محطات المترو التى تحولت إلى مسارح صغيرة تعلو فى جنباتها الهتافات ممزوجة بأصوات وقرعات الطبول، وفى الشوارع المحيطة باستاد لوسيل وملعب «أحمد بن على» و«البيت» و«974» واستاد المدينة التعليمية واستاد خليفة الدولى، تتداخل الأغانى الشعبية من مصر مع الزغاريد المغربية والهتافات الخليجية، لتصنع حالة فريدة لا تتكرر إلا فى مناسبات كبرى تجمع العرب.
كورنيش «كتارا»، فى تلك الأيام ليس مجرد مساحة مفتوحة على البحر، بل تحول إلى ساحة عربية واسعة تجمعت فيها جماهير من مختلف الدول، فى مشهد يعكس كيف يمكن لكرة القدم أن تتحول إلى جسر ثقافى واجتماعى يعيد وصل ما انقطع، فالأعداد الكبيرة التى توافدت إلى «الدوحة» من عائلات، وشباب، وزوار جاءوا من كل أركان العالم العربى، أضفت على المنطقة طابعا احتفاليا يختلط فيه صوت البحر بأصوات الفرح والهتافات والنغمات التراثية.
وفى قلب المشهد، ظهرت «العرضة القطرية»، كأنها لوحة تراثية خرجت من كتب التاريخ لتستعيد حضورها وسط زخم البطولة، السيوف المرفوعة، والخطوات المتناغمة، والهتافات الإيقاعية، كلها صنعت حالة فريدة من الانتماء الوطنى والبهجة الشعبية، ومع دقات الطبول التى كانت تُسمع من بعيد، بدا المكان وكأنه يعلن بداية احتفال عربى كبير تحت راية بطولة واحدة.
أما المشاركة المصرية فى فعاليات كورنيش «كتارا»، فقد جاءت بطابع خاص يميزها عن بقية العروض؛ إذ حملت معها روح «الاحتفال الشعبى»، الذى يعرفه الجمهور العربى جيدًا ويتفاعل معه بسهولة، وما إن بدأت الفرقة المصرية عرضها حتى التفت الجماهير حول المسرح المفتوح، سواء المصريون المقيمون فى قطر الذين جاءوا بحنين واضح لأجواء القاهرة، أو الجمهور العربى الذى وجد فى الإيقاع المصرى شيئا مألوفا يشعل الذاكرة والبهجة معًا.
لم يقتصر العرض على الجانب الفنى فقط، بل حمل معه حالة وجدانية واضحة، تجلت فى تفاعل الجالية المصرية التى ملأت المكان بالأغانى الوطنية والهتافات للمنتخب المصرى، فكلما تقدمت الفرقة فى عرض جديد، ارتفعت أصوات التصفيق والزغاريد والدفء الإنسانى المعروف عن المصريين، وكأنهم ينقلون جزءًا من شوارع القاهرة إلى قلب الدوحة، كما أسهم الأداء المصرى فى جذب جمهور غير مصرى أيضًا، ممن وقفوا يشاهدون العرض بإعجاب واضح.
الحضور الجماهيرى المصرى من أبرز سمات بطولة «كأس العرب»، هذا العام، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث الحيوية والتنظيم والروح الذى يضيفونه للأجواء داخل وخارج الملاعب، فمنذ الساعات الأولى لليوم، يمكن بسهولة رصد حركة الجالية المصرية وهى تتجه نحو محيط الاستادات فى جماعات كبيرة، تحمل معها روحًا احتفالية خاصة لا تخطئها العين، وعلى امتداد الطرق المؤدية إلى الاستادات، يلفت مشهد انتباه أعلام مصر بأحجام مختلفة ترفرف فى الهواء، وأصوات الاحتفالات الشعبية والهتافات المعتادة التى ارتبطت بالمنتخب، مثل «أوه مصراوى أوه مصراوي»، «صور ذيع.. كأس العرب مش هيضيع»، تتعالى كلما اقتربت الجماهير من بوابات الدخول، ويبدو القميص الأحمر، بدرجاته المتعددة، كأنه علامة موحدة للجماهير المصرية، حيث تقف الجالية المصرية فى قطر، التى تعد من أكبر الجاليات العربية هنا، وراء هذا الحضور اللافت، فالعائلات تأتى بأطفالها، والشباب يحضرون فى مجموعات كبيرة، بينما يصطحب البعض طبولًا صغيرة وأدوات تشجيع تذكرك بأجواء استاد القاهرة، ويلفت النظر أن هذا الحضور لا يقتصر على المصريين وحدهم، ففى مباريات المنتخب، تنضم جماهير عربية أخرى إلى دائرة التشجيع، مدفوعة بالطاقة الإيجابية والروح المرحة التى تميز الجمهور المصرى دائمًا.
لم تكن الجماهير المصرية وحدها التى صنعت الأجواء فى المدرجات، فقد شاركت جموع غفيرة من الجماهير العربية فى رسم لوحة متكاملة تعكس وحدة المشهد الرياضى العربى فى كأس العرب، فمن المغرب وتونس والجزائر والأردن حضرت جماهير ترفع رايات بلدانها وتحتفى بأغانى التراث المغاربى، لتضيف إيقاعا خاصا يميز حضورهم أينما ظهروا، أما الجماهير العراقية، فجاءت كالعادة بروحها الصاخبة وهتافاتها القوية التى تشعر مَن يستمع إليها بأن جزءًا من أجواء بغداد قد انتقل إلى الدوحة.
وتقدم الجماهير السعودية حضورا منظما ومكثفا، حيث يرتدى المشجعون الأخضر ويحملون الطبول والدفوف، بينما تضيف الجماهير الفلسطينية لمسة وجدانية خاصة؛ إذ تتداخل هتافاتهم الداعمة لوطنهم «غزة»، مع مساندتهم لبقية المنتخبات العربية، فى مشهد يلامس القلب، أما المشجعون السوريون واليمنيون، فقد حضروا بأعداد لافتة، حاملين معهم حالة من الشغف والأمل عبرت عنها الأغانى الوطنية التى ظلوا يرددونها داخل وخارج الملاعب.
كما برز الحضور الكويتى فى محيط الاستادات وفى المدرجات، حيث جاءت مجموعات كبيرة من الجالية والزوار رافعين أعلام الكويت ومرددين هتافات جماعية انعكست على الأجواء ببساطتها ودفئها، هذا التنوع الجماهيرى لم يكن مجرد أعداد تتجمع فى المدرجات، بل كان حالة عربية مكتملة الأركان، تظهر فيها الهتافات والأعلام والطاقة المشتركة وكأنها تقول إن البطولة ليست مجرد مباريات، بل لقاء عربى واسع يجمع ما فرقته السياسة والمسافات، لقد تحولت الدوحة خلال البطولة إلى مساحة يتقاسم فيها العرب شغفهم بكرة القدم، ويعيدون اكتشاف بعضهم بعضا بمنظور جديد أكثر قربا وأكثر صدقا وأكثر احتفالا بالهوية المشتركة.