تصعيد مستمر بدأ بضرب أمريكى للقوارب فى الكاريبى بحجة مكافحة المخدرات القادمة من فنزويلا، ليصل الأمر بعد ذلك لمساومة ترامب للرئيس مادورو لترك السلطة مقابل الخروج الآمن من فنزويلا، إلى جانب تصريحات أمريكية بحظر الطيران فوق المجال الجوى لفنزويلا، وسط معارضة عالمية كبيرة لما يحدث، تصعيد يترك النهاية مجهولة حتى الآن.
ازدادت التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا منذ عدة أشهر، بعد أن نفذ الجيش الأمريكى مجموعة من الضربات بالقوارب فى منطقة البحر الكاريبى وشرق المحيط الهادئ فى فنزويلا، وبحسب التصريحات الأمريكية فإن هذه الحركة جاءت لاستهداف سفن متورطة فى تهريب المخدرات، وبحسب المعلومات التى صرح بها مسئولون أمريكيون فإن العمليات على طول الساحل الفنزويلى أسفرت عن مقتل حوالى 83 شخصا على الأقل، الأمر الذى أثار انتقادات كثيرة من الحكومات الأجنبية وهيئات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، وحتى المشرعين الأمريكيين أنفسهم من الحزبين الجمهورى والديمقراطى.
لكن ذلك لم يوقف ترامب، بل تزامنت هذه الضربات مع حشد عسكرى أمريكى فى المنطقة بما فى ذلك انتشار بحرى كبير فى الكاريبى، كما واصل ترامب تهديداته بشأن ضربات برية محتملة، بالإضافة إلى أنه أعلن فى نوفمبر الماضى عبر منصة سوشيال تروث أن المجال الجوى لفنزويلا وما حولها يعتبر مغلقا.
تاريخ كبير من الصراع والتوترات يمتد لأكثر من عقدين على إثر النفط وفرض العقوبات الأمريكية بسبب طبيعة الإدارة فى فنزويلا التى لا ترضى الولايات المتحدة عنها كثيرا، بدأت هذه التوترات تظهر بشكل ملحوظ فى عهد الرئيس السابق هوجو تشافيز الذى توفى فى 2013، والذى اتهم الولايات المتحدة مرارا وتكرارا بالتدخل فى الشئون الداخلية لفنزويلا ومحاولة فرض السيطرة على أمريكا اللاتينية، تشافيز ذهب أيضا لتعزيز علاقته مع أعداء الولايات المتحدة، بما فى ذلك إيران وروسيا والصين وكوبا.
وفى عهد خليفته مادورو، زادت العلاقات الأمريكية الفنزويلية توترا فى عهده، وزاد على ذلك الحالة الاقتصادية الصعبة انزلقت إليها فنزويلا، وانهيار إنتاج النفط، مما أدى إلى حالة من الهجرة الجماعية من فنزويلا. وأثناء ذلك تباينت استجابة الولايات المتحدة لما يحدث فى فنزويلا، وشمل ذلك عقوبات وعزلة اقتصادية وسياسية، كما دعمت الولايات المتحدة المعارضة الفنزويلية دائما، حتى إن ترامب فى فترته الأولى اعترف بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيسا مؤقتا لفنزويلا، لكن مادورو ندد بذلك واعتبره انقلابا على السلطة.
ورغم تراجع نفوذ غوايدو لاحقا، إلا أن التوتر بين البلدين لم يختفِ، ليتصاعد مرة أخرى الآن فى الفترة الثانية لترامب، ويقول الدكتور مهدى عفيفى الباحث والمحلل السياسى، إن ما يحدث هو استمرار لمسلسل من مسلسلات ترامب، فأمريكا لديها مشكلة كبيرة فى الاقتصاد والتضخم والهجرة، بالإضافة لفضائح إبستين، لذا فترامب مع مجموعة من مستشاريه يحاولون كل فترة اختلاق قصة معينة لشغل الرأى العام.
فحسب مهدى فإن فنزويلا لا تشكل خطرا على أمريكا، لأن البلد الأساسى لتصدير المخدرات هى كولومبيا، وأضاف مهدى أنه إذا كان ذلك حربا على المخدرات، فترامب منذ عدة أيام أصدر عفوا رئاسيا عن رئيس هندوراس السابق، وكان متهما بالاتجار فى المخدرات وتم الحكم عليه من القضاء الأمريكى بخمسة وأربعين عاما للسجن، فإذا كانت المسألة هى المخدرات، فكيف يتم العفو عن ذلك المتهم.
أما ثالثا فكما يوضح مهدى، هو الخلاف الدائم بين أمريكا وبين من لا يستمع إلى الكلام-على حد تعبيره- فمادورو كما يقول مهدى لا يستمع للأمريكان، كما أن هذه البلدان فى أمريكا اللاتينية بدأت تتجه لروسيا والصين، وتخشى الولايات المتحدة أن تفقد سيطرتها على هذه البلاد، التى يطلق عليها الفناء الخلفى لأمريكا، لذا فمن وجهة نظر مهدى فإن الولايات المتحدة تختلق أسبابا لخلق نظام موالٍ للولايات المتحدة فى فنزويلا، وذلك للسيطرة عليها لأن فنزويلا من أكبر البلاد التى تملك احتياطى نفط فى العالم، وأمريكا بصيغة عامة تسعى حاليا إلى المعادن النفيسة، كما تفعل فى اتفاقية اليورانيوم مع الكونغو، حيث يجب جمع كل ما يحدث لفهم الصورة بشكل أوضح، لذا يمكن القول إن الحرب الحالية حرب اقتصادية مغلفة بأسباب سياسية.
لكن كما يقول مهدى لن تكون هناك حرب على الأرض، فهناك تحرك من مجلس الشيوخ الأمريكى بسحب سلطات الرئيس الأمريكى فى إعلان الحرب، وهى سلطة اكتسبها الرئيس بعد أحداث سبتمبر، واستمرت مع الرؤساء المختلفين، لكن بعد ما يحدث فى فنزويلا فهناك أعضاء من مجلس الشيوخ سواء الديمقراطيين أو الجمهوريين، أعدوا مشروع قانون بسحب سلطة إعلان حرب من الرئيس الأمريكى، بالرغم من ذلك يقول مهدى إنه من خلال معرفتنا لترامب فإنه لا يلتزم بأى قانون، لكن داخليا فالجيش الأمريكى غير موافق على هذه الحرب، لذا فلن يكون هناك جنود على الأرض ولن يتكرر سيناريو فيتنام.
ويعتقد «عفيفى» بأن الضربات ستستمر حفظا لماء وجه ترامب، وذلك بعد أن طالب ترامب من مادورو مغادرة البلاد وتكوين حكومة انتقالية موالية لأمريكية لكن مادورو رفض، لذا سيكون هناك مزيد من الضربات إلى أن يحين الوقت للجلوس على الطاولة والتفاوض.
لكن السفير رخا حسن مساعد وزير الخارجية الأسبق قال إن هناك مشجعا وعائقا أمام الولايات المتحدة فى فنزويلا، المشجع هى الحالة الاقتصادية التى تمر بها البلاد، والتى قد تدفع بعض الفنزويليين للتخلى عن مادورو، أما العائق فهو موقف الدول اللاتينية وكثير من دول العالم التى تعتبر ما يحدث فى فنزويلا هو اعتداء صريح على سيادة فنزويلا، وفنزويلا دولة كبيرة وغنية بمواردها.
وأضاف رخا أن السؤال هنا هو هل سيخاطر ترامب بإرسال قوات برية إلى فنزويلا، لاسيما أن مادورو وزع بالفعل أسلحة على الشعب لمواجهة أى تدخل عسكرى، أم سيلجأ ترامب للجلوس على طاولة التفاوض، التى بدأها بالفعل حين تحدث مع مادورو وطلب منه مغادرة البلاد مع توفير خروج آمن، وهو تقليد متبع مع زعماء دول أمريكا اللاتينية، حيث يختار الرئيس بلدا مجاورا للرحيل إليه فى مقابل عدم التعرض له وملاحقته بعد ذلك، ويقول رخا إن مادورو رفض هذا المقترح، لكن يوجد مقترح آخر نص أن يترك السلطة، لكنه لن يترك البلد بل سيظل قائدا للجيش وألا تتم ملاحقته أو أحد من عائلته بعد ذلك، وبالطبع رفض ترامب، ويقول رخا إنه ربما يصل التفاوض إلى نقطة ما يتنازل فيه كلا الطرفين عن أحد مطالبه حتى ينتهى الصراع.