رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

القراءة الناقصة لأرقام اقتصادنا


13-12-2025 | 14:19

.

طباعة
بقلـم: عبدالقادر شهيب

خطأ اقتصادى شائع، لا يقتصر ارتكابه على غير المتخصصين فقط، وإنما يشارك فى ارتكابه متخصصون أيضًا، وأحيانا يتم ذلك بشكل مُتعمد لإخفاء تغير سلبى أو لإظهار الإيجابيات فقط وإخفاء السلبيات.. وهذا الخطأ يمكن تسميته بـ«القراءة الناقصة لأرقام الاقتصاد».. ويحدث ذلك منذ سنوات، واعتاد عليه البعض منّا وشارك فيه للأسف الإعلام كثيرا دون قصد وأحيانًا بقصد، ولكن بمناسبة ما يُثار الآن حول اقتصادنا هذا الأسبوع، سوف نختار مثالين للقراءة الناقصة لأرقام اقتصادنا، الأول خاص بديونها الخارجية، والثانى خاص باحتياطيات النقد الأجنبى لدى البنك المركزى.

 

وبالنسبة لديوننا الخارجية، فقد لاحظ البعض مؤخرًا ارتفاعًا فى أرقامها بعد شهور من اتجاهها للانخفاض لتتجاوز 160 مليار دولار، وقيل إن السبب يتمثل فى ارتفاع قيمة اليورو بالنسبة للدولار.. وهذا صحيح بالنسبة لجزء من هذه الديون لا يتجاوز الخمس، لأن لدينا ديونًا خارجية باليورو، وأرقام إجمالى ديوننا محسوب بالدولار، ولذلك زادت قيمتها حسابيا أو على الورق وفى الدفاتر.. ولكن بقية ديوننا الخارجية زادت، وبالتالى نتيجة سبب آخر يمكننا أن نستنتجه وهو عودتنا للحصول على قروض من الخارج مجددا، بعد أن كنّا قد توقفنا لبعض الوقت عن الاقتراض من الخارج، فنحن حصلنا على شريحتين من قرض صندوق النقد الدولى، وحصلنا على دعم مالى أوروبى، بعضه قرض، وبالتالى عندما ينخفض اليورو تجاه الدولار لن تنخفض كل ديوننا الخارجية؛ وإنما بعضها فقط.. ولذلك سيظل رقم إجمالى ديوننا الخارجية يسجل زيادة حتى نتوقف عن الاقتراض من الخارج أو نخفض ما نقترضه من الخارج إلى ما دون ما نسدده من أقساط ديوننا الخارجية، أقساط وليست بالطبع الفوائد.. وهذا يحتاج لخطة مُحكمة للسيطرة على اقتراضنا من الخارج، تفرض أن يتم الاقتراض لتمويل ما يمثل أولوية اقتصادية من مشروعات وأن تكون الجهة المقترضة قادرة على سداد قيمة القرض وفوائده أيضا.. وقد سبق أن فعلنا ذلك فى تسعينيات القرن الماضى بعد حرب تحرير الكويت والتخلص من بعض ديوننا الخارجية، ولذلك أنهينا العقد الأول من القرن الحالى بزيادة محدودة فى ديوننا الخارجية.

أما المثال الثانى، فهو يتعلق برقم احتياطيات النقد الأجنبى لدى البنك المركزى.. فقد سجلت قيمة هذه الاحتياطيات زيادة كما اعتدنا خلال الأشهر الأخيرة لتسجل رقما قياسيا وهو 50.2 مليار دولار.. كما أعلن البنك المركزى.. ولكن لا يكفى لمَن يريد متابعة كاملة لأحوالنا الاقتصادية أن يتوقف عند ذلك فقط، عليه أن يكمل قراءة بقية أرقام تلك الاحتياطيات التفصيلية، التى تكشف أن السبب لتسجيل احتياطيات البنك المركزى زيادة كان هو ارتفاع قيمة الذهب فى هذه الاحتياطيات، بقدر يفوق انخفاض قيمة الأموال السائلة من هذه الاحتياطيات. وهذا أمر ليس مفاجئا لأن الفجوة الدولارية ما زالت موجودة لزيادة إنفاقنا من النقد الأجنبى عن مواردنا منه، ونحن نسدّ هذه الفجوة الآن بسندات الخزانة الدولارية وننتظر الحصول على شريحتين جديدتين من قرض الصندوق، وهما آخر شريحتين.

وهكذا.. مَن يريد الإحاطة بشيء بشكل كامل يتعين أن يحيط به من كل وشتى الجوانب، ولا يكتفى بجانب واحد يتخيّره أو يروق له وينسى أو يتناسى بقية الجوانب الأخرى، وخاصة فى مجال الاقتصاد.. وبذلك، فإن الرقم الإجمالى لا يكفى، واختيار رقم واحد من جملة أرقام لا يُبين كامل الحقيقة.. وقديما قال الفلاسفة إن تجزئة الحقيقة تشويه للحقيقة، والاقتصاد متشابك ومترابط، ولا يمكن فصل جزء منه والحديث عنه فقط، وهذا ما يؤكده علم الاقتصاد السياسى.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة