تبدأ وزارة المالية حوارًا مجتمعيًا مع منظمات الأعمال ومنظمات المجتمع المدنى المعنية بالتشريع الضريبى والمحاسبة الضريبية بأشكالها المختلفة، حول الحزمة الثانية من التيسيرات الضريبية التى كشفت عنها المالية مؤخرًا.
تضم الحزمة الثانية من التيسيرات الضريبية 25 إجراءًا ضريبيًا يتقاطع مع قطاعات اقتصادية مختلفة، وتتركز فلسفة التيسيرات حول عدة محاور رئيسية، وهى محور الحفاظ على معدلات سيولة وتدفقات نقدية لدى كل من الخزانة العامة وكذلك الممولين، واستحداث عدد من التشريعات الضريبية التى تسهل عملية المحاسبة الضريبية وتبسطها، بينما ينصب المحور الثانى حول المعالجة الضريبية للقطاعات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعى، فيما يتعلق المحور الثالث بالاستثمارات غير المباشرة بالبورصة المصرية.
وتستهـــدف «الــحزمة» الحفاظ على معدلات سيولة عالية وتدفقات نقدية مرتفعة فى القطاعات المختلفة من خلال عدة إجراءات أهمها استحداث «قائمة بيضاء» و«كارت تميز» يتم بموجبهما منح أولوية فى الحصول على الخدمات المتخصصة.
ويعتبر الإجراء الأبرز فى هذا المحور هو إعادة هيكلة إدارات «رد ضريبة القيمة المضافة» لتبسيط وتسريع الإجراءات، وقد التزمت الوزارة بالرد السريع للضريبة خلال أسبوع واحد فقط للمنضمين للقائمة البيضاء، وهو ما يستهدف توفير السيولة اللازمة للشركات والممولين، خاصة المصدرين.
كما يتضمن المحور الخاص بالبعد الاجتماعى والصناعى داخل حزمة التيسيرات، عدة إجراءات ترمى إلى خفض تكلفة بعض الأجهزة الطبية من خلال توطين صناعتها، حيث اشتملت الإجراءات على تخفيض ضريبة القيمة المضافة على الأجهزة الطبية من 14 فى المائة إلى 5 فى المائة، إلى جانب إعفاء مدخلات ولوازم أجهزة الغسيل الكلوى ومرشحات الكلى من الضريبة، وهو ما يخفّض تكلفة واحدة من أكثر الخدمات الصحية حساسية للمواطنين.
كذلك، امتدت التيسيرات إلى جانب الصناعة، من خلال زيادة مدة تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة فى الإنتاج الصناعى إلى أربع سنوات، بما يوفر دفعة للمستثمرين الجدد فى الصناعات الطبية.
ولم تغفل الحزمة البعد المتعلق بتبسيط الإجراءات؛ إذ جرى إقرار ضريبة قطعية بنسبة 2.5 فى المائة على التصرفات العقارية لتسهيل عملية البيع والشراء، إلى جانب استحداث تطبيق إلكترونى يتيح السداد والإخطار بسهولة، بما يخفّض الاحتكاك ويجعل الإجراءات أكثر مرونة ويسرًا للمواطنين.
فى السياق نفسه، حسمت الحزمة الثانية محل الحوار المجتمعى الجدل التاريخى الذى يدور كل عام حول الضريبة على الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التعاملات فى البورصة، حيث تضمنت الحزمة التحول لتطبيق ضريبة الدمغة النسبية بدلاً من ضريبة الأرباح الرأسمالية على التعاملات فى الأوراق المالية المقيدة، وهذا التعديل يهدف إلى تحفيز الاستثمار المؤسسى فى البورصة المصرية. كما تشمل الحزمة منح مزايا ضريبية لتحفيز قيد الشركات فى البورصة لمدة ثلاث سنوات، بالإضافة إلى تعديل تشريعى لإعفاء توزيعات الأرباح للشركات المصرية التابعة للشركة القابضة المقيمة فى مصر.
وحول رؤية مجتمع الاقتصاد وأطراف المنظومة الضريبية من الممولين وكبار محاسبى الضرائب تستطلع «المصور» آراء الفاعلين بالمنظومة الضريبية، وفى البداية قال الدكتور على الإدريسي، أستاذ الاقتصاد: الملاحظة الدقيقة للأثر الذى حققته الحزمة الأولى من التسهيلات تشير بوضوح إلى أن المشكلة الجوهرية التى عانت منها المنظومة الضريبية تاريخياً لم تكن بالضرورة فى ارتفاع معدلات الضريبة المعلنة، بل فى التعقيد الإجرائى والبيروقراطية التى تسببت فى نشوء منازعات وتجميد للسيولة.
