لا شك أن أجراس الإنذار تدق اليوم فى القارة الأوروبية التى اندفعت بكامل ثقلها لدعم أوكرانيا فى حربها، بينما تقف الولايات المتحدة بعيدًا تراقب حرائق تشتعل فى الاقتصاد الأوروبى وأسواقه المتقلبة. فقد لامست أوروبا حدود الخطر الحقيقى، وتتعرض لزلزال اقتصادى يضرب قلب عواصمها، ليضع مستقبل الاتحاد الأوروبى نفسه على المحك.
ويبقى السؤال الأهم: هل كانت الحرب الروسية الأطلسية هى السبب الرئيسى، أم إن قواعد الرسوم الترامبية وسرديتها أوقعت أوروبا فى الفخ، ودفعتها إلى مأزق كبير فى قيمة العجز؟ فالدين يزيد ثم الفوائد، وهى حلقة مفرغة، وخطط لم تُقبل فى البرلمان الفرنسى، وخرجت تسريبات الموازنة فى إنجلترا، وظهرت مناطق الضعف فى الاقتصاد الألمانى بعدما كانت فى السابق غير ظاهرة.. ويقف المستثمرون فى الخلفية يقرأون المشهد الاقتصادى والسياسى ويتخارجون من الأسواق التى لا تهدأ.
فى خضم الأحداث والتحديات الاقتصادية، بدأت الأسواق المالية الأوروبية تعيد تسعير المخاطر، وبدأ الاستثمار يتراجع، والبورصة الفرنسية تتراجع، وبدأ تجميد المشروعات الكبرى. والحقيقة الواضحة أن دول الاتحاد الأوروبى ليست دولًا صغيرة، وإنما هى قطع من الدومينو الأوروبى على طاولة واحدة.
ومن ثم ذهبت الأزمة إلى قلب الصناعة الأوروبية، وهو الأمر الذى لا يقتصر على مجرد أرقام عجز فى الموازنات الأوروبية، بل أصبحت قواعد الخروج من إفريقيا سريعة، كما خرجت فرنسا التى كانت إفريقيا بالنسبة لها الملعب الخلفى لجلب المعادن الثمينة والثروات، وهو ما فرض ترتيبًا جديدًا لقواعد اللعبة بدون وجود أوروبا فى إفريقيا.
لقد ضيقت الحرب الروسية الأوكرانية موارد أوروبا فى النزيف الدفاعى بعد أن ورطتهم أمريكا فى هذا الصراع بحروب الوكالة، واشتعل الشارع الأوروبى، فأصبحت مفاتيح المستقبل الأوروبية فى خطر، وبالتالى لا وقت كافٍ أمام أوروبا ولا دعم أمريكي.. حتى أصبح الاقتصاد فى أهم ثلاث دول أوروبية: فرنسا وإنجلترا وألمانيا، أمام منعطف اقتصادى كبير.. لينكشف أمام الجميع السؤال العالق دومًا: هل انتهى عصر النموذج الأوروبى؟ وهل مستقبل الاتحاد الأوروبى فى خطر بعدما أغلقت شركة فولكس فاجن أبوابها فى ألمانيا؛ مما جعل الجميع فى صدمة؟
وهل وصلت البورصة الأوروبية إلى القاع أم ما زالت هناك فرصة لمراكز تصحيح بعد الموجات البيعية؟ والنتيجة أن الكل يحبس الأنفاس الأخيرة؛ فأعمدة الاقتصاد البريطانى تهتز بشدة بعد موجة الضرائب الجديدة، وهناك موجة من فقد الوظائف فى بريطانيا تُقدَّر بـ250 ألف وظيفة، وغادر بريطانيا 138 ألفًا، وكأن هناك تصويتًا صامتًا على غياب الاقتصاد الأوروبى عن المشهد العالمى، والتضخم ينهك الفرص والثروات.
وبعد توريط ترامب لأوروبا بمفاوضات الرسوم الجمركية ووضعها على شفا حفرة لا قاع لها، أصبحت الشركات تكافح للبقاء، خاصة أن السياسة لم تعد لعبة، وإنما موازين للاقتصاد تتحرك فيها كيفما تشاء.
إن الرسوم الجمركية التى فرضها ترامب أسقطت كل خطط التقشف فى أوروبا، خاصة أمام حالة الغضب التى تنتاب المواطنين من خفض الإنفاق على التعليم والصحة، مع الأخذ فى الاعتبار أن الأسواق تعيد تسعير المخاطر، لتقع أوروبا فريسة البطالة والإفلاس وتجميد المشروعات.
كان نوفمبر هو الشهر الأسود فى الأسواق المالية العالمية، وأولها أوروبا، لكن يأمل الأوروبيون أن يحالفهم الحظ ويطلق شهر ديسمبر «رالى سانتا» حتى تتوقف التراجعات الأوروبية. أم يبقى السؤال الكبير: هل تباطؤ الاقتصاد الأوروبى وتعثره سيظل فى الواجهة مع قدوم العام الجديد؟ وهناك تساؤل آخر من خلال البيانات الاقتصادية التى أصبحت معقدة: هل نحن نبالغ أم إن أوروبا تتألم بالفعل؟
للأسف، الاقتصاد الأوروبى يدفع ثمن الانجرار وراء سياسات هؤلاء القابعين خلف المحيط، فهناك نمو بطىء يُقدّر بحوالى 1.3 فى المائة فى عام 2025، وهو أبطأ من الشريك والحليف التاريخى الولايات المتحدة الأمريكية، والركود يلوح من بعيد. وبالرغم من جهود أوروبا فى خفض التضخم، إلا أن التهديدات ما زالت قائمة كما قالت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزى الأوروبى.
هذا بالإضافة إلى التحديات الديموغرافية كالعمر السنى للسكان أو الشيخوخة الأوروبية، مع تباطؤ الإنتاج وتراجع المنافسة والتحديات الهيكلية واللوجستية وارتفاع تكاليف الطاقة، خصوصًا بعدما قررت الاستغناء عن الغاز الروسى نهائيًا بحلول عام 2027.
ضغطت السياسة الحمائية والرسوم الجمركية الترامبية وسرديتها على قاعدة البيانات الاقتصادية الأوروبية، هذا بالإضافة إلى السبب الرئيسى وهو أن أوروبا ما زالت تدفع فاتورة مواجهة روسيا، وقد كانت لا تعترف بذلك من قبل، ولكن فات الأوان؛ فقد كانت أسواقًا مثالية تحولت بفعل فاعل بسياسة التبعية الأمريكية إلى شبح اقتصادى. حتى النموذج الألمانى الذى وضعته سيدة الراين أنجيلا ميركل لم يدم طويلًا، واكتشفت أوروبا والنخب الاقتصادية أن فك الارتباط فى ملف الطاقة كان مؤلمًا ومكلفًا للغاية.
الآن يواجه الاتحاد الأوروبى أهم مشكلة فى حياة الاتحاد، وهى: هل يكون مستقلاً ويختار قراراته، أم يظل تحت الحماية الأمريكية التى جعلتهم يزيدون الإنفاق الحكومى الدفاعى من 2 فى المائة إلى 5 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى للتسليح من أمريكا؟ وهل تستفيق أوروبا قبل فوات الأوان؟
لقد صفع ترامب الدول الأوروبية بالرسوم الجمركية، ويهمشها فى مشكلة أوكرانيا بعدما تورطت ودخلت فى كبوة كبيرة. فهل تدخل عام 2026 بروح مختلفة بعيدًا عن الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية حتى تلحق مرة أخرى بالتكنولوجيا التى تنازلت عن مكانتها فيها للعملاق الصينى المكتسح؟
إن الاتحاد الأوروبى ينتظر مرحلة جديدة أكثر تفاؤلًا بشرط تخليه عن أفكار رجل الصفقات. فالقوة الشرائية عند الأوروبيين تلاشت، كما أن القلب الصناعى الأوروبى قد تآكل مع العوامل الدافعة لواحد من أهم الاقتصادات الصناعية، وهو الاقتصاد الألمانى، الذى كانت عجلته كلاعب أساسى فى الدائرة الأوروبية تنسحب تدريجيًا من الملعب لتصعد دول أخرى، وتترك أمريكا أوروبا تتألم اقتصاديًا فى صمت.