«تقوم مصر بإدارة أزمة غزة باحترافية كبيرة للحد من التصعيد المباشر، فعندما تقوم إسرائيل بخطوات استفزازية، تتحرك القاهرة عبر قنوات متعددة لاحتواء الموقف»، بهذه العبارة تختصر الدكتورة نهى بكر، عضو الهيئة الاستشارية للمركز المصرى للفكر والدراسات، أستاذ العلوم السياسية، المشهد فى غزة بعد أسابيع من إبرام اتفاق شرم الشيخ، حيث يتقدم الاتفاق على الورق بينما يتعثر على الأرض انتقالًا إلى المرحلة الثانية.
«د. نهى»، فى حديثها مع «المصور»، أوضحت أن مصر تلعب دورًا محوريًا عبر مزيج من الوساطة الداخلية الفلسطينية لبناء الاستقرار، والدبلوماسية الدولية لفرض ترتيبات دائمة ورقابة مشتركة، وإدارة الأزمات المباشرة مع إسرائيل، مشددة فى الوقت نفسه على أن عقد مؤتمر إعادة الإعمار فى غزة فى الوقت الحالى يمكن اعتباره «خطوة حاسمة» لتثبيت وقف الحرب..
وإلى نص الحوار.
من المنظور الدولى، فرنسا تدعو إلى تحويل الهدنة إلى سلام دائم عبر حل سياسى يشمل إقامة الدولة الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة نزع سلاح حماس وعودة السلطة الفلسطينية التى تنفذ الكثير من الإصلاحات لإدارة القطاع
كيف يمكن توصيف الوضع الحالى فى غزة بعد أسابيع من وقف إطلاق النار وفق اتفاق شرم الشيخ؟
بعد دخول وقف إطلاق النار الحالى حيز التنفيذ يُمكن توصيف الوضع فى غزة بأنه «هدوء هش ومقلق» على أرضية أزمة إنسانية كارثية، ولم يتم إحراز أى تقدم حقيقى نحو سلام مستدام. فإذا نظرنا للمرحلة الأولى سنجد أنها تستمر 42 يومًا وتشمل وقف العمليات العسكرية المتبادلة، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا من مناطق مأهولة بالسكان فى غزة، مع تبادل الأسرى والمحتجزين، حيث أطلقت حماس سراح محتجزين إسرائيليين (مدنيين وعسكريين) مقابل إطلاق إسرائيل سراح أعدادًا كبيرة من الأسرى الفلسطينيين. أما فيما يخص الإجراءات الإنسانية والعسكرية، فالاتفاق نص على دخول المساعدات عبر فتح معابر وسمح بدخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا (بما فى ذلك الوقود) إلى غزة، على أن تخصص 300 منها للشمال، وعودة النازحين إلى مناطق سكنهم مع انسحاب القوات الإسرائيلية، ومنح حرية تنقل للسكان فى عموم القطاع. وكان من المفترض أن تؤدى المفاوضات خلال المرحلة الأولى إلى وقف دائم لإطلاق النار فى المرحلة الثانية، يليه انسحاب إسرائيلى كامل وعملية إعمار فى المرحلة الثالثة، لكن الواقع الحالى أننا أمام «مرحلة أولى متعثرة» وأزمة إنسانية لا تزال مستمرة.
برأيك.. هل توجد مؤامرة إسرائيلية للعودة إلى الحرب وإفشال الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق؟
على الأرض، تُظهر الحقائق أن الاتفاق واجه تحديات جسيمة ولم يتم الانتقال حتى الآن إلى المراحل الموعودة، وذلك بسبب استمرار المأزق السياسى، فالمفاوضات صعبة ولم يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق التى كان من شأنها تحقيق وقف دائم.
والسبب الرئيسى فى ذلك هو الخلافات المستمرة حول شروط المرحلة الثانية، حيث تحاول إسرائيل ربط الانتقال باستعادة جثث جميع المحتجزين، على الرغم من أنها تسلمت جميع الجثامين باستثناء جثمان واحد، بينما ترى الأطراف الوسيطة أن هذا لا يجب أن يكون عائقًا.
ولا تزال هناك أزمة إنسانية غير محلولة، فرغم تحسن دخول المساعدات نسبيًا فى بداية الاتفاق والمساعدات المصرية الكبيرة، فإن الحصار الاقتصادى والإنسانى لم يُرفع بشكل كامل، والوضع لا يزال كارثيًا بالنسبة لحوالى مليونى مواطن يعانون من نقص حاد فى الغذاء والدواء والمأوى، وسط دمار هائل طال أكثر من 60فى المائة من منازل القطاع.
ما طبيعة الأفكار بشأن ملامح «اليوم التالى» بعد وقف القتال؟
حتى الآن توقيت مرحلة الإعمار غير محدد، فمع عدم إنجاز الانتقال للمرحلة الثانية، لم تبدأ بعد أى عملية إعمار حقيقية واسعة النطاق، خاصة مع تأكيد الأطراف الدولية استعدادها لمساعدة الشعب الفلسطينى، وعلى إسرائيل أن تتحمل مسؤولياتها، وبالتالى فحتى الآن لا يوجد اتفاق على شكل «اليوم التالى» فى غزة، والاقتراحات الخاصة بنشر قوة دولية أو إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع لا تزال مجرد أفكار على طاولة النقاش دون تنفيذ.
ومن المنظور الدولى، تدعو الأطراف الدولية مثل فرنسا إلى تحويل الهدنة إلى سلام دائم عبر حل سياسى يشمل إقامة الدولة الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة نزع سلاح حماس وعودة السلطة الفلسطينية التى تنفذ الكثير من الإصلاحات لإدارة القطاع، فى المقابل فمن المنظور الإسرائيلى يسود تركيز على تحقيق «الأهداف الأمنية» المتمثلة فى استعادة جميع المحتجزين والقضاء على القدرات العسكرية لحماس، وهو ما قد يفسر التردد فى الانتقال لمراحل سياسية.
ومن الجانب الفلسطينى هناك إصرار من قبل الأطراف الوسيطة على أن الانتقال للمرحلة الثانية من حق الفلسطينيين، ولا يحق لإسرائيل عرقلته بحجج فرعية، كما أن هناك رفضًا قاطعًا لأى حديث عن تهجير سكان غزة، مع التأكيد على حقهم فى البقاء فى أرضهم. باختصار، وضع غزة اليوم هو حالة من «اللاسلم واللاحرب» غير المستقرة، فالمعركة العسكرية المباشرة توقفت، لكن الحرب السياسية والمفاوضات المتعثرة تحول دون تحقيق أى استقرار حقيقي، بينما يستمر المدنيون فى دفع الثمن الأكبر.
كيف يمكن أن يشكل بدء الإعمار على الأرض «سدًا سياسيًا» أمام أى محاولة إسرائيلية لإعادة الحرب؟
عقد مؤتمر إعادة الإعمار فى غزة فى الوقت الحالى يمكن اعتباره خطوة حاسمة لعدة أسباب، أولها توفير بدائل عملية للصراع، وذلك لأن إعادة الإعمار تخلق أجندة تنموية مشتركة يمكن أن تحول التركيز من دائرة العنف إلى البناء والتعاون الدولى، بالإضافة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة، فتدمير البنية التحتية وتفشى الفقر يديمان حالة اليأس التى تغذى الصراع، لكن إعادة الإعمار قد تساعد فى تحسين الظروف المعيشية، كما أن المبادرة السريعة بعد النزاع تستغل الرغبة الشعبية والإقليمية والدولية فى حالة السلام، وتقدم رؤية مستقبلية بديلة. وعلينا أن نؤكد أيضًا على أن سرعة إعادة الإعمار تقلل من فرص التطرف، فالبيئات المدمرة والمهمشة تكون أرضًا خصبة للتطرف، وإعادة الإعمار السريعة يمكن أن تحد من هذا الخطر.
ما المطلوب إذا للمضى قدما فى إعادة إعمار القطاع؟
نجاح هذه الخطوة يتطلب ضمانات لاستخدام المساعدات لأغراض مدنية بحتة وآليات رقابة دولية شفافة وإشراف فلسطينى فعلى، بالإضافة لربط إعادة الإعمار بمسار سياسى شامل وتنسيق مع السلطة الفلسطينية وضمان عدم إفادة أى طرف عسكرى من عملية إعادة الإعمار بدون هذه الضمانات، قد تتحول إعادة الإعمار إلى مجرد إصلاح مؤقت لدورة دمار متكررة، فالنجاح الحقيقى يتطلب معالجة الأسباب السياسية الجذرية للصراع بالتوازى مع الجهود الإنسانية والإنمائية وتوفير الموارد الماليه القلقة من عدم وجود تأمين لعدم عودة الصراع .
ما تأثير التنسيق «المصرى _ الأمريكى» فى منع أى تصعيد عسكرى فى غزة؟
بعد اعتماد مجلس الأمن لخطة ترامب فى نوفمبر 2025، تمر العملية بمرحلة هشة وعرضة للتصعيد، حيث إن المرحلة الأولى وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى دخلت حيز التنفيذ فى أكتوبر 2025، لكن التقدم نحو المراحل اللاحقة مثل نزع السلاح والإدارة الانتقالية بطيء وغامض، وبالتالى ففى هذا السياق، يلعب التنسيق المصرى الأمريكى أدوارًا محورية فى منع الانزلاق مجددًا نحو المواجهة العسكرية.
ويعمل هذا التنسيق على عدة مستويات لتثبيت الهدنة، أولها آلية المراقبة والتنسيق الميدانى حيث أنشأت الولايات المتحدة مركز تنسيق عسكرى فى إسرائيل، يعمل فيه حوالى 200 فرد أمريكى لمراقبة تنفيذ الاتفاق وضمان عدم حدوث انتهاكات أو توغل. ويتوقع أن يشارك فى هذه المراقبة فريق مصرى كجزء من فريق دولى الهدف المباشر هو الإشراف الفنى على وقف إطلاق النار وضمان التزام الأطراف، مما يمنع تجدد المواجهات عن طريق سوء التقدير أو الاشتباكات المحلية.
بالإضافة لذلك يبرز دور الوساطة الدبلوماسية والضغط السياسى، فمصر بعلاقاتها الممتدة مع جميع الأطراف والثقه فيها كوسيط محايد، نجحت فى استضافة المفاوضات مثل قمة شرم الشيخ والوصول إلى الاتفاق الحالى، هذا الدور يجعلها قناة اتصال أساسية تستطيع تهدئة الموقف والضغط من أجل الالتزام بالاتفاق، لسد فجوة الثقة بين الأطراف، وخلق مسار سياسى بديل عن العودة للحرب، والضغط من أجل تنفيذ المراحل اللاحقة.
هذا يأتى مع إصرار مصر منذ بداية الحرب على رفض أى خطط للتهجير القسرى للفلسطينيين، وهو موقف تم تضمينه فى الخطة النهائية، كما من المتوقع أن تضطلع مصر بدور محورى فى تأمين المناطق الحدودية ضمن إطار القوة الدولية المستقبلية، لإزالة أحد أكبر أسباب التصعيد وتوفير إطار أمنى بديل للحدود يسمح بالانسحاب الإسرائيلى التدريجى دون خلق فراغ أمنى.
هل يشكل توجه «نزع سلاح حماس» عقبة أمام استمرار وقف إطلاق النار؟
رغم جهود الوسطاء وخاصة الدور المصرى، فعلى الأرض هناك مخاوف بالفعل، فالوضع لا يزال هشًا لعدة أسباب، ويمكن أن يؤدى أى منها إلى تصعيد عسكرى، ومنها مسار تنفيذ الخطة، خاصة فيما يتعلق بتفاصيل نزع السلاح ومواصفات «القوة الدولية»، وهى أمور لا تزال غامضة وغير واضحة آلياتها، مع رفض حماس القرار واعتبرته «وصاية دولية»، وأعلنت أن نزع سلاحها ليس على الطاولة، مما قد يشكل عقبة رئيسية أمام المرحلة التالية، هذا بجانب مخاوف إسرائيلية من الفراغ الأمنى وتشكك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فى قدرة الخطة على ضمان الأمن، وتصر على نزع سلاح حماس كشرط مسبق للانسحاب الكامل.
كيف تسهم التحركات المصرية لبناء التوافق الفلسطينى الداخلى وتنسيق ترتيبات الاستقرار فى غزة؟
تعمل مصر على بناء توافق فلسطينى داخلى، وهو عامل استقرار أساسى، فقد نجحت فى الحصول على موافقة الفصائل الفلسطينية، بما فى ذلك حماس وفتح، على تسليم الإدارة المدنية لغزة إلى لجنة تكنوقراط مستقلة تكون مسؤولة عن إدارة القطاع.
كما تواصل مصر جهودها لتحقيق المصالحة الفلسطينية والوصول إلى اتفاق فى ملفات مثل الترتيبات الأمنية المستقبلية، وهذا التوافق يقلل الفراغ الأمنى والصراعات الداخلية التى قد تقدم لإسرائيل ذريعة للتدخل العسكرى.
وكذلك، تقوم مصر بالضغط الدبلوماسى لفرض ترتيبات دائمة على سبيل المثال، تُنسق مصر مع الولايات المتحدة وأطراف إقليمية أخرى مثل تركيا من أجل إنشاء قوة استقرار دولية بتفويض من الأمم المتحدة، وسيكون دور هذه القوة مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار وتسهيل دخول المساعدات، ووجود مثل هذه القوة يرتفع بعملية المراقبة إلى مستوى دولى، ويُصعد على إسرائيل الالتزام بالاتفاقات.
إلى أى مدى من الممكن أن يساهم هذا التنسيق المصرى فى منع أى استفزازات إسرائيلية؟
مصر تدير الأزمة باحترافية ودبلوماسية كبيرة للحد من التصعيد المباشر، فعندما تقوم إسرائيل بخطوات استفزازية، تتحرك مصر عبر قنوات متعددة لاحتواء الموقف، فعلى سبيل المثال، ردًا على إعلان إسرائيل عسكرة حدودها مع مصر، نقلت القاهرة اعتراضها عبر القنوات السياسية والأمنية المباشرة مع إسرائيل، كما رفعت الأمر للولايات المتحدة بوصفها الراعى لاتفاق السلام، وهذا يضعف الرواية الإسرائيلية المنفردة للأحداث ويرفع التكلفة الدبلوماسية المحتملة لأى تصعيد. وبالتأكيد.. مصر تلعب دورًا محوريًا عبر مزيج من الوساطة الداخلية الفلسطينية لبناء الاستقرار، والدبلوماسية الدولية لفرض ترتيبات دائمة ورقابة مشتركة، وإدارة الأزمات المباشرة مع إسرائيل، ويهدف هذا النهج متعدد المسارات إلى خلق واقع جديد على الأرض يصعب على إسرائيل خلق مبررات للتصعيد العسكرى من جانب واحد، ويبقى التحدى الأكبر هو استمرارية هذا التوافق الفلسطينى وقدرة الآليات الدولية المقترحة على العمل بفاعلية تحت ضغط التعقيدات السياسية المستمرة فى المنطقة.