«الإدريسي»، أوضح أن «نجاح الحزمة الأولى فى تحصيل 97 مليار جنيه من خلال تسوية النزاعات يدل على أن تبسيط الإجراءات ورقمنتها والفصل فى النزاعات هو المسار الأكثر كفاءة لزيادة الحصيلة على المدى الطويل، مقارنة باللجوء إلى فرض أعباء ضريبية جديدة، وهذا الفهم هو الذى قاد إلى صياغة الحزمة الثانية التى تركز بشكل كامل على التيسيرات الإجرائية والتحفيز».
وكانت الحزمة الأولى قد أسفرت عن تقدم نحو 402 ألف ممول بطلب لإنهاء النزاعات الضريبية، و107 آلاف انضموا للنظام المبسط طواعية خلال الستة أشهر الأولى من الإعلان عن الحزمة، إلى جانب تقديم نحو 650 ألف إقرار جديد ومعدل بضريبة إضافية بقيمة 78 مليار جنيه «طواعية».
وقال «الإدريسي» إن «توقيت الإعلان عن الحزمة الثانية وطرحها للحوار المجتمعى غاية فى الأهمية؛ إذ تأتى الحزمة فى سياق اقتصادى يتسق مع الإجراءات التى تشملها الحزمة، حيث إن الإعلان عن الحزمة الضريبية والحوافز جاء فى توقيت يتزامن مع تحوّل جوهرى فى ملامح الاقتصاد المصرى يظهر فى الاتجاه نحو تعزيز دور القطاع الخاص لتحريك عجلة الإنتاج والنمو، استعدادا لتخفيف الضغط على الشركات عبر بيئة استثمارية أكثر جاذبية هذه السياسة التى يرافقها استقرار نقدى وتضخمي».
كذلك، أشار أستاذ الاقتصاد، إلى أن «خطوات التعافى التى شهدتها بعض مؤشرات الاقتصاد الكلى أتاحت خلفية مناسبة لإطلاق حزمة التيسيرات الضريبية والحوافز، حيث ارتفع نصيب الاستثمار الخاص إلى 73 وهو أعلى مستوى له خلال خمس سنوات بحسب ما أعلنه وزير المالية، بالإضافة إلى ارتفاع فى معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى بنحو 4.77 فى المائة فى الربع الثالث من السنة المالية 2024/2025، وهو أعلى معدل فصلى فى نحو ثلاث سنوات، ما يشير إلى انتعاش ملموس رغم التحديات الخارجية والداخلية»، لافتًا إلى أن «استقرار معدلات الفائدة والتضخم يجعل المجال مفتوحًا نحو تحقيق الحزمة الضريبية الجديدة لأهدافها من زيادة الحصيلة ورفع موارد الدولة الضريبية والحفاظ على معدلات سيولة داخل القطاعات الاقتصادية المختلفة».
وعلى الصعيد الضريبى قال خبير الضرائب أنس كمال، إن «مضمون الحزمة يؤكد الرغبة الجادة والفعلية من أجل إصلاح المنظومة الضريبية بجميع عناصرها وأطرافها والتى تتبناها وزارة المالية».
«كمال» رحب بالتعديلات التى تشملها الإجراءات المتعلقة بالضريبة على التصرفات العقارية، وأوضح أن «ضبط تطبيقات المادة 42 من قانون 91 لسنة 2005 باعتبار ضريبة التصرفات 2.5 فى المائة، على التصرفات -وإن تعددت- طالما أن البائع لا يحترف أو يمتهن هذا العمل، حيث إن تعدد البيع ليس دليلا على عملية الاحتراف أو الامتهان، ومن ثم نتجاوز عن فكرة ( تكرار التصرف ) كدليل إثبات على الاحتراف أو الامتهان»، مطالبًا وضع معايير قطعية الدلالة وتعليمات تنفيذية أو كتاب دورى به تفاصيل التطبيق وتوضيح المفاهيم مما لا يحتمل معه اللبث أو الاختلاط.
وأضاف أنه «قد سبق لمصلحة الضرائب إصدار تعليمات واضحة لبعض مواد القوانين خلال الفترات الماضية حتى لا نكون أمام نص معطل عند إقراره ، أيضا نعلم الأثر الفورى لصدور التشريعات، فهل سنجد حلولا للتصرفات التى تمت سابقا ولم تحاسب أو ما زال حولها نزاع؟»، لافتًا إلى ضرورة وضع معايير لموضوع اعتماد القيمة الواردة بالعقد «لأنه أصبح الأصل هو التعديل بالمأموريات والاستثناء هو الاعتماد، مع العلم أنه لا يوجد ما يخالف القيمة الواردة بالعقد لدى معظم المأموريات، علما بأن التصرفات العقارية لا يجوز التعامل معها بمفهوم (حالة المثل) لطبيعتها».
كما شدد على أن «الاهتمام ببعد الرقمنة وإتاحة الخدمات إلكترونيا والتى زادت لتشمل خدمات الموبايل والموبايل أبلكيشن بالنسبة لضريبة التصرفات يعد أمرًا غاية فى الأهمية، التوسع فى استخدام النظم والمنصات الإلكترونية (الفاتورة والإيصال الإلكتروني) هو الأداة الوحيدة لضمان الشفافية وسرعة أداء الخدمات. هذا التحول الرقمى هو ما مكن من تحقيق النمو الكبير فى الإيرادات الضريبية».
ولضمان نجاح التزام الرد السريع لضريبة القيمة المضافة، اقترح «كمال» أن تعتمد العملية بشكل كلى على الأنظمة المميكنة لمنع التدخل البشرى وضمان الشفافية والسرعة، مشددًا على ضرورة تطوير العنصر البشرى ويجب ضمان تدريب العاملين بالضرائب وبرنامج تحفيزى لهم لمواكبة التطور فى التعامل مع الممولين، خصوصاً فى التعامل مع الآليات المعقدة مثل فحص تسعير المعاملات والرد السريع لضريبة القيمة المضافة. إن جودة التطبيق هى التحدى الأكبر لأى مبادرة طموحة.
وفيما يخص مجتمع الأعمال وهو الداعم الأساسى للموارد الضريبية، قال إيهاب سلام، عضو اتحاد المستثمرين: الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية تمثل خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار فى مصر، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، وما يميز هذه الحزمة بشكل واضح هو التركيز على تبسيط الإجراءات الضريبية، وتقليل التعقيدات الإدارية المرتبطة بضريبة العقارات والمعاملات الضريبية الأخرى، وهو أمر بالغ الأهمية للشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، الذين يمثلون العمود الفقرى للنشاط الاقتصادى الوطني.
ولفت عضو اتحاد المستثمرين، إلى أنه من منظور استثماري، توفر الحزمة حوافز واضحة للالتزام الضريبي، مثل إدراج الشركات ضمن «القائمة البيضاء» ومنحها «كارت التميز»، مما يتيح لها الحصول على أولوية فى الخدمات الضريبية والاستفادة من سرعة الرد على استفساراتها أو طلبات استرجاع الضرائب، وهو ما يحسن السيولة ويتيح إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والتوسع.
كما أشار «سلام» إلى أن «الحزمة تقدم تسهيلات فعّالة تعزز من الاستقرار المالى ويحد من المخاطر التشغيلية. الحزمة أيضًا تشجع على النزاهة والشفافية فى التعامل مع مصلحة الضرائب، من خلال ربط التسهيلات بالالتزام الكامل بالقوانين، بما يشمل تسجيل النشاط التجاري، تقديم الإقرارات، والاعتماد على نظم الفوترة الإلكترونية، كما أنها فرصة لتوسيع النشاط التجارى واستثمار الموارد بكفاءة أكبر، من خلال تخفيض الأعباء الإدارية، وضمان التقدير السليم للالتزامات الضريبية، مما يوفر بيئة أكثر استقرارًا للتخطيط المالى طويل الأجل».
وحول ما تضمنته الحزمة من استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية وضريبة الدمغة على التعاملات فى البورصة قالت الجمعية المصرية فى بيان صادر عنها، إن «إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية يمثل نقطة تحول فى السياسة المالية تجاه سوق المال، لأن هذه الضريبة تم تأجيلها 5 مرات على مدار 11 عاما لصعوبة تطبيقها وتأثيرها على السيولة ودفعها الأفراد إلى التخارج والتوجه إلى الإدخار فى البنوك والمضاربة على الذهب والعملة».
وأكد البيان أن «استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية يحقق عدة فوائد أهمها زيادة السيولة فى السوق لأن ضريبة الدمغة أبسط وأقل عبئا من ضريبة الأرباح الرأسمالية، مما يؤدى إلى زيادة الطلب وارتفاع حجم التداول، وكذلك يدعم ثقة المستثمر المحلى والأجنبى، مما يحفز المستثمرين الأفراد والمؤسسات على زيادة الاستثمارات فى الأسهم، خاصة فى ظل تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلى وتراجع معدلات التضخم، إلى جانب تهيئة السوق لبرنامج الطروحات الحكومية، بالإضافة إلى مضاعفة حصيلة خزانة الدولة عدة مرات، لأن ضريبة الدمغة عندما فرضت عام 2013 حققت لخزانة الدولة 350 مليون جنيه عندما كان حجم التعامل فى البورصة 500 مليون جنيه يوميًا، ومن المتوقع أن تقفز الحصيلة إلى 4.5 مليار جنيه سنويًا فى ظل ارتفاع حجم التعامل إلى 8 مليارات يوميًا».