


13-12-2025 | 15:40

.

طباعة
تقرير: أمانى عاطف

تواجه أوربا تقلبًا شديداً في بيئتها الأمنية لم تشهدها منذ عقود؛ حيث يواجه ثلاثة من أكثر قادتها نفوذًاً؛ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس اضطرابات وأزمات داخلية متصاعدة من الفضائح السياسية والاحتجاجات الجماهيرية إلى صراعات الائتلاف في ألمانيا، تُهدد أزماتهم الداخلية قدرتهم على القيادة الخارجية والحفاظ على جبهة أوروبا الموحدة. ويبقى السؤال: هل يستطيعون تجاوز أزماتهم الداخلية وإنقاذ أوروبا؟

 

 

يعمل رئيس الوزراء البريطاني ستارمر، والرئيس الفرنسي ماكرون، والمستشار الألماني ميرتس بشكل وثيق مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين لدعم أوكرانيا وردع أي عدوان روسي إضافي، ومن جهة أخرى يُكافحون حالة من عدم الاستقرار السياسي الشديد في الداخل، تتسم بانخفاض حاد في نسب التأييد واحتجاجات واسعة النطاق، في حين أظهروا وحدتهم وعزمهم في الخارج، يواجه كل قائد تحديات غير مسبوقة داخل حدوده.

وعلى الرغم من أن القادة الثلاثة يعانون من هشاشة سياسية داخل بلدانهم وتهديدات خارجها، فإن تحالفهم المعروف باسم «إي 3» لا يقوم على مؤسسات رسمية أو هياكل ثابتة، بل على تنسيق عملي فرضته تحديات إستراتيجية مشتركة في مقدمتها حرب أوكرانيا، والتهديد الروسي لأوروبا، وطموحات إيران النووية، وتقلبات سياسة الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب. كما أن كلا منهم «غير محبوب في بلده»، ويقود حكومة ضعيفة ويواجه تهديدا من اليمين الشعبوي، ما يجعلهم يتعاطفون مع بعضهم بعضا بسبب ما يتعرضون له من مصاعب سياسية مشتركة وفقا لمجلة «الإيكونوميست» البريطانية، ترحب ألمانيا وبريطانيا بهذا التعاون كوسيلة لتعويض الانقسامات الأوروبية والصعوبات المتزايدة في العلاقة مع الولايات المتحدة. كما أن المعاهدات الثنائية التي وقعتها باريس وبرلين ولندن هذا العام أسست شبكة جديدة من «التعددية الثنائية» التي تمنح العلاقات الثلاثية دفعة إضافية.

في حين يستعد كير ستارمر للعب دور رجل دولة دولي، ازدادت تقلبات المشهد السياسي المحلي إذ يواجه فضائح متعددة هزت حكومته، كان أخطرها تورط بيتر ماندلسون، سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة الذى أُقيل بعد كشف سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني تظهر مدى علاقته بجيفري إبستين، الممول الأمريكي الراحل المدان بارتكاب جرائم جنسية. ومن بين أكثر الفضائح ضررًا مراسلات وصف فيها ماندلسون إبستين بـ«صديقي العزيز» وقدم له نصائح حول كيفية الطعن في إدانته عام 2008 بتهمة استغلال قاصر.

جاء سقوط ماندلسون بعد أيام قليلة من الاستقالة المفاجئة لنائبة رئيس الوزراء البريطاني أنجيلا راينر بسبب جدل ضريبي، مما أدى إلى زعزعة استقرار حكومة ستارمر، كان لهذه الفضائح تأثير بالغ على مكانة ستارمر العامة رغم فوزه الكبير مع حزبه. وفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «مور إن كومون» مؤخراً انخفض صافي نسبة تأييده إلى 44- في المائة، وأفاد 62 في المائة من المشاركين أن أداءه كرئيس للوزراء ضعيف، بينما أعرب 18 في المائة فقط عن تأييدهم لقيادته.

وعلى الرغم من ضعف استطلاعات الرأي، لا يزال ستارمر يتمتع بنفوذ سياسي كبير بفضل أغلبية حزبه المسيطرة على البرلمان بـ148 مقعدًا وهو غير مُلزم بالدعوة إلى انتخابات حتى عام 2029، مما يمنحه الوقت الكافي لمحاولة التعافي السياسي. ومع ذلك، أثار الصعود السريع للشعبوي اليميني نايجل فاراج تكهنات مكثفة حول إمكانية وجود تحدٍّ مستقبلي لقيادة ستارمر.

 

أعرب الكاتب والمحلل السياسي عمرو حسين عن أن أوروبا تُواجه اليوم لحظة تاريخية فارقة؛ إذ يبدو أن زعماءها الذين يظهرون في الخارج في صورة القادة الأقوياء، يعانون في الداخل من أزمات سياسية عميقة تهدد مكانتهم، بل وتهدد قدرة أوربا نفسها على مواجهة تحدياتها المتسارعة. وقال إن المفارقة تكمن في أن التأثير الخارجي بات مرهونًا بشكل مباشر باستقرار الداخل، وهو ما يفتقده كل من ماكرون وستارمر وميرتس بدرجات متفاوتة.

وأضاف حسين أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمثل نموذجًا صارخًا لهذه الإشكالية؛ فهو يحاول تقديم نفسه كقائد أوروبي قادر على توحيد المواقف في ملفات أمن الطاقة، والتعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية، وإدارة العلاقات مع الولايات المتحدة والصين. إلا أنه في الوقت ذاته يعيش أزمة سياسية داخلية خانقة بسبب برلمان منقسم وشعبية متراجعة وصعود غير مسبوق لليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان. وأكد حسين أن ماكرون، رغم طموحه الأوروبي والدولي بات محاصرًا داخليًا بما يجعل قدرته على التأثير الخارجي مشروطة بحل معادلة داخلية شديدة التعقيد، خاصة مع دخول فرنسا مرحلة “التحولات الاجتماعية الحادة” التي تستغلها القوى الشعبوية بمهارة.

وتابع «حسين» أن كير ستارمر في بريطانيا يواجه هو الآخر معركة داخلية ليست أقل خطورة. فعلى الرغم من نجاحه في الوصول إلى الحكم بعد سنوات من الفوضى السياسية التي خلّفها البريكست والانقسامات داخل حزب المحافظين، إلا أنه يواجه اليوم تحديات اقتصادية كبرى تتعلق بضعف النمو، وارتفاع تكلفة المعيشة، والسخط المتزايد داخل الطبقات العاملة التي كانت تاريخيًا قاعدة الحزب العمالية. وأشار «حسين» إلى أن ستارمر يدرك جيدًا أن إعادة تموضع بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوربي يتطلب رؤية واضحة، لكن أي إصلاح اقتصادي سيضعه في مواجهة مباشرة مع قطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما يجعل الوضع الداخلي هشًا ومفتوحًا على تصعيد سياسي في أي لحظة.

وفي السياق ذاته، أكد حسين أن تيار الوسط واليسار في أوربا، ممثلاً في أحزاب مثل ميرتس وغيرها، يواجه تحديًا وجوديًا وليس فقط انتخابيًا. فالخطاب التقليدي للوسط واليسار لم يعد قادرًا على إقناع قطاعات كبيرة فقدت الثقة في الوعود الإصلاحية، وصارت أكثر انجذابًا لخطاب اليمين القومي الذي يقدم حلولاً بسيطة وسريعة لمشكلات معقدة مثل الهجرة، والركود الاقتصادي، وتحديات الهوية. وأوضح أن ميرتس، الذي يحاول إعادة تشكيل الوسط الأوروبي، يقف أمام صعود شعبوي جارِف، ما يجعل السؤال حول مستقبل هذا التيار أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

وأشار «حسين» إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه هؤلاء القادة الثلاثة لا يكمن فقط في قدرتهم على الإمساك بزمام الملفات الخارجية، بل في قدرتهم على إعادة بناء ثقة الشارع في الداخل. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تحولات الوعي السياسي، باتت أكبر من قدرة أي زعيم أوروبي على تجاهلها أو الالتفاف عليها.

واختتم حسين تصريحاته مؤكدًا أن مستقبل أوروبا سيُحسم داخل العواصم الأوروبية وليس على طاولة المفاوضات الخارجية. فإذا لم يستطع ماكرون وستارمر وميرتس تجاوز أزماتهم الداخلية وبناء قواعد دعم حقيقية، فلن يكون بمقدورهم إنقاذ أوروبا من موجة الانقسام والتراجع التي تهددها اليوم. أوروبا تحتاج إلى قيادة مستقرة قبل أن تحتاج إلى خطاب سياسي قوي، وهذه هي المعادلة التي ستحدد شكل القارة خلال العقد المقبل.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